روائع البيان القرآني - سورة البقرة الآيات (111 - 113)

روائع البيان القرآني

د. محمد داوود

سورة البقرة الآيات (111 - 113)

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

http://www.fawaed.tv/episode/24063

تعالوا نتدبر رسالة الخالق إلى خلقه إلى كل الناس إلى كل البشر في كل زمان وفي كل مكان كيما نقف على روعة البيان القرآني وهو يسوق هذه الحقائق الربانية الإيمانية الهادية. نمضي مع الآيات في سورة البقرة وهي تبين هذه الحملة الظالمة الشعواء من اليهود وأهل الكتاب على المسلمين حين يشككون في النبي صلى الله عليه وسلم ويشككون في الوحي وهو القرآن الكريم ويشككون في الإله وهو رب العالمين الذي جاء محمد صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى توحيده. وتمضي بنا الايات لتقف بنا على جديد فيما قالوه وفي دخائل نفوسهم وفي منطقهم وفي حوارهم. قال تعالى: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿١١١﴾ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١١٢﴾ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴿١١٣﴾).

هذه الآيات التي يبين ربنا سبحانه وتعالى فيها محاولة احتكار أهل كل عقيدة الجنة لهم فكما حاول اليهود احتكار النبوة في بني إسرائيل قبل ذلك وحملهم ذلك على الكفر بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي كانوا يستفتحون يستنصرون به وجاء مصدقا لما معهم من التوراة وعلى الرغم من هذا كفروا به لما عرفوا أنه ليس من بينهم ليس من نسل سيدنا اسحق وإنما من العرب من نسل سيدنا اسماعيل عليه السلام. هنا يبين القرآن أمرًا آخر في دخائل نفوسهم الذي يعبر عن هذه الأنانية المبالغ فيها، يحاولون احتكار الجنة أيضًا يقول الله عز وجل (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) الله جمع بين القولين في آية واحدة، اليهود كانوا يقولون (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا) والنصارى كانوا يقولون (لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى) فلم جمع الله قوليهم في آية واحدة؟ ليبين أن هذه القولة كتلك من الدعاوى الباطلة التي لا تستند إلى دليل، قولة اليهود كقولة النصارى لا تستند إلى دليل، من الدعاوى الكاذبة، فجمع الله قوليهم في آية واحدة. ثم أعقب ذلك بقوله (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) دخول الجنة. وقد يسأل سائل: دخول الجنة أمنية واحدة وليست أماني مفرد وليس جمعًا فلِمَ عبّر القرآن بالجمع (أَمَانِيُّهُمْ)؟ في هذا غرض بلاغي عظيم أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يشير إلى شدة تعلقهم بهذه الأمنية وهي دخول الجنة حتى ملأت نفوسهم، حتى ملأت عقولهم، حتى ملأت كل كيانهم فلم يبق في عقلهم ولا نفسهم ولا قلبهم شيء لأمنية أخرى، فعبّر بالجمع ليفيد عظم هذه الأمنية التي ملأت قلوبهم وعقولهم وأنها لم تبق شيئا في عقولهم وقلوبهم يشتغلون به سوى هذه الأمنية! فعبّر بالجمع وهذا أمر بلاغي بديع في لغة القرآن الكريم. (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) والأمنية في أغلب دلالتها إنما تقوم على ما هو وهم ويكون كاذبًا ويعتمد على الخيال ويفتقد إلى واقع وتحققه فيه أمل ضعيف والأمنية عكس الرجاء فالرجاء إنما يكون فيه أمل في التحقق ومن هنا يعبر القرآن بكلمة (أمنية) ويجمعها ليبين أنها ملأت قلوبهم وعقولهم يعني أنهم عاشوا في هذا الوهم وهذا الخيال حتى ملأ قلبهم وعقلهم وفكرهم وأهواءهم وسبحان من هذا كلامه!

ثم يواجههم القرآن الكريم بهذا المنطق العقلي كي يلفت انتباههم إلى هذه الحقائق لأن الأوهام لا يمكن أن تتحول إلى حقائق فيقول (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). ينبغي لاعتقاد الإنسان أن يقوم على بينة وأن يقوم على حقائق، حتى في دنيا الناس، الإنسان ينبغي أن يبني معلوماته على حقائق وليس على وهم ولا شعوذة ولا دجل ولا ادعاء ولا خيال كاذب (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).

ثم يقرر القرآن بعد ذلك ويبين أن القاعدة الإيمانية في الدخول للجنة ودخول الجنة إنما تقوم على قاعدة إيمانية ربانية بينها الله وأكدها في القرآن الكريم في مواضع عديدة منها هذا الموضع فيقول ربنا سبحانه وتعالى (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١١٢﴾). هذه هي القاعدة الإيمانية في دخول الجنة تقوم على الإيمان الصادق والعمل الصالح دون محاباة لأمة على أمة ولا مجتمع ولا طائفة على طائفة ولا فرد على فرد وإنما هي تقوم على أساس الإيمان الصادق والعمل الصالح بالإحسان والإتقان. فيقول (بَلَى) مستدركًا (مَنْ أَسْلَمَ) إسلام الوجه لله إنما هو الانقياد التام، إنما هو منطق (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴿٢٨٥﴾ البقرة) هذا معنى إسلام الوجه لله، الانقياد التام، (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65) النساء) هذا هو المراد من هذا التعبير القرآن (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ). (وَهُوَ مُحْسِنٌ) الإحسان قيمة قرآنية في العمل الصالح، الإتقان والإحسان قيمة قرآنية يعلمها للمؤمنين فإذا صلى أتقن صلاته وإذا زكى أحسن زكاته وأيضًا في عمله الأيدي المتوضئة في أعمال الدنيا تعرف الإحسان فتنتج أفضل منتج بمعايير الجودة، الإحسان هو أعلى درجة في معايير الجودة، الإتقان، تنتج أفضل منتج بأفضل سعر، هذه قيم يوجهنا إليه القرآن: قيمة الإحسان (وَهُوَ مُحْسِنٌ) حين يكون الإنسان يسلم وجهه لله (سمعنا وأطعنا) (ويسلموا تسليما) ويقوم على العمل الصالح وهو محسن بالاتقان والإحسان، الثمرة والعاقبة والنتيجة يقول ربنا في أسلوب بديع وروعة من البيان القرآن (فَلَهُ) تعقيب مباشر بسرعة، (فَلَهُ) خصوصية له، ملكية له (فَلَهُ أَجْرُهُ) التعبير بكلمة (أجر) لها ظلال دلالية لها فضاء دلالي يدور حول الاستحقاق لهذا الأجر بما عمل، هو حقه فلا يخشى عليه من النقص إنما الاستحقاق هنا (فله أجره). (عِنْدَ رَبِّهِ) يمكن أن يكون لك أجر عند الناس فيضيع لكن هذا الأجر مضمون فيعبّر القرآن (عِنْدَ رَبِّهِ) ليس مضمونًا فقط بل وينمى أيضًا: الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. هذا ما تشير إليه الآية (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) كل كلمة تشير إلى جملة من الظلال الدلالية والفضاء الدلالي الذي يبشر المؤمن الأجر للاستحقاق (فله أجره) و(عند ربه) للضمان أن هذا الأجر لا يضيع وأن هذا الأجر ينمى لك الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ويزيد ولا حرج على فضل الله والله يضاعف لمن يشاء، أبشِر هذا أجرك ولك وعند ربك، سبحان من هذا كلامه!

ثم تأتي هذه الزيادة التي تعبر عن قمة الأمن والأمان في الدنيا والآخرة فيقول ربنا (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) والخوف إنما هو حصول شيء في النفس لتوقع مكروه في المستقبل بسبب أمارات أو علامات، أو بدون أمارات أن يتوقع الإنسان مكروهًا وأن يحصل هذا المكروه في المستقبل فهذا هو الخوف والخوف دائمًا يتعلق بالمستقبل فالله يؤكد أنهم في الملاذ الآمن مع الله عز وجل، في أمان (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). إن كان الخوف يتعلق بالمستقبل فإن الحزن يتعلق بما مضى والحزن ألم في النفس وأذى وغم ونكد لفوات مأمول أو حصول مكروه، وقع جانحة ما كنت تتوقعها فتكون حزينًا أو كنت تتمنى شيئًا لم يحدث وفاتك فتكون حزينًا فيما يخص الماضي فالله جاء يؤمن الماضي (لا حزن) والمستقبل أيضًا لأنك مع الله سبحانه فلا يخشى الإنسان هذا ولا ذاك.

والقرآن الكريم دائمًا يبين أن الأمان من الحزن والخوف من قضية الماضي والمستقبل والقلق والاضطراب الذي يكون الناس فيه بسبب ما فاتهم من أمور حصل بها الحزن عليها لهم أو بسببب توقع مكروه في المستقبل والخوف من المستقبل على نفسه أو على أولاده أو على ماله أو على شيء يتعلق به، الأمان الحقيقي هو عند الله سبحانه. دائمًا ربنا يبين في آيات القرآن من أولها إلى آخرها يبين الله سبحانه وتعالى أن الأمان من الحزن والخوف هو عند الله سبحانه وتعالى، الملاذ الآمن للمؤمن، للإنسان من الخوف والحزن هو عند الله، في غير هذه الآيات يقول الله عز وجل (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ فصلت) ويقدم القرآن الكريم الخوف على الحزن لأن الخوف يتعلق بالمستقبل فهو المهم وله الأولوية فما حدث حدث لكن القرآن يقدم الخوف لأنه هو الحاصل الآن على الحزن لأنه بسبب أشياء مضت في الماضي وهذا من الحكم البلاغية في الأسلوب القرآني على المستوى الدلالي.

لو تدبرنا في البيان التفصيلي لنفي الخوف إذا ما لاذ الإنسان بربه تجد أن ذلك يمتد لا إلى حياتك فقط بل إلى أحفادك (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9) النساء) هذا هو التأمين الحقيقي (خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ)، سيكونون في مأمن عند الله سبحانه لذلك جاء بعد (عند ربه) (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) حتى إلى الأحفاد الله سبحانه وتعالى يؤمنك ويؤمن أحفادك ويؤمن أموالك فلا يكون إلا في خير وإلى خير، تأمين لن تجد له مثيلًا يتفرد الله به (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)!.

ثم تنتقل الآيات بعد ادعاء الجنة وكشف هذه الدعاوى وبيان القاعدة الإيمانية في دخول الجنة يقول ربنا سبحانه (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ). هذه الدعاوى المتبادلة يسجل القرآن الكريم على الجميع ما يقوله بعضهم إلى بعض، إساءات بعضهم إلى بعض فيقول (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) الذي جاء به سيدنا موسى وهو التوراة وسيدنا عيسى وهو الإنجيل. (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) هم لا ينتفعون بهدي الكتاب، هم لا يستجيبون لهدي الكتاب. (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) يعني لو تدبرنا لوجدنا أن اليهود قالوا عزير ابن الله والنصارى قالوا المسيح ابن الله والذين لا يعلمون من العرب قالوا الملائكة بنات الله، لذلك الله سبحانه وتعالى يقول (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) هذه السقطة فيها تشابه بين الأقوال بين اليهود والنصارى وبين مشركي العرب أيضاً. ثم ينبه القرآن أن الله يحكم بين هؤلاء جميعًا في يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، بعد تفنيد هذه الدعاوى يكل الحكم بينهم إلى الله سبحانه وتعالى.

هكذا يبين الله سبحانه وتعالى هذا الجدل القائم بين أهل الكتاب اليهود والنصارى ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضد القرآن من جانب وأيضًا هنالك جدل قائم بين اليهود والنصارى على نحو آخر. وهذا يقف بالمؤمن على هذه الحقائق (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ (27) لإبراهيم) ليكون المؤمن على حق واقتناع وبيّنة، يؤمن برسول الله صلى الله عليه وسلم عن حق وعن بينة حين يقرر القرآن له هذا الحق الخالص.

 

هكذا الآيات بينت أنهم كما حاولوا احتكار النبوة في بني إسرائيل حاولوا أن يحتكروا الجنة لهم والنصارى حاولت أيضًا أن تحتكر الجنة لهم وحدهم وبين القرآن أن هذا من الأمانيّ التي تقوم على الأوهام ليس من الحقائق في شيء. والقاعدة الإيمانية في ذلك هي الإيمان الصادق والعمل الصالح لدخول الجنة وتحصيل التأمين الإلهي فلا خوف ولا حزن في الدنيا ولا في الآخرة. ويبين ما قالته النصارى في اليهود وما قاله اليهود في النصارى وما قاله مشركو العرب أيضًا في سقطتهم نحو ذلك ثم يكل حكمهم إلى الله يوم القيامة لينشغل المؤمن بما أراده الله منه من الإيمان الصادق والعمل الصالح وفي هذا النجاة وفي ذلك التأمين. سبحان من هذا كلامه وطوبى لعبد استمع فتدبر فانتفع وارتفع فاعتبروا يا أولي الأبصار وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل