روائع البيان القرآني - سورة البقرة الآيات (108 - 110)

روائع البيان القرآني

د. محمد داوود

سورة البقرة الآيات (108 - 110)

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

http://www.fawaed.tv/episode/24061

تعالوا بنا لنستجيب إلى دعوة الخالق لنتدبر رسالة الخالق إلى كل البشر (أفلا يتدبرون القرآن) وفي رحلتنا مع الآيات في سورة البقرة وهي تبين وتوضح وتفصّل نعم الله عز وجل على بني إسرائيل في مقابل جحودهم ونكراهم وفي مقابل المعاصي التي استقبلوا بها الأنبياء ووحي الله عز وجل ومضت الآيات تفصّل وتبين وتوضّح حتى وصلنا إلى هذه المواجهة بين اليهود وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يستفتحون بهذا النبي قبل بعثته ويستنصرون به فلما جاءهم ذلك النبي وعرفوا أنه ليس من نسل إسحق ليس من اليهود ليس منهم كفروا به وزاد حقدهم وحسدهم حينما علموا أنه من نسل اسماعيل من العرب أرادوا أن يحتكروا النبوة على بني إسرائيل. ثم بعد ذلك بدأوا يواجهون في حملة من التشكيك والافتراءات والإدعات المزعومة بدأوا يواجهون هذا النبي بالتكذيب بل بمحاولات القتل والتشكيك بالوحي بل والتشكيك بالإله الذي يدعوهم محمد لعبادته وهو رب العالمين حيث قالوا أنه يعاني من البَداء بأنه ينسخ ويغير الأحكام والآيات وأجابهم الله عز وجل كما رأينا وبين لهم أن النسخ إنما لحكمة التدرج في التشريع وهو ينبع من وراء طلاقة القدرة الإلهية (الم تعلم أن الله    قدير). وأمام هذه الحملة من الادعاءات والتشكيك صار في نفوس بعض المسلمين هواجس داخلية ووساوس الله يعلمها فيكشفها القرآن ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت واليقين الخالص ويبين لهم أن اتباع هذه الوساوس وهذه الهواجس يقود إلى خسارة فادحة وخيبة منكرة وهي تبديل الكفر بالإيمان وهذا ضلال وخسران وهي النهاية الخاسرة التي يتمناها اليهود والنصارى للمسلمين. فبدأت الآيات تنبّه المؤمنين وتثبّتهم كي لا يستجيبوا لهذه الهواجس. قال الله تعالى: (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴿١٠٨﴾ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٩﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٠﴾)

يقول الله عز وجل للمؤمنين الذين ثارت في دخائلهم بعض الهواجس متأثرين بحملة التشكيك من اليهود في القرآن وفي النبي وفي الإله فقال لهم (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) يعني سيدنا موسى سُئل من قومه أسئلة فيها تعجيز له كعادة اليهود في محاولات التعجيز لأنبيائهم حيث قالوا (اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ (138) الأعراف) هو يدعوهم إلى الواحد الأحد وهم يقولون اجعل لنا إلهًا، وسألوا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) وقالوا (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) إلى آخر الأسئلة التي سألها بنو إسرائيل لتعجيز موسى. فالله عز وجل ينبّه المؤمنين أن لا يقعوا في هذه السوءة ويقول لهم في هذا الاستفهام وغرضه الإنكار والتحذير لهم من أن يقعوا في هذه السوءَة (أَمْ تُرِيدُونَ) والقرآن يأتي بـ (أم) هنا التي هي بمعنى (بل) دون الأدوات الأخرى، إيثار (أم) على ما عداها من الأدوات لإفادة التحول أي الإضراب الانتقالي من التذكير لما تجيش به بعض صدور المسلمين من هواجس أثارتها دعايات اليهود الباطلة إلى التذكير وإلى العتاب، والله عز وجل يستخدم هذا الاستفهام ليثير الذهن ويلفت الانتباه ويوقظ العقول لأن تتدبر هذه الحقائق.

(أَمْ تُرِيدُونَ) وإيثار واستعمال المضارع (تريدون) لشمول الإنكار للحالة الحاضرة التي كانت في وقتها مع شموله أيضًا ما يتجدد منهم في المستقبل من الأجيال التالية وهذا من حكمة الله سبحانه. (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ) هذا الرسول الذي جاء من أجل هدايتكم (كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) (سئل) ببناء الفعل للمفعول فيه إيجاز بالحذف لأنه أغنى عن ذك كثير مما قالوا، هم لم يسألوا سؤالا واحد بل سألوا موسى عليه السلام أسئلة كثيرة متعددة متنوعة فجاء هذا الحذف ليشير إلى كل ما يمكن أن يتأتى وما حدث من هذه الأسئلة ويبين لهم أيضًا أنهم كانوا يطلبون الخوارق والمعجزات، الآيات التي كانوا يطلبونها من موسى عليه السلام ليست بمعنى الآية النصية المقروءة التي تهدي الناس وليست بمعنى الدليل ولا العلامة ولكن بمعنى الخوارق، والمعجزات التي يريدونها على أهوائهم والله سبحانه وتعالى يبين أن هذه الأمة أمهلها الله سبحانه وتعالى لأنه إذا نزلت الخوارق والمعجزات التي يطلبها الناس من آمن فقد نجا ومن لم يؤمن يهلك فورًا والله من نعمته أمهل هذه الأمة كي تمتد الفرصة لها وتطول كي تتوب وتؤوب وتستغفر وتعود إلى الله سبحانه وتعالى.

ثم بدأت الآيات بعد ذلك، بعد هذه الآية التي مهدت للآيات التي بعدها وهي تمهد لهذا المعنى العظيم الذي يكشفه الله لدخائل اليهود (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٠٩﴾). (ودّ) بالماضي الذي يفيد تأكيد ثبوت المعنى المشار إليه (كَثِيرٌ) لإفادة أن الأعمّ الأغلب منهم كانت لديه هذه الرغبة فهي رغبة عامة جارفة من معظم والأعم الأغلب من اليهود والنصارى. (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) (لو) التي تفيد التمني الذي ملأ قلوبهم. ويبين القرآن الكريم (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا) ولم يقل كافرين ليبين أنهم يريدون لكم أن تسقطوا إلى أعماق الكفر كيما تتخلصوا من كل صلة بالإيمان بهذا النبي أو بهذا القرآن فجاءت هذه الصيغة التي تدل على المبالغة التي تبين رغبتهم الجامحة البالغة في إغواء وإضلال المؤمنين. ثم بعد ذلك يبين ربنا السبب وراء ذلك إنه ليس السبب الحب لدينهم أو الرغبة في تكثير المؤمنين بدينهم، أبداً! ولكن هم يعلمون أن هذا الدين هو الحق لأنه جاء مصدقًا لما بين أيديهم من التوراة يعلمون هذه الحقائق فالذي دفعهم إلى ذلك هو الحسد والحسد هو تمني زوال النعمة عن الغير، لا يرضيه أن يحصل الإنسان على مثل النعمة، هو لا يرضيه إلا زوالها فيقول القرآن (حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) ومن (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) إنما تبين أنه من الأهواء المضلة التي امتلأت بها نفوسهم حقدًا على المسلمين (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) أي وضح أنه الحق لكنه الحسد الذي يدفعهم لذلك.

ثم بعد بيان حب الذات وكراهية الخير للآخر وهذه الغريزة التي امتلأت بحب الشر للآخر وتمني زوال النعمة عنه يأتي القرآن بشيء يؤكد القاعدة الإيمانية الإسلامية أن المسلم وأن الإسلام لا يقابل الشر بالشر ولا الحسد بالحسد ولا الحقد بالحقد وإنما القاعدة الإيمانية (ادفع بالتي هي أحسن). الشر يأتي عند المؤمن الصادق فيتحول إلى خير وإلى رغبة في الهداية لذلك يقول الله عز وجل لا تقابلوا هذه الشرور بشرور مثلها (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) العفو والصفح. العفو هو إسقاط العقوبة عن المخطئ والمذنب والصفح هو ترك التقريع والتأنيب واللوم والتثريب للآخر لأن الإنسان قد يُسقط العقوبة لكن يبقى في نفسه شيء أو أشياء من هذا الذي أذنب أو أخطأ في حقه فالله عز وجل يقول (فَاعْفُوا) أي أسقطوا العقوبة عنهم ولا تؤاخذوهم بذلك (وَاصْفَحُوا) لا يبق في قلوبكم من الحقد والحسد مثله (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) فهنا يجمع القرآن الكريم بين هاتين الفضيلتين العفو والصفح. والصفح أبلغ من العفو لذلك من بديع لغة التنزيل أنه يتدرج في هذا التصاعد في الخير، يعفو الإنسان أولًا ثم يصفح وهذا من التدرج في المعنى والصعود به حتى يأتي الله بأمره.

ثم يقول الله عز وجل بعد ذلك (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الله سبحانه وتعالى يجعل طلاقة القدرة الإلهية هي الملاذ الآمن لكم، فاعفوا واصفحوا ولا تخشوا من أن ينالكم من سوئهم وحقدهم شيء لأن الله على كل شيء قدير، قادر على حمايتكم وإبطال كل كيد لهم وهذا من حكمة الله سبحانه ومن بديع لغة التنزيل أن يأتي في آخر الآية في الفاصلة ما يبث الطمأنينة في قلوب المؤمنين. ثم بعد ذلك بعد أن بين أن المؤمن في حمى طلاقة القدرة في حمى الرحمن في حمى (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يلفت انتباه المؤمنين إلى سبيل الأمان كيف نصل ونحقق هذا الأمان ونتحصل عليه؟ هذه الكيفية والوسيلة للخير والأمان الذي يتحقق به الملاذ الآمن لكل مؤمن صادق ما يرشد إليه القرآن يقول الله تعالى (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿١١٠﴾)

الله عز وجل يرشدنا إلى سبيل تحصيل ذلك الأمان فيقول (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) لم يقل (وصلّوا) والظلال الدلالية لكلمة (وَأَقِيمُوا) ترشد وتبين أن هذه العبادة ينبغي أن تكون على أتم ما يكون، لأن إقامة الشيء أداء الشيء على تمامه وكماله (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ). لكن مع الزكاة لم يقل واقيموا الزكاة قال (وَآَتُوا الزَّكَاةَ) وهذا فيه فائدة أن الإنسان يسعى بالزكاة لينفع بها المستحق للزكاة والصدقة لا يكفي أن تخرج المال بل ينبغي أن تصل بهذا المال إلى هذه المنافع. (وَآَتُوا الزَّكَاةَ) فيها إشارة للمؤمنين أن يؤسسوا المؤسسات وأن يقيموا الهيئات التي تقوم على خدمة فريضة الزكاة لأن الإسلام من تفرده العظيم أنه يحقق العدالة الاجتماعية في المجتمع ويعيد توازن الثروة في المجتمع عن طريق الزكاة المفروضة أو الصدقة، يعيد التوازن في توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق الزكاة لذلك كان من حرص القرآن أن قال (وَآَتُوا الزَّكَاةَ) حتى تفعّل ذلك فالغنى يأتي من ماله لينفع الفقير ويسد حوائجه ويكفل اليتيم ويعالج المرضى فهنا تتحقق العدالة الاجتماعية بحب وأمان.

ثم يبين ربنا سبحانه وتعالى القاعدة (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) أي أن الخير الذي تصنعه كأنه يسبقك ينتظرك هناك في المنازل العالية في الجنة، الخير يقدمك ويسبقك إلى هناك (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ) تنكير (خَيْرٍ) للشمول والعموم قل أو كثر كلٌ على حسب استطاعته. (تَجِدُوهُ) و(وَمَا تُقَدِّمُوا) هو يسبقكم وتجدوه هناك، ينتظرك في القبر وينتظرك في يوم الحساب وينتظرك يوم القيامة (عِنْدَ اللَّهِ) أي الذي تقدمه في مأمن لا تناله يد سارق ولا يد مرتشي، هو في مأمن عند الله سبحانه وتعالى.

 

ثم يأتي هذا الختام (إن) التي تؤكد هذه الحقيقة (إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) التقدير والجزاء على كل صغيرة وكبيرة فأبشروا لن يضيع لكم حق ولن يضيع لمجتهد اجتهاد، أقبلوا على الله سبحانه وتعالى بهذه الآيات البينات التي أزالت هذه الهواجس واثرها في نفوس بعض المسلمين وحمتهم من الدعايات الباطلة من معسكر اليهود القرآن وضد النبي. ثم بعد ذلك كشفت دخائل هؤلاء من أهل الكتاب الذين يعادون المؤمنين ويشككون في عقيدتهم ثم بينت السبيل الذي يكون به الحمى: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخيرات ومما تقدم أننا لا نقابل الشر بالشر ولا الحقد بالحقد ولكن فاعفوا واصفحوا فسبحان من هذا كلامه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل