روائع البيان القرآني - ضرب المثل بالبعوضة

روائع البيان القرآني

د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

ضرب المثل بالبعوضة

http://www.fawaed.tv/episode/22927

نتدبر هذه الآيات كيما نقف على أسرار وروعة البيان وبديع لغة التنزيل لهذا الكتاب الحكيم القرآن الكريم. نواصل الرحلة وحلقة اليوم نتدبر هاتين الآيتين قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)). 

إستمعنا إلى قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) ما معنى الحياء؟ الحياء تغير وانكسار في المشاعر يظهر على الوجه حين يكون لدى الإنسان تخوف من شيء يعاب أو يُذمّ فالإنسان يظهر عليه الحياء في وجهه بهذا التغيير وانكسار العين وتغير الوجه واحمراره ونحو ذلك. والحياء إنما هو رد فعل لشيء يخشى الإنسان أن يراه الناس فيعاب هذا الشيء أو يذم هذا الشيء. (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا) ما القضية؟ القضية أن العرب في ثقافتها كانت تحتقر هذه الكائنات الصغيرة البعوضة وفي المثل العربي: فلان أحقر من بعوضة، هم ينظرون إلى هذه الكائنات بشيء من الاحتقار والتصغير ليست لها أهمية والله عز وجل يضرب لهم الأمثال كي يوضح لهم فلما عابوا أن الله سبحانه وتعالى قد ضرب لهم مثلا بالعنكبوت ومثلا بالبعوضة ومثلا بالذباب (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ (73) الحج) يبين ربنا سبحانه وتعالى إشارة لهم أن هذه البعوضة حين يضرب الله بها المثل فإن الله لا يستحيي من ذلك لأن نظرتكم بالحقارة لهذا الكائن نظرة غير منصفة وغير صحيحة وتقوم على جهل ويلفت انتباهنا إلى أن هذه البعوضة بها من الأسرار العظيمة التي لو وقف الإنسان عليها علم عظمة الخالق  بهذه الإمكانات الهائلة التي بينها العلم الحديث.

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا) (ما) بهذا الإبهام يفيد التنوع ويفيد الشمول وإحاطة العلم (بعوضة) ليبين أن البعوضة بهذا التنكير يفيد الشمول أنواع متعددة فيبحث العلم في التعرف والوقوف على هذه الأنواع وسمات كل نوع وخصائصه، (بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) يعني فما فوقها في الحقارة التي تنظرون بها في صغرها حين تنظرون إليها فوقها في الصغر أي دونها أقل منها، هذا ما يذهب إليه المفسرون القدماء ويأتي العلم الحديث ليبين إضافة دلالية علمية جديدة لتبين عظمة هذا الكتاب وعظمة الآيات في التناسق والتلاقي بين الدلالة اللغوية والدلالة العلمية للكلمة القرآنية (فما فوقها) هذا مستوى من المعنى دائرة من المعنى، ما فوقها أخذوه على أن المراد به ما دونها من الحقارة والصغر والصعف بحسب نظرتهم، لكن (فما فوقها) تأتي البحوث العلمية فتثبت أن فوق العوضة كائنات أدق وأصغر والله عز وجل بعلمه المحيط بدقائق الأمور وهذه المخلوقات يشير إليها كيما تبحثوا وتقفوا على أسرار العظمة في هذه الشؤون. الإنسان لو بحث في غوغل وكتب الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة ستجد أن الدكتور مصطفى قد صور لنا هذه الكائنات الدقيقة وعليك أن تنظر لهذه الصورة التي ستظهر على الشاشة لترى هذه البعوضة وهذه دائرة يخرج منها سهم لترى حشرات البق الصغيرة التي تكون فوق هذه البعوضة، إذن (فما فوقها) حقيقة علمية والكلام على الحقيقة إذن كلا المعنيين حاصل (فما فوقها) ما كان أقل منها وما يسكن فوقها ويستقر فوق هذه البعوضة. أنظر إلى هذا الفضاء الدلالي للمعنى الذي تلتقي فيه الدلالة اللغوية مع الدلالة العلمية لمزيد من البيان وهذا لا يكون إلا في القرآن الكريم.

لو نظرت إلى الصورة الثانية وأنت ترى البعوضة وترى فوقها بوضوح الكائنات الدقيقة التي تسكن فوق البعوضة إشارة إلى الحقيقة العلمية في قول الله عز وجل (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا).

الصورة الثالثة بيان لحشرة البق الصغيرة التي تكون فوق البعوضة، إذن علم الله محيط وهو الخالق وربنا قادر وعظيم فحين يقول ذلك ويأتي العلم يبين ذلك نسجد لله إجلالاً وتعظيماً ويزداد إيمان المؤمن بكتاب الله سبحانه وتعالى وبكل كلمة وبكل حرف في هذا القرآن ثم بعد ذلك يأتي غير المسلم فيكون القرآن حجة عليه وعلى تفكيره أن يتوجه إلى هذا الخير وإلى هذا العقل.

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) المثل نتعرف عليه بشيء يسير في القرآن الكريم. المثل في اللغة بمعنى المثل أو الشبيه أو النظير وهذا ما قاله العلماء على اختلافهم في القديم بعد ذلك لو أننا نظرنا إلى الإمام الزمخشري يشير إلى هذه المعاني في قوله: والمثل في أصل كلامهم بمعنى المِثل وبمعنى النظير والضابط للمثل، ضوابط كثيرة لكن من أهم هذه الضوابط لطالب العلم هو أن المثل إبراز المعنى في صورة حسّية تكسبه روعة وتكسبه جمالًا. إبراز المعنى في صورة حسية حين يكون المعنى معنى عقليًا معنوي يصعب على الإنسان الإحاطة به أو فهمه فيأتي بمعنى حسي للتمثيل بهذا المعنى حتى يقرب المعنى ليعطيه روعة وجمالاً وفهماً واضحاً وهكذا تعريف المثل في القرآن إبراز المعنى في صورة رائعة موجزة لها وقعها في النفس. والله سبحانه وتعالى بين في القرآن الكريم أن الله يضرب الأمثال للناس لماذا؟ يبين ربنا سبحانه وتعالى (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) الحشر) إثارة للذهن ولفت انتباه للعقل وإيقاظ للعقل ودعم ومساندة وهداية لهذا العقل كي يفهم رسالة الله سبحانه وتعالى وقول الله عز وجل (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) العنكبوت) أي لا بد من الرجوع إلى أهل الذكر في كل تخصص وفي كل علم حتى ندرك المغزى من هذا المثل ونتفع بهذا المثل الذي ضربه الله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27) الزمر) أي يعتبرون وينتفعون بما فيه من العظات ومن هذه الأمور.

القرآن الكريم يضرب المثل في بعض الأحيان بصورة صريحة، مثل صريح يذكر فيه لفظ المثل (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17) البقرة) في هذه الآيات ضرب الله للمنافقين مثلين مثلا ناريًا (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) لماذا؟ لما في النار من مادة النور وضرب مثلاً مائياً (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ (19)) وقع المطر لما في الماء من أصل الحياة ومادة الحياة فالله سبحانه وتعالى في الأول بين أن ما أنزله الله يتضمن استنارة القلوب وحياة القلوب ثم بين في الثانية أن الماء من أصابه مطر لكن المطر فيه ظلمات ورعد وبرق مثل وعد ووعيد القرآن ونذر القرآن لكن هذا الماء هو أصل الحياة حين يستجيب الإنسان لهدي الله فينتفع وتتحقق له الحياة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ (24) الأنفال) يحييكم حياة هنيئة في الدنيا والحياة الحقيقية في الآخرة. هذا بيان من الله سبحانه وتعالى إذن المثل في القرآن الكريم قد يأتي صريحاً وقد يأتي المثل ضمنياً كامناً لا يصرح فيه بالمثل، مثل هذه الأمور التي يعبر عنها بمعاني مطلوبة وأساسية لكن لا يعبر عنها بالتصريح مثل بدل أن نقول خير الأمور الوسط يعبر القرآن (لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ (68) البقرة) أنظر إلى تعبير القرآن وتميزه هنا، خير الأمور الوسط في النفقة كيف يعبر القرآن عنها بطريقة المثل الكامن المتضمن (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67) الفرقان)، أيضًا قوله تعالى (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ (29) الإسراء) هذا من المثل الكامن في القرآن. أيضًا حين يعبر القرآن عن معنى (كما تدين تدان) فيقول ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ (123) النساء).

النوع الثالث أمثال القرآن التي صارت مجرى المثل بين الناس يحتكمون إليها ويستدعونها في مواقف عديدة حينما يظهر الحق في قضايا حصل حولها جدل كبير فتقول الآن حصحص الحق وحين تنكشف الأمور وأن وما وقعنا فيه من أزمات شيء كارثي فوق قدرة الإنسان فكيف يعبر الإنسان عن ذلك؟ (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) النجم). حين يأتي الأمل وتباشيره فنقول (أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) هود) حين يكون هنالك مكر وهنالك أهل الريبة وأنت تريد أن تحذر من ذلك (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ (43) فاطر). حين تعبر مثل هذه التعبيرات جاء في القرآن (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) الرحمن) ( ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) الحج) إلى آخر ما يأتي في القرآن الكريم من هذه الأمور.

إذاً القرآن الكريم وهو يسلك هذا المسلك وينبه المؤمنين أن يفهموا هذه الأمثال ويرجعوا (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) العنكبوت) إن ضرب المثل في علم الحشرات نذهب لأستاذنا الدكتور مصطفى في هذا العلم، أنا أستاذ في علم وطالب في علم آخر فعلينا أن نفهم أهمية التخصص وأهل الذكر وخصائص كل علم.

نتبين الحقيقة العلمية في هذه الكلمة (فما فوقها) لها دلالة لغوية فما فوقها في الصغر وينطبق على هذا البق الصغير الذي يكون فوق البعوضة هنا نتبين الحقيقة العلمية لهذه الكلمة (فما فوقها) لها دلالة لغوية فما فوقها في الصغر وينطبق على هذا البق الصغير فوقه على غيره لكن تخصيص المعنى فعلاً فوقها حقيقة علمية فوقها هذا الكائن الصغير فهذا أمر يجب أن نتبينه حتى يتبين للبشرية وللناس أن كلام الله سبحانه وتعالى إنما هو عن حكيم جل في علاه عن عليم جل في علاه عن إله قادر.

في الصورة الرابعة تعليق الأستاذ الدكتور مصطفى هذه ليست قبة هندسية وليست لوحة من صنع فنان إنها ببساطة عين بعوضة التي ظنوها أنها كائن محتقر ضعيف ليس فيه من أسرار العظمة والإعجاز فيبن الله لهم ذلك ويأتي العلم الحديث فيوضح هذه الحقائق هذه العين تتألف من ألآف العدسات التي تعمل بتناسق ودقة كبيرة حتى تحقق رؤية كبيرة للبعوضة تتفوق فيها على عالم البشر لأنها تعمل من خلال أشعة إكس ومن هنا من الجدير أن نعيد القرآءة والتدبر في ضوء هذه الحقائق العلمية وما ذكرته خلاصات هذه البحوث أما حقائق هذه البحوث فقلت نعود إلى أهلها نعود إلى موقع الإعجاز العلمي في القرآن والسنة لنرى هذه الحقيقة وهذا الاعجاز لهذه الكلمة القرآنية (فما فوقها) لنجمع بين الدلالة اللغوية والدلالة العلمية.

ويزداد البيان حتى يبين الله سبحانه وتعالى (فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا) انظر إلى هذه المقابلة (يضل – يهدي) حتى تتباين المعاني المقابلة الشيء وضده حين تبرز المعنى فأنت تريد أن تظهره بإيراد ضده وهذا لون عظيم في اللغة العربية ويستخدمه القرآن على هذا النحو العظيم المعجز، مثلاً أنت حين تريد أن تظهر صورة باللون الأبيض لا بد أن تكون على خلفية سوداء هي أفضل شيء لإظهار الضد "وبضدها تتميز الأشياء". ومن هنا يأتي جمال المقابلة (وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) يقطعون – يوصل حتى يبين المعنى الذي يريده ربنا سبحانه وتعالى.

 

كانت هذه بعض التأملات والتدبر في ظلال الكلمات وبيان الكلمات القرآنية في هذه الآية (إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) وأما رد الفعل على ذلك (فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) المؤمن نحن أمة سمعنا وأطعنا (وأما الذين كفروا) فهؤلاء مقطوعون عن هذا الخير عن هذا الهدي عن الوقوف على أسرار هذا القرآن العظيم (فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا) ويأتي العلم ليبين خطأهم وضلالهم وأن القرآن حق وأن الآيات صدق خالص سبحان من هذا كلامه وهذا هديه وبيانه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل