روائع البيان القرآني - سورة البقرة - الآيات (21 – 24)

سورة البقرة - الآيات (21 – 24)

روائع البيان – د. محمد داوود

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

http://www.fawaed.tv/episode/22656

في رحلة التدبر لآيات الذكر الحكيم لنقف على أسرار روعة البيان القرآني وبديع لغة التنزيل، هذا البيان الذي هو بلسان عربي مبين. نواصل الرحلة مع آيات سورة البقرة وحلقة اليوم تتركز حول قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾) هذا نداء من الله عز وجل (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) للناس على عمومهم في كل زمان وفي كل مكان (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) ربكم الذي يقوم بتدبير شؤونكم ولا رب لكم سواه، هذا من روعة البيان القرآني (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) أن الله عز وجل هو المتفضل عليكم بتدبير شؤونكم وشؤون حياتكم فينبغي أن تتوجهوا إليه بالعبادة. ثم يأتي حسن التعليم للأمر بهذه العبادة (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) ربكم سبحانه وتعالى هو الذي خلقكم وخلق الذين من قبلكم سواء من الأمم السابقة أو سواء من الخلق السابق على الإنس وهم الجن وكل خلق تراه عينك فهو من خلق الله سبحانه فالله عز وجل هو الخالق وحده وهو المستحق وحده لهذه العبادة.

ثم تستمر الآيات في حسن التعليم لهذا الأمر الذي أمر الناس به (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا) هذا من قيام الرب بتدبير شؤون خلقه أن جعل الأرض فراشاً ممهدة صالحة أن نسير عليها، صالحة لأن نزرع فيها وأن نتحرك في أرجائها وهذا من فضله سبحانه وتعالى من تدبيره فهو الحي وهو القيوم وهو الرب القادر. (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) لفظة بناء إنما هي دلالة علمية لهذه الكلمة وتأتي مطابقة لمسألة البناء بالدلالة اللغوية. البناء بالدلالة اللغوية يفيد التماسك والقرآن الكريم يبين في قرآنه (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) الذاريات) محبوكة بشدة أي فيها هذا التماسك والبناء فيهه قصدية والبناء فيه هذا التراص وهذا التشابه وهذا أيضاً موجود والبناء مانع وحامي وهذا أيضاً موجود يقول ربنا (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) الطارق) الأشعة التي تضر بأهل الأرض ترجع تأتي إلى هذه الطبقة ترجع، وأيضاً بخار الماء والسحب ونو ذلك لا يتسرب ولا يتبدد بل يرجع ويعود ماءً عذباً فراتاً لأهل الأرض ينتفعون به، السماء بناء الدلالة اللغوية تتطابق مع الدلالة العلمية ومن يريد المزيد ليفتح كتب الإعجاز العلمي ومواقعه ليرى الإعجاز في هذه الكلمة (وَالسَّمَاءَ بِنَاءً).

(وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) هذا من نعيم الله أن الماء الذي هو أصل الحيّ (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) الأنبياء) هو تفضل من الله الرب الخالق الرب القادر سبحانه وتعالى (رِزْقًا لَكُمْ) خاص مهيأ لكم مهيأ للمعدة فلا يضرها وإنما تهضمه ومهيأ خاص للك تتذوق به وينتفع به الجسم فيبنى، لك أنت، مخصص لك مرتب لك، موافق لك، سبحانه، كلمة (لكم) فيها بيان رائع من هذا التكريم الرباني لهذا الإنسان ( وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) لكم أنتم خاص بكم.

بعد هذا التفضل وهذا البيان يقول ربنا ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الند هو المثل، لا تجعلوا لله أنداداً بأن تجعلوا الأصنام آلهة وأنتم تعلمون أن هذه الأصنام لا يمكن أن تكون مثل الإله الحق، الخالق، الأصنام لم تنزل ماءً لك ولم تجعل الأرض فراشاً لك ولم تجعل السماء بناءً لك ولم تخلق شيئاً الله هو الخالق وهو المتفضل وهم المنعم، هذا بيان عقلي حين يأمر الله سبحانه وتعالى الناس بالعبادة فسبحان من هذا كلامه!

ثم تنتقل الآيات بعد ذلك إلى شيء مهم يخاطب به أهل مكة وأهل الجزيرة العربية في شأن الرسالة الهادية التي أرسل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأن القرآن قال تعالى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٣﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿٢٤﴾).

الله عز وجل يقول (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) وهو القرآن الكريم (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) هذه المسألة قد تحتاج إلى بعض البيان وهذا البيان إنما يجعلنا نستقصي المسألة. مسألة التحدي بأن يأتوا بسورة من سور القرآن أو من مثله لها تاريخ أنزله القرآن. أول ما تم التحدي تم بالقرآن كله قال تعالى في سورة الإسراء (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا(88) الإسراء). أنت ترى قول الله عز وجل (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ) بمثل هذا القرآن كله في نظمه، في إعجازه، في دلائله، في حقائقه العلمية، في كل ما يتصل به من ربانية في أثره (لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ)  البشر كلهم عاجزون عن أن يأتوا بمثل القرآن ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً أي معيناً وناصراً فالتحدي قام بمثل هذا القرآن كله، ثم عجزوا فخفف الله لهم هذا التحدي وتحداهم بعشر سور قال تعالى في سورة هود (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ(13) هود) يقول الله عز وجل (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) هذا زعم منهم (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) الذي افتراه إن كان قد افتراه يمكن وأنتم فرسان البلاغة البيان والفصاحة أن تفتروا مثله فاتوا بعشر سور مثله وليس بالقرآن كله (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) ادعوا من الجن ومن الإنس ومن السحرة والرهبان والأحبار ومن تريدون (وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فعجزوا. بعد أن تحداهم الله أن يأتوا بالقرآن كله فعجزوا وبعشر سور مثله في مثل النظم والبلاغة والبيان وما به من أحكام وما به من حقائق علمية إلى آخره عجزوا أيضاً أن يأتوا بعشر سور مثل القرآن فتحداهم الله بأن يأتوا بسورة واحدة ولكن التحدي جاء بسياق لافت للانتباه كيف؟ هناك قال أن (يأتوا بمثل هذا القرآن) مباشرة وقي الثانية قال (فأتوا بعشر سور مثله) مباشرة ولكن هنا قال ربنا سبحانه وتعالى (فأتوا بسورة من مثله) لماذا جاءت (من) هنا؟ (من) لها وظيفة أنها وسعت الدائرة لتتيح لهم أن يتدبروا ويعقلوا سورة واحدة من مثل القرآن في نظمه ومن مثله لها وجه آخر من المعنى، هل الضمير في مثله يعود على القرآن وهذا وجه حسن أو يعود على النبي صلى الله عليه وسلم من مثل هذا الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب إعقلوا هل يستطيع أن يأتي ولو بسورة واحدة من مثل هذا القرآن؟! ليس أن تأتوا بمثل القرآن ولا بعشر سور ولا بسورة من مثله فقط، أيعقل يا اصحاب العقول أن يأتي عبد أمي لا يقرأ ولا يكتب وأنتم تعلمون حقيقته وتاريخه أن يأتي بمثل هذا القرآن ولو بسورة منه! هذا ليوقظ أذهانهم ولتلفت الإنتباه وتوقظ الأذهان وتضيف هذه الدلالة الجديدة ليست على القرآن فقط (الهاء) تعود لكن في دائرة فضائها الدلالي ودائرة المعنى المتسع تشمل أيضاً (من مثله) من مثل ذلك النبي الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب أفلا تعقلون! يقول سبحانه وتعالى ( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ) الذين يناصرونكم ويشهدون لكم بهذا الافتراء الذي تزعمون ( وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) والله عز وجل ينبئهم بمستقبل فعلهم لأنه العليم بهم والعليم بحقائق القرآن فقال (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) هذه جملة اعتراضية وظيفتها التأكيد على عجزهم وأنهم لن يفعلوا (ولن) تفيد النفي مع التأبيد أي لايمكن له الحصول إستحالة الحدوث فجاء بـ(لن) ولم يأتي بـ (لا). يقول القرآن بعد أن علل وبين بحسن التعليل والبيان يقول ( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) اتقوا النار، اتقوا أن تستحقوا العقوبة على تكذيبكم هذا ( أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ).

أنظر إلى هذا البيان القرآني وينبغي ونحن نتأمل ما جاء في هذه الآيات في قوله تعالى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أريد أن أبين أن (لعل) التي تفيد الترجي لها وجهان من المعنى إذا تعلقت بالبشر بالناس فإنها على وضعها تفيد التعليل وتفيد الرجاء أما إذا تعلقت بالله فإن الرجاء بالله يقين محقق لا محالة. فانظر إلى هذا الفرق الدقيق الذي يدركه الملهمون من الله، أن لعل وكل أفعال الترجي مثل عسى وغيرها إذا أسندت إلى البشر تفيد الرجاء وإذا أسندت لخالق البشر سبحانه وتعالى تفيد اليقين والتحقق.

والله عز وجل حين يقول (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا) الريب هو لون من الشك لكن فرق بينه وبين الشك والمتأمل في القرآن الكريم يجد أن هناك كلمات قريبة المعنى، الريب والشك والمرية جاءت في القرآن الكريم (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) وهنالك استخدام المرية وكلمة الشك يقول ربنا سبحانه وتعالى في آية تجمع بين الكلمتين بين الشك والريب ( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(110) هود) استخدام الكلمتين في آية واحدة يعني أن بينهما فرق ينبغي أن نتدبر ونقف عليه، ربنا سبحانه وتعالى يقول ( وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) وصف الشك بأنه مريب لأن الشك إنتفاء العلم بحيث لا يترجح أحد الإحتمالين، مثلاً أن في الصلاة أنت تشك صليت ثلاثاً أو أربعاً فشكك لا يجعلك تستطيع أن ترجح أحد الأمرين، الشك إنتفاء العلم بحيث لا يترجح أحد الإحتمالين، أما الريب لون من الشك يصاحبه خوف وقلق واضطراب. ثم نأتي إلى كلمة أخرى تأتي في القرآن الكريم وهي (مرية) في قول الله عز وجل (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَا(109) هود) (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ(17) هود) كتب التفسير فسرتها بالعموم بالمرادف فقالت المرية هي الشك وهذا ليس بمعنى تطابق المعنى وتساوي المعنى أنه بمعنى تقارب المعنى إنما بينهما فرق دقيق المرية في أساسها إنما فيها شيء من الجدال ويصاحبها شيء من العناد فالمرية شك يصاحبه جدال وعناد، هذا هو الفرق بين الكلمات الثلاث. قال ربنا (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) جاء بأعلى صور الشك الذي يصاحبه خوف وقلق واضطراب (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).

 

هكذا تبين لنا الآيات هذا البيان القرآني الذي يلفت انتباهنا في حقيقته إلى التوجه إلى الرب الخالق المدبر لشؤون الخلق فقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ) ولم يقل اعبدوا الله لأن كلمة الرب تفيد أن الرب الذي يدبر لك حياتك ويدبر لك شؤونك وهو الذي أنعم عليك في نفسك، ثم تصور الآيات البيان والتفسير بجمل تفسيرية بجمل شارحة لهذا المعنى (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ) أول نعمة أنه خلقنا (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا (22)) كيف يدبر الرب شؤون خلقه؟ من هذه النعم من هذا التدبير (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا) ممهدة تستطيع أن تسير عليها وأن تزرع وأن يسير عليها الماء إلى آخره، وكلمة فراش في استعارتها تبين الفرش التي يرتاح عليها الإنسان ويستقر عليها الإنسان هذه الكلمة لها ظلال دلالية تستدعي كل هذه المعاني ( وَالسَّمَاءَ بِنَاءً) بناء محكم متماسك يدفع عنك كل شر مؤذي وضار ويعيد إليك كل شيء نافع من المطر والسحاب فتحتفظ الأرض وهواء الأرض بخيرات الأرض التي تنتفع بها. أنظر إلى هذه التأملات البيانية في آيات القرآن ويبين أن الرب من تفضله أنزل من السماء ماء (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ) لكم أنتم خاصة تنتفعوا به هذه الثمار مهيأة للمعدة، والمعدة مهيأة لها، من الذي دبر وصنع ذلك؟ هو الله سبحانه وتعالى، وبعد ذلك يقول وأنتم تعلمون أيها العقلاء أن الأصنام التي اتخذتموها أربابًا مزيفة لا تستطيع شيئا من ذلك ( فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) تعلمون عجز هؤلاء عن أن يكونوا مثل الإله الحق ولا الرب القدير سبحانه وتعالى. ثم يبين ربنا في هذا التحدي (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ) (من) وجهت الضمير إلى وجهين من المعنى كلاهما حسن على القرآن أن تأتوا بسورة من القرآن أو من النبي الأمي. ثم بعد ذلك يحسم ربنا المسألة (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) لن تستطيعوا تفيد النفي على التأبيد لتبين أن ذلك مستحيل لا يمكن أبدًا. (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). سبحان من هذا قرآنه وهذه آياته! وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل