برنامج تبيان - سورة التكوير - 3

برنامج تبيان

سورة التكوير – 3

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: كنا قد بدأنا في الحلقة السابقة من سورة التكوير عند قوله جل وعلا: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾﴾ ولعل في حديثكم عما يتعلق بهذه الآية بقية فهلا استكمل فضيلتكم ذلك.

د. محمد السريّع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. جرى الحديث في الحلقة الماضية عن قول الله جل وعلا: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿١٧﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾﴾ وقد بينا أقوال المفسرين في معنى قوله (فلا) النفي في قوله: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾﴾ وبينا المراد بالخنس الجوار الكنس والليل إذا عسعس وأن المراد إقبال الليل وإدباره. ثم بعد ذلك جرى الحديث عن قول الله تعالى: ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾﴾ وبيان ما في هذا التعبير اللطيف من الدقة والبلاغة والتعبير الواضح المُجَلِّي لحقيقة انفجار الصبح في قوله: ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾﴾. وبالمناسبة فإن الألفاظ القرآنية لو أدير لسان العرب على كلمة أخرى لتحل محل كلمة من كلمات القرآن فإنه لا يمكن أن تؤدي ما تؤديه الكلمة والمفردة القرآنية. وهذا أمر يشهد به كل المُنصفين من أهل اللسان ولذلك ربنا جل وعلا حين تحدّى العرب أن يأتوا بمثل هذا القرآن كانوا هم أعرف الناس بأنهم أعجز الناس عن أن يأتوا بمثل القرآن لأنهم هم أهل اللسان، فإعجازه من هذا الجانب لا شك أنه إعجاز في مفرداته وإعجاز في تراكيبه وبيانه ونظمه.

قال الله جل وعلا في جواب القسم: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾﴾ أي أن هذا القرآن هو قول رسول كريم وبينا أن المراد بالرسول هنا هو جبريل عليه السلام بدلالة السياق وهو يوصف بأنه رسول لأنه مُرْسَل من عند الله جل وعلا لإبلاغ الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وقد وصف ربنا جل وعلا جبريل عليه السلام بعدد من أوصاف التكريم والتشريف منها:

أولاً: أنه رسول كريم، وأنه ذي قوة، وأنه مكين وأنه مطاع وأنه أمين وحسبُك بهذه الأوصاف إذا كانت من رب العالمين جل وعلا فهو بيان لمكانة جبريل عليه السلام وفضله.

قال الله جل وعلا: ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾﴾ ﴿ ذِي قُوَّةٍ ﴾ كما قال سبحانه وتعالى في سورة النجم: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَىٰ ﴿٥﴾ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ﴾ أي أنه عليه السلام صاحب قوة وأنه شديد الخَلْق كذا خلقه ربه جل وعلا.

﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾﴾ أي أن له مكانة عليه السلام ﴿ عِندَ ذِي الْعَرْشِ﴾ عند ربنا جل وعلا ولاحظ معي هذا التعبير أنه لم يأت ذكر الرب جل وعلا بلفظ الجلالة ولا بلفظ الرب وإنما جاء بوصفه جل وعلا: ﴿ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي أنه صاحب العرش جل وعلا ليتناسب وصف جبريل عليه السلام بأنه ذي قوة وأنه مكين وأنه مُطاع ونحو ذلك من الأوصاف عند من؟ عند ذي العرش جل وعلا مالك الملك سبحانه وبحمده.

قال ربنا جل وعلا: ﴿ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴿٢٠﴾﴾ أي أن له مكانة ومنزلة رفيعة وأنه قد عَلَت رتبته عليه السلام ومن هذا ما جاء في سورة يوسف في قصة يوسف قال: ﴿ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾.

ثم قال جل وعلا: ﴿ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴿٢١﴾﴾ أي أنه عليه السلام مُطَاع القول مسموع الأمر في الملأ الأعلى. ﴿ ثَمَّ ﴾ أي في الملأ الأعلى في السموات في ذلك المكان أنه مُطَاع عليه السلام. ﴿ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ وهذه صفة أخرى وصف ربنا جل وعلا بها جبريل أنه أمين فهو موصوف بالأمانة من ربه جل وعلا وهذا تزكية عظيمة لجبريل عليه السلام فهو لم يخن الأمانة ولم ينقصها ولم يُحَوِّلها إلى أحد غير ما أُمِر به وكما قلنا قبل حسبُك أن يكون مثل هذا الوصف من الله جل وعلا لعبده جبريل عليه السلام. و﴿ ثَمَّ ﴾ بالمناسبة من باب لفت الأنظار ﴿ ثَمَّ ﴾ يجوز أن تكون مُتعلّقة بقوله: ﴿ مُّطَاعٍ ﴾ أي أنه مُطَاع ثَمَّ، ويجوز أن تكون مُتعلّقة بما بعدها وأن المعنى مطاع ثَمَّ أمين أي أنه أمين ثَمَّ وإن كان الأَوْلَى والأقرب أنها مُتعلّقة بما قبلها.

انتقل الحديث بعد ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم محمد فقال جل وعلا: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾﴾ فبعد أن أثبت أن ما جاءه إنما هو من عند الله جل وعلا ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾﴾ وأن هذا الرسول المَلَكي جبريل عليه السلام مُؤْتَمن لم يخن الأمانة ولم ينقض العهد قال لهؤلاء المكذبين: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُم ﴾ أي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ بِمَجْنُونٍ﴾ ما هو بمجنون ولاحظ معي هذا التعبير لم يذكر محمد صلى الله عليه وسلم باسمه ولا غير ذلك من الأوصاف وإنما قال: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُم ﴾ فوصفه بوصف الصُّحبة لأن هذا يُؤذِن بأنهم هم أعلم الناس بحاله وشأنه وما هو عليه من رجاحة العقل وصدق المَنْطِق نشأ بين أظهركم مذ كان طفلاً ثم شاباً يافعاً فتًى ثم بعد ذلك إلى أن أُوحِي إليه، فأنتم تعرفونه وتعرفون صدقه وطهارته ونقاءه ورجاحة عقله، هو صاحبكم فكيف تزعمون بعد ذلك أنه مجنون؟! لا يمكن، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً كثيرا.

قال: ﴿ وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ ﴿٢٢﴾﴾ ليس بمجنون وهذا يُدرك ببداهة العقول محمد صلى الله عليه وسلم كان من أرجح الناس عقلاً يُدرك هذا كل أحد المُوافق والمُخالف ولا يُعرف عنه محمد صلى الله عليه وسلم أنه بدر منه ما يُخل بعقله فكيف يزعم بعد ذلك أحد أنه مجنون؟! ولكن انظر إلى الغل والحقد والحسد والهوى والكبر كيف يصنع بصاحبه؟! حملهم على أن قالوا مثل هذا القول الذي يُدرك كل أحد كذبه وشناعته! حين يُوصف محمد صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون إذاً من هو العاقل بعد ذلك؟! ولذلك لا أحد يقول في النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو يقول في القرآن قولاً إلا وهو يُنادي على نفسه بالجهل ولذلك لما اجتمع كفار قريش على أن يقولوا في القرآن شيئًا قالوا: شعر، قالوا: ما هو بشعر، كهانة ما هو بكهانة، سحر ما هو بسحر، هم يعرفون هذه الأشياء ويُدركونها ولذلك كانوا أعرف الناس أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يكون من هذا النحو.

قال الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ ﴿٢٣﴾﴾ أي أن محمد صلى الله عليه وسلم رأى جبريل في المرة الأولى حين جاءه الحق من ربه جل وعلا رآه بالأفق المبين الواضح الظاهر بين السماء والأرض كما أخبر ربنا عن ذلك في سورة النجم أيضاً.

ثم قال جل وعلا: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ﴿٢٤﴾ أي أن محمد صلى الله عليه وسلم ما هو على الغيب بضنين.

(ضنين) فيها قراءتان: القراءة الأولى بالظاء {بظنين}، والقراءة الثانية بالضاد {بضنين}. وأما الظنين بالظاء أي المُتهم، والضنين بالضاد هو البخيل. فعلى القراءة الأولى {وما هو على الغيب بظنين} أي ليس بمُتهم ولا مُخوّن في تبليغ الوحي بل هو مُؤتمن وصادق. وأما على القراءة الثانية بالضاد {بضنين} فالمعنى أنه ليس ببخيل بل هو يبذله ويُوصله ويُعلمه لكل أحد. وبالمناسبة هذه من فوائد تعدد القراءات القرآنية لأن فيها يتعدّد المعنى ويكثر المعنى في الموضع الواحد كما ذكر أهل العلم.

قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ﴿٢٥﴾﴾ هذا القرآن الذي بين أيديكم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ما هو بقول شيطان رجيم، كيف يكون قول الشيطان؟ لا؛ وشيطان أيضاً رجيم مرجوم ومُبعد من رحمة الله جل وعلا؟! لا يمكن. ولذلك قال ربنا جل وعلا في سورة الشعراء: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ ﴿٢١٠﴾ وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ ما ينبغي لهم لأنه لا يتناسب مع أحوالهم ولا مع رغباتهم ولا مع تصرفاتهم ولو أرادوا لما استطاعوا ﴿ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾. ولذلك أنت تعرف حال المؤمن من حال الكافر الفاجر من خلال ما يدعو إليه ومن خلال تصرفاته. فهذا القرآن ألفاظه ومعانيه والأحكام التي جاء بها لا تتناسب مع أحوال الشياطين وما يدعون إليه وما يأمرون به.

قال الله جل وعلا: ﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴿٢٦﴾﴾ أي أين يُذْهب بعقولكم؟ كيف تُكذِّبون بمثل هذا القرآن الذي الحق فيه أوضح من الشمس في رابعة النهار؟ ولذلك لما جاء وفد بني حنيفة إلى الصدّيق رضي الله تعالى عنه وأرضاه بعد أن أسلموا بعد ردّتهم تلوا عليه شيئاً من قرآن مسيلمة وهو في غاية الانحطاط والسخف، يدرك ذلك حتى غير المؤمنين، يدرك ذلك من له معرفة بالعربية وبالعقل المُجرد، قال لهم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه: ( ويحكم أين يُذهب بعقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إل ) أي من إله، أحياناً يُقْضَى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن لأنه تُسيطر عليه العصبية أو الحسد أو الهوى فيسلك كل طريق حتى ولو كان ينادي على نفسه فيه بالجهل.

قال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ ﴿٢٧﴾﴾ هذا أسلوب من أساليب الحصر، النفي والاستثناء أي ما هو إلا ذكر للعالمين، هذا القرآن الذي جاءكم ما هو إلا مجرد ذكر للعالمين، تذكرونه وتعرفون من خلاله ما ينفعكم في العاجل والآجل. ولذلك قال الله بعد ذلك: ﴿ لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ ﴿٢٨﴾﴾ هو ذكر ولمن شاء منكم أن يستقيم من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن. ولذلك الآن خصوصاً دع عنا الزمن الماضي نحن الآن نتحدث عن زمننا حين يبحث الناس عن الهدى، عن السعادة، عن الصراط المستقيم، عن تكوين الذات، عن تطوير المواهب عن كذا عن كذا من أراد فعليه بجادّة القرآن، هذا القرآن الذي أخرج من الأعراب الجفاة في الصحراء أخرج منهم عجائب، أخرج منهم طاقات، أخرج منهم أمة مثالية لم يعرف التاريخ لها مثالاً. من أراد الهدى والسداد والرشاد فعليه بكتاب الله جل وعلا، هذا الكتاب الذي كلما اقتربت منه أكثر علمت أنك لم تعرف منه قبل إلا النزع اليسير، هذا الكتاب الذي تتفجر معانيه كلما اقتربت منه أكثر، ليس هناك كتاب تعيد قراءاته إلا ويظهر لك فيه من النقص والمثالب والخلل إلا هذا القرآن فإنك كلما أدمت قراءته ظهرت لك من معاني حُسنه ما لم يكن يدور لك في بال.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٩﴾﴾ نعم، هو ذكر للعالمين لمن شاء منكم أن يستقيم؛ ولكن هذا كله وفق مشيئة الله جل وعلا وإرادته. ولاحظ التعبير بقوله جل وعلا: ﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ ﴾ قال: ﴿ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي مُربّيهم والقائم على أمورهم الذي خلقهم من العدم وربّاهم بالنّعم فليلجأوا إليه فإنه جل وعلا نعم المولى ونعم النصير.

صفحة أصول التفسير - فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر، أستاذ الدراسات العليا بكلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في الحلقة الماضية ذكرتم قواعد مهمة في التعامل مع اختلافات المفسرين ماذا عن كيفية اجتناب الوقوع في الخلاف المذموم؟

د. بدر بن ناصر البدر: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

سبق الحديث عن اختلاف المفسرين وأنه على نوعين: اختلاف محمود واختلاف مذموم. أما الاختلاف المحمود فله أسبابه وله أنواعه وتدارسنا سوياً كيف نتعامل مع هذا الاختلاف؟ كيف نرجّح؟ ما هي القواعد التي نستعين بها بعد الله عز وجل في الترجيح بين هذا الاختلاف المحمود وليس المذموم؟ لأن الناظر في كتب التفسير ما بين مُطوّل وما بين مختصَر وما بين متوسط فيها ذكر لأقوال المفسرين في هذه الآية وغالبها هو من اختلاف التنوع، وهذا الاختلاف له آثاره كما ذكرت من إثراء المعاني ومن بسط معنى الآية وإيضاحها ولكن كما قلت حسب الضوابط والقواعد التي ذكرها أهل العلم رحم الله أمواتهم ووفّق أحياءهم.

النوع الثاني كما قلنا هو الخلاف المذموم وبلا شك الحقيقة أن الجرأة أولاً على تفسير كلام الله عز وجل هذا خطير جداً وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر في آخر مقدمته في أصول التفسير نقل نقولات كثيرة عن السلف عن سعيد بن المسيب وعن سعيد بن جبير، عن أئمة كثر أنهم كانوا يتحرّجون من تفسير القرآن وكان يقول بعضهم: ذهب الذين يعرفون التفسير، ذهب الذين يعلمون تأويله. وروى عن بعضهم أنه قال: إذا كان في كلامنا فنحن نتكلم ونقول ولكن في كلام الله عز وجل لا جرأة ولا قول، ونحو هذا من عباراتهم التي تبين عظم الورع والخوف من الله عز وجل أن يتكلموا في التفسير. ومع هذا كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إنه روي عنه أقوال في تفسير القرآن وكان لهم خلاف مع آخرين في تفسير الآية وقال خلاصة كلامه رحمه الله يقول: (إنهم قالوا فيما علموا وسكتوا عما جهلوا). وهذه هي القاعدة فإن الإنسان فيما يعلم يجب على الإنسان أن يؤدي ويبين النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " بلغوا عني ولو آية ، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " فمن يعلم يجب عليه أن يُعلّم ويجب أن يقول كلمة الحق يُبلغ الآية، يُفسرها، يعلم معانيها، الحمد لله هذا يجب على الإنسان أن يقوله، أما الإنسان إذا كان يجهل شيء لا والله، فليتق الله ولا يقل في كلام الله ما لا يعلم. إذا كان أبو بكر رضي الله عنه وهو صدّيق هذه الأمة بل أفضل الخلق بعد الأنبياء والرسل هو أبو بكر رضي الله عنه وكان يقول: (أيّ سماء تظلني وأيّ أرض تقلّني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم) فمن كان يعلم فليتكلم من لم يكن يعلم فليمسك. أعيد مرة أخرى فأقول إن الكلام في التفسير أمره خطير وأمره عظيم ولكن من يعلم فيجب عليه أن يبلغ. ابن عباس رضي الله عنهما الصحابي الجليل حَبر الأمة وترجمان القرآن اشتُهر عنه المقولة المعروفة وقد نقلها شيخ الإسلام وغيره من أئمة أهل العلم أنه قال: التفسير على أربعة أضرب أو على أربعة انواع:

تفسير لا يعلمه إلا الله يعني استأثر الله بعلمه مثل كيفية الصفات، الحروف المقطعة على قول.

وتفسير لا يعلمه إلا العلماء، الذي بحثوا وقرأوا وتأملوا وهؤلاء لهم مرتبة ولهم مزية،

الثالث تعرفه العرب من لغاتها، أن العرب تعرف من لم تتأثر عربيته فإنه يعرف وأما من جهل ونحن الله المستعان في هذه الأزمنة ما في شك أننا فقدنا مواد لغوية كثيرة جذور الكلمات وأصولها وتفاريعها وما تحتمله الكلمة من معاني ما فيه شك أننا فقدنا الكثير لكننا ولله الحمد نرجع إلى القواميس وإلى المعاجم وإلى ما كتبه العلماء أيضاً في غريب القرآن كـ(المفردات) للراغب الأصفهاني و(عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ) للسمين الحلبي و(تحفة الأريب في بيان ما في القرآن من الغريب) لأبي حيان وغيرها من كتب الغريب.

النوع الرابع قال: تفسير لا يعذر أحد بجهالته، يعني أن الآيات واضحة آيات كثيرة ولله الحمد واضحة معانيها، نعم التدبر والتأمل الوقوف على بعض المسائل ما فيه شك أنه يرجع إلى كلام العلماء.

لكن نحن نعيد ونكرر ونقول: إن الجرأة والكلام والقول في كلام الله أمره عظيم وأمره خطير ولذلك العلماء رحمهم الله ذكروا شروطاً في ما ينبغي له من أراد أن يفسر القرآن ويتصدى لتفسيره عليه أن يتقي الله سبحانه وتعالى. لكن كما قلت عدم الالتزام بهذه الأمور زلّت فيه أقدام وهو الخلاف المذموم في التفسير، هذا ما فيه شك زلت فيه أقدام ووقع فيه أناس بسبب أمور كثيرة. ولذلك نحن في هذا المقام علينا أن نتجنب الوقوع في هذا الخلاف المذموم فلا نخوض فيه ولا نؤيد أصحابه بل نكشف عوارهم، نبين أخطاءهم، نستدرك عليهم ما وقعوا فيه وهذا ولله الحمد في هذه الأزمنة بل قبل ولله الحمد نبّه العلماء على زلات هؤلاء وعلى أخطائهم وأيضاً نحن في هذه الأزمنة ولله الحمد مع الدراسات الأكاديمية سجلت رسائل علمية كثيرة ولله الحمد في الاستدراكات على تفسير فلان أو بيان ما فيه من الأخطاء أو الدخيل في تفسير فلان أو علان أو بيان مناهج فرق ضالة في التفسير أيضاً ولله الحمد سجلت رسائل علمية في جامعاتنا سواء هنا في المملكة العربية السعودية أو في خارجها في الجامعات العربية والجامعات الإسلامية. ولله الحمد هناك نشاط وحراك كما يقولون علمي في بيان هذه الأخطاء وهذا الخلاف المذموم الذي ذُكر في بعض كتب التفسير وليس له أصل، وينبغي للمسلم الحقيقة أن يكون له منهج واضح ورؤية بينة على هذا الموضوع.

أنا قدمت بهذه المقدمة لأنها مهمة الحقيقة أنا أراها في عظم التفسير وخطورته وعدم القول وأن علماؤنا رحم الله أمواتهم ووفّق الأحياء لخدمة كتاب الله عز وجل بينوا هذه الأمور.

وسؤالك الذي طرحته سؤال مهم كيف نتجنب هذا الخلاف المذموم؟ كيف لا نقع فيما وقعوا فيه؟ لا تنظر إلى من هلك كيف هلك، ولكن انظر إلى من نجا كيف نجا، كيف ننجو من هذا الخلاف؟

الحقيقة هناك أمور أولها وهو أهمها: سلامة العقيدة وهذه التي نحمد الله عز وجل عليها مذ أصبحنا ومذ أمسينا ومذ خرجنا على الدنيا ونحن نقول لا إله إلا الله محمد رسول الله على منهج أهل السنة والجماعة. فيجب علينا أن نتمسك بمنهج أهل السنة والجماعة وهو القائم ولله الحمد على الكتاب والسنة. أن نكون على بصيرة من أمرنا في هذه العقيدة في هذا المنهج فلا ننقل بحسن نية من تفاسير الفرق الضالة فنقع فيما وقعوا فيه من أخطاء. فإن أصحاب الفرق الضالة خاضوا غمار التفسير لمناصرة أهوائهم، فتأوّلوا النصوص وأنكروا الأحاديث الصحيحة التي تخالف معتقداتهم وأضرب لهذا مثالاً ما وقع فيه الزمخشري صاحب (الكشاف) بعض الناس ينقل عنه، يُعجب صحيح بعباراته وببيانه ما فيه شك الرجل أوتي بياناً وأوتي إيضاحاً و(الكشاف) نحن نستكشف منه، ما فيه شك طالب العلم يستفيد منه والعبارة المعروفة أو المشهورة خذ ما صفا ودع ما كدر. لكن يجب أن نحذر فلا نقع فيما وقعوا فيه من الخلاف المذموم الذي خالفوا فيه أهل السنة والجماعة. فمثلاً تجد عندما فسر قول الله عز وجل في سورة التوبة: ﴿ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّـهِ أَكْبَرُ﴾ قال نعم، معنى كلامه هذا أكبر هذا هو أكبر النعيم هو دخول الجنة وهو يهدف ويرمي إلى مسألة مهمة خالفت فيها المعتزلة أهل السنة والجماعة وهي رؤية الله عز وجل ولا شك أن أعظم وأكبر نعيم لأهل الجنة هو رؤية الله تبارك وتعالى أسأل الله عز وجل أن يكرمني وإياكم جميعاً برؤيته وأن يتفضل علينا به فهذا هو أعظم النعيم ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾ ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ الزيادة هي النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى. فهو هدف من يقرأ يقول نعم هذا أكبر، دخول الجنة أكبر النعيم وهو صحيح نعم ولكن هناك ما هو أكبر فهو بهذه العبارة أراد أن ينفي رؤية الله عز وجل. فينبغي للمسلم أن يكون على حذر في هذا الجانب وأن يتبصر وأن يعرض هذا الكلام على منهج أهل السنة والجماعة.

 

أيضاً تجد مثلًا في مسألة موقفه من أهل الكبائر فيقول مثلاً عند آيات الوعيد مثلاً في أكلة الربا أو أكلة مال اليتيم: انظر إلى هذه العقوبة التي ليس بعدها عقوبة، النار، الخلود في النار وهذا الكلام يخالف عقيدة أهل السنة والجماعة الذين يدينون الله بما جاء في الكتاب والسنة أن أصحاب المعاصي لا يُخَلّدون في النار. الذي يُخَلّد في النار هو الكافر فقط أما صاحب المعصية فهو بين أمرين إما أن يعفو الله عنه من أول وهلة فيدخله الجنة أو أن يدخله النار بقدر ذنبه حتى يُطهر ثم يخرج منها فيدخل الجنة، فهذه عقيدة أهل السنة. فينبغي للإنسان إذا خاض في مثل هذه الأمور أن يتسلح وأن يكون له بصيرة أن يكون له قوة وعمق وتمسّك بمنهج أهل السنة والجماعة. نسأل الله عز وجل الثبات على دينه وعلى طريقة سلفنا الصالح إنه ولي ذلك والقادر عليه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل