برنامج تبيان - سورة الإنشقاق - 2

برنامج تبيان

سورة الإنشقاق -2

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى سنكمل ما تبقى من تفسير سورة الإنشقاق، وقد وقف بنا التفسير في الحلقة الماضية عند الآية السادسة عشر، عند قوله: (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)).

د. محمد السريّع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا التعبير تكرر في القرآن كثيرًا (فَلَا أُقْسِمُ)، جاء في قوله: (فَلَا أُقْسِمُبِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)) [الحاقة: 38-39]، (لَا أُقْسِمُبِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ) [القيامة:1]، (لَا أُقْسِمُبِهَٰذَا الْبَلَدِ) [البلد: 1]، (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) [الواقعة:75]، وقد مضى الحديث حول معنى هذا التركيب في تفسير سورة الحاقة ولا مانع من إعادته على وجه السرعة.

قوله جل ّوعلا:(فَلَا أُقْسِمُ)، اختلف أهل العلم في المراد هنا بهذه الصيغة على عدة أقوال:

1- القول الأول: انه قسم وأن (لا) هي لنفي أمر محذوف، ليس الأمر كما تقولون (أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ).

2- القول الثاني: وهو الأظهر أن (لا) هنا للتأكيد، لتأكيد القسم، و(أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) أو (أُقْسِمُبِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)).

3- القول الثالث: يقول أنه ليس ثّمة قسم هنا وأن ( لا) المراد منها نفي القسم (لَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) وأن الأمر من الظهور والوضوح بحيث لا أحتاج معه أن أقسم.

ولعل الأقرب والله أعلم أن السياق فيه قسم، بدليل المتعاطفات التي تأتي بعد ذلك (لَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) والليل والقمر، ونحو ذلك. وأن (لا ) هنا هي مؤكدة للقسم والله أعلم.

يقول الله جلّ وعلا: (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ) والشفق هي الحمرة، أو بعد غروب الشمس كما قال ذلك أكثر المفسرين كما عليه أهل اللغة كما جاء عن الخليل بن أحمد عليه رحمة الله أنه قال: الشفق هي الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، وكذا جاء عن كثير من المفسرين. وهو المعنى الذي جاء أيضا في السنة النبوية، كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم عند مسلم أنه قال: وقت المغرب ما لم يغب الشفق. فهذا يدل على أن المراد بالشفق هو الحمرة التي تظهر بعد غروب الشمس إلى دخول وقت العشاء. وغروب الشفق دليل في الشرع على دخول وقت العشاء وانقضاء وقت المغرب. وقد جاء عن مجاهد عليه رحمة الله أنه قال: الشفق هو النهار كله وهذا الأمر والله أعلم ليس بظاهر وإنما الظاهر ما عليه الجمهور. وهنا طالب العلم في التفسير يتوقف: ما الذي دعا مجاهد عليه رحمة الله إلى هذا القول؟ يفسّره ابن كثير عليه رحمة الله حين قال: إنما حمله على هذا قرنه بقوله تعالى: (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ)، أي جمع، كأنه أقسم بالضياء والظلام. فمجاهد عليه رحمة الله ومن قال بهذا القول نظروا إلى السياق وإلى ما اقترن بهذه الآية فقالوا: الشفق و(وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ)، فإذن الليل والشفق يكون هو النهار.

قال الله جلّ وعلا: (وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ) أقسم بالليل (وَمَا وَسَقَ) أي ما جمع. وهذه من الأقسام العامة العظيمة في كتاب الله جلّ وعلا لأنه يدخل في الليل كل ما أطبق وما جمعه الليل من النجوم والكواكب والدوابّ والهوامّ وغير ذلك. ونلاحظ طبعًا كما مرّ معنا كثيراً أن القسم في القرآن يُراد منه لفت الأنظار إلى المُقسم به، ولذلك ربنا جلّ وعلا إذا أقسم إنما يُقسم بعظيم. وأحياناً العظمة تأتي من عموم المقسم به كما في هذه الآية كما في قوله: (فَلَا أُقْسِمُبِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39)) [الحاقة: 38-39]، كما في قوله جلّ وعلا: (وَوَالِد وَمَا وَلَدَ) [البلد:3] عند كثير من المفسرين، أنه يشمل كل والد وكل مولود ونحو ذلك من الأقسام العظيمة الشاملة.

(وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18))، أي إذا اجتمع القمر، إذا اجتمع واستوى وتكامل نوره وأبدر. ثم جاء جواب القسم، (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) هذه الجملة في الحقيقة من الجمل العظيمة في كتاب الله تعالى ومن الآيات التي تحتاج إلى وقفة.

أولاً: هذه الآية فيها قراءتان:

القراءة الأولى: (لَتَرْكَبُنَّ) أيها الناس، (طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19))

والقراءة الثانية: ((لَتَرْكَبَنَّ) على الإفراد. وقد ذهب بعض المفسرين ((لَتَرْكَبَنَّ) أي يا محمد والقول الثاني (لَتَرْكَبَنَّ) أيها الإنسان الذي سبق ذكره في قوله: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَكَدْحًافَمُلَاقِيهِ) [الإنشقاق: 6] أيًّا ما قيل، سنأتي لتفسير هذه الأقوال، لكن هذه الجملة (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) هي في الحقيقة شاملة، ولذلك تنوعت عبارات السلف في بيان معناها والذي يظهر أن الآية تشمل كثيراً مما ذُكر عن السلف وعن غيرهم. ولذلك تعجبني كلمة الطاهر بن عاشور عليه رحمة الله في تفسيره النفيس (التحرير والتنوير) يقول: وجملة (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) نُسِج نظمها نسجاً مجملاً لتوفير المعاني التي تذهب إليها أفهام السامعين، فجاءت على أبدع ما يُنسج عليه الكلام الذي يُرسل إرسال الأمثال من الكلام الجامع البديع النسج الوافر المعنى، ولذلك كثُرت تأويلات المفسرين لها. فإذاً في قوله جلّ وعلا: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) يشمل معانِ كثيرة مما تحتمله هذه الآية في لفظها.

أولاً: أقدم بما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما في ما رواه البخاري عنه قال: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) حالًا بعد حال، قال: هذا نبيكم صلى الله عليه وسلم.

- ابن كثير عليه رحمة الله  حين تناول هذا الأثر قال: هذا الأثر محتمِل أن يكون ابن عباس أسند هذا التفسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كأنه قال: سمعت هذا من نبيكم صلى الله عليه وسلم. وهذا معهود في كلام الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم كما قال أنس في الحديث الآخر: لا يأتي عامٌ إلا والذي بعده شرٌ منه، سمعته من نبيكم صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد- أي كلام ابن عباس (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) حالاً بعد حال- قال: المراد بهذا نبيكم، أن يكون المراد بهذه الآية نبيكم صلَّى الله عليه وسلم فيكون مرفوعاً على أن هذا ونبيكم مبتدأ وخبر، والله أعلم. قال: ويؤيد هذا المعنى قراءة عمر وابن مسعود وابن عباس وعامة أهل مكة والكوفة (لَتَرْكَبَنَّ) بفتح التاء والباء.

إذاً الآية فيها قراءتان: القراءة الأولى: (لَتَرْكَبُنَّ)، القراءة التي نقرأ بها والمراد بها الناس جميعاً.

والقراءة الثانية: (لَتَرْكَبَنّ) وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد أنه خطاب للإنسان السابق ذكره (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَكَدْحًافَمُلَاقِيهِ) [الإنشقاق: 6]

والقول الثاني: أنها خطاب إلى النبي صلَّ الله عليه وسلم والخطاب له خطاب لأمته ولسائر الناس بعد ذلك.

ما معنى (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) أي لتركبن حالاً بعد حال. قال بعض المفسرين، أي النطفة ثم العلقة ثم المضغة ثم يولد الإنسان ثم يكون شاباً ثم شيخاً ثم يهرم ثم يموت بعد ذلك وينتقل إلى الدار الآخرة. وقال ابن عباس: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) أي منزلاً على منزل. وقال بعض المفسرين: في أن المراد بهذه الآية النبي صلَّى الله عليه وسلم (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) أي سماءً بعد سماء والمقصود ليلة الإسراء والمعراج. المقصود أنه تنوعت عبارات المفسرين وكثير مما ذكر في معنى هذه الآية مما تشتمله وتحتويه ويدخل في معناها والمعنى العام: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) أي لتركبن حالاً بعد حال. ومما ذُكر – وهو من اللطائف- ما جاء عن سعيد بن جبير أنه قال: (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) قال: قومٌ كانوا في الدنيا خسيسٌ أمرهم فارتفعوا في الآخرة، وآخرون كانوا أشرافاً في الدنيا فاتضعوا في الآخرة فهم انتقلوا من حالٍ إلى حال.

ثم قال جل في علاه (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25))

نسينا أن نذكر في الآية السابقة (لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) قلنا أن فيها قراءتان، يحتاج طالب العلم القارئ للتفسير أن يتفطن للقراءات الواردة في الآية، فربما تجد بعض الأقوال التفسيرية أو بعض المفسرين المؤلفين يفسرون على قراءة من القراءات، فينبغي للإنسان أن يتفطن لهذا المعنى وهذا وارد عن السلف، تجد بعض السلف من الصحابة أو التابعين أو من جاء بعدهم يذكروا قولاً على قراءة من القراءات وهذا القول ربما لا يستقيم على القراءة التي تقرأ بها ولذلك ينبغي لطالب العلم أن يتفطن لهذه القضية وأيضاً يعرف كتاب التفسير الذي يقرأ فيه هو يفسّر على أيّ قراءة.

قال الله جلّ وعلا بعد ذلك (فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)) هؤلاء الكفار ما الذي يمنعهم من الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر؟! وما لهم إذا قرأت عليهم آيات القرآن لا يسجدون ولا يخضعون لها إعظاماً وإكراماً؟! وهذا إنكار على هؤلاء الكفار، الأمر من الوضوح والظهور بحيث لا يمكن معه كفر ولا يتأتى إنكار (َمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ) الحق كالشمس في رابعة النهار بل، هو أجلى وأوضح. هذه آيات الله وهذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلم قد جاء مؤيَّداً بالدلائل والبراهين والبينات، فكيف لا يؤمنون؟!. وهذا كما قال ربنا جل وعلا في خاتمة المرسلات: (فَبِأَيِّحَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) [المرسلات: 50] إذا كانوا لا يؤمنون بهذا القرآن بأيّ كتابٍ سيؤمنون بعد ذلك وقد قامت الدلائل الواضحة؟! ولذلك هذا الدين لا يُعرض بحقائقه الواضحة على أحد له لُّب ثم لا يؤمن به. ولذلك يذكّرني هذا بما جاء في صلح الحديبية، جاء عن الزهري أو عن غيره أنه قال: فما عُرض الإسلام على أحد يعقل شيئًا إلا دخل فيه. لاحظ هذه الكلمة العظيمة لما أمِن الناس واتصل بعضهم ببعض وسمعوا كتاب الله قال: ما عُرض الإسلام على أحد- لاحظ التعبير – يعقل شيئًا، عنده فقط مسكة عقل وتحرر من الهوى إلا آمن به ودخل في الإسلام.

(بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (22)) لكن الشأن أن هؤلاء يكذبون، يجحدون آيات الله. (وَجَحَدُوابِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ ) [النمل: 14]، ولكن (اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23)) بما يكتمون في صدورهم وما يخفونه. (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24)) هذا التعبير على سبيل التهكم بهؤلاء وفيه شائبة تهديد ووعيد لهم، البشارة إنما تكون بالأمر السارّ ولكن قال: (بَشِّرْهُم بِعَذَابٍ) ثم وصف هذا العذاب أنه أليم، فعيل بمعنى مُفعِل، أليم بعنى مؤلم.

(إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) هذا استثناء منقطع عما قبله، أي لكن (الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ) آمنوا بقلوبهم وعملوا الصالحات بجوارحهم (لَهُمْ أَجْرٌ) في الآخرة (غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي غير منقوصٍ وغير محسوب، أي لا يُقطع عنهم. وأكثر ما يُعكِّر لذات الدنيا أنها منقطعة ولذلك الموت لا يُذكر على كثير إلا قلّله، أكثروا ذكر هادم اللذات. لكن لذات الآخرة، نسأل الله الكريم بفضله ومنته أن يجعلنا من أهل النعيم غير منقطعة. ولذلك يكثُر ذكر هذا في القرآن، يذكر ربنا جلّ وعلا أن (لَّهُمْ فِيهَا  نَعِيمٌ مُّقِيمٌ) [التوبة: 22]، (خَالِدِينَ فِيهَاأَبَدًا) [النساء:57]، (جَنَّاتُ عَدْنٍ) [الرعد: 23] أي إقامة، وهنا يقول ربنا جلّ وعلا: (لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). نسأل الله الكريم من فضله.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير- د. عيسى بن ناصر الدريبي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:في الحلقة السابقة سبق الحديث عن الاتجاه اللغوي وقد أوضحتم أن الكتب المؤلفة فيه تنقسم إلى ثلاث مسارات؛ المسار الأول عن التفاسير التي اهتمت بمفردات القرآن، حبذا لو يكون الحديث في هذه الحلقة عن المسارين الآخرين.

د. عيسى الدريبي:بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد؛ كان الحديث في اللقاء السابق كما تفضلتم عن الاتجاه اللغوي في التفسير، وقلنا أن هذا الاتجاه يمكن أن تقسم مسارات التأليف فيه إلى ثلاث مسارات؛ تحدثنا عن المسار الأول وهي التفاسير التي اهتمت بالمفردة القرآنية، أو بغريب القرآن، وحديثنا إن شاء الله اليوم عن المسارين الآخرين.

المسار الثاني من مسارات التأليف في الاتجاه اللغوي في التفسير؛ هو التفاسير اللغوية التي اهتمت فقط بإعراب القرآن، لا شك أن الإعراب فرع المعنى وأهم ما يفيده الإعراب هو بيان المعنى كما قال الزركشي: هو الذي يميز المعاني ويوقف على غرض المتكلم. فالتأليف في التفسير هنا -أو في إعراب القرآن الكريم هنا- ليس المقصود به النحو البحت؛ إنما المقصود به بالدرجة الأولى هو بيان معنى هذه الكلمة ببيان إعرابها. وكان المتقدمون لا يحتاجون إلى ضبط هذه القواعد؛ لكن المتأخرين بعد ذلك احتاجوا إلى ضبط قواعد النحو؛ ومن ذلك إعراب القرآن الكريم في نهايات القرن الثاني الهجري بدأت التفاسير المصنفة في إعراب القرآن. ونحن نؤمن أن كل المفسرين أو أغلبهم يهتمون بالنحو لأنه مؤثر في فهم القرآن الكريم، لكن هنالك مِنْ كتب التفسير من جعلت الهدف الأول هو إعراب القرآن الكريم؛ وأهم المؤلفات في هذا المسار هو إعراب القرآن لأبي جعفر النحاس؛ وإعراب القرآن لابن خالويه، وإعراب القرآن لابن حسن الحوثي؛ ومشكل إعراب القرآن لمكي بن أبي طالب، والبيان في غريب إعراب القرآن لابن الأنباري. هذه أمثلة لأهم المؤلفات في التفاسير التي اهتمت بإعراب القرآن الكريم فقط بالدرجة الأولى، وركزت على الإعراب.

هنالك المسار الثالث؛ وهو مسار جمع بين المسار الأول والثاني، بين العناية بغريب القرآن الكريم والعناية بصرف الكلمة واشتقاقها، والعناية بإعرابها، ونحوها. فألفوا التفاسير اللغوية الجامعة؛ جمعت بين القسم الأول والثاني، واستفادوا من مختلف علوم اللسان في تفسير القرآن الكريم، وعلى رأس هذه الكتب: معاني القرآن للفراء، ويعد هذا الكتاب هو أول كتاب مطوّل يجمع بين الاهتمام بالمفردات وبين الغريب وبين الإعراب وشرح معاني الآيات، فقد كان الفراء لا يكتفي بذكر ما في الآية من أحكام أو تعليلات، أو ما فيها من إعرابات؛ بل كان في الغالب ما يوثق ذلك بالشواهد، سواء كانت من القرآن الكريم أو الشعر العربي أو أقوال العرب؛ والكتاب غني بكل ذلك. ثم جاء بعده الزجّاج –الفراء توفي عام 207 هـ- وأبو إسحاق الزجاج توفي عام 311 هـ وكتب كتابه معاني القرآن وإعرابه؛ واتبع نفس المنهج الذي يجمع بين بيان الغريب والمفردات؛ وبين الإعراب. ومن أهم هذه الكتب التي جمعت على هذا المنهج الكتاب الذي يعد عمدة في إعراب القرآن الكريم، ومن التفاسير التي اهتمت بالغريب وبالمفردات وبالاشتقاق وبالنحو، ويعتبر مرجعًا رئيسًا لمن أراد أن يتوجه إلى كتاب يجمع إعراب القرآن ولغة القرآن أو الحديث عن غريب القرآن الكريم، الإمام البحر أبو حيان الأندلسي صاحب كتاب البحر المحيط وهو معروف. وجمع فيه بين المنهج اللغويين وذكر في تفسيره بعض أقوال السلف، وقد أبان هو عن منهجه في بداية كتابه قال: بحيث إني لا أغادر منها  - أي الآية - كلمة وإن اشتهرت، حتى أتكلم عليها مبديًا ما فيها من غوامض الإعراب، ودقائق الآداب من بديع وبيان؛ مجتهدًا ألا أكرر الكلام في لفظ سبق، ولا في جملة تقدم الكلام عليها، وكذلك ما نذكره من القواعد النحوية أحيل في تقريرها والاستدلال عليها على كتب النحو... إلى آخر ما ذكر.

ويعد البحر المحيط عمدة في هذا الاتجاه كما قلنا. ثم جاء بعده تلميذه النجيب السمين الحلبي، صاحب كتاب الدر المصون والذي أخذ كتاب البحر المحيط واستوعبه وزاد عليه كثيرًا؛ وقد يطلق عند بعض طلبة العلم أن الدر المصون نسخة من البحر المحيط وهذا غير صحيح. نعم، السمين الحلبي هو تلميذ أبي حيان وقد استفاد منه واستوعب البحر وزاده، زاد عليه كثيرًا، خاصة في توجيه القراءات، القراءات المتواترة، والشاذة، وتعقب أيضًا أبي حيان في كثير من المواطن، وزاد عليه في كثير من النقولات التي لا توجد أيضًا في البحر المحيط.

هذه الأربعة كتب تعتبر عمدة في التفاسير الجامعة اللغوية، التي جمعت الغريب والمفردات وأضافت إليها أشياء أخرى، سواء كانت في توجيه القراءات، أو في ذكر بعض أقوال السلف، أو ذكر بعض أقوال الفقهاء، أو الأحكام الفقهية أيضًا. هذه الكتب تعتبر عمدة؛ فهي أهم كتب هذا المسار، وهي عمدة مهمة جدًا لمن أراد أن يتجه إلى إعراب القرآن الكريم؛ والكتب التي جمعت الإعراب مع الغريب.

بعد ذلك؛ التأليف في مثل هذه الأمور الكتب الجامعة خفّ؛ أصبح عندنا بعد ذلك في العصر الحاضر أُلفت كتب تعنى بإعراب القرآن الكريم للتيسير، وظهرت كتب متعددة في هذا الباب، ولكن حقيقة كل من كتب بعد أبي حيان وبعد السمين الحلبي؛ والفراء من قبلهما والزجاج؛ كل من أتى بعدهم يُعد عالة على أولئك المتقدمين في موضوع إعراب القرآن الكريم.

هذه لمحة موجزة عن الاتجاه اللغوي في تفسير القرآن الكريم، والتي أبنّا فيها أن التأليف في هذا المسار كان هو من بدايات الاتجاهات التي دعت الحاجة إليها لبيان مفرد القرآن الكريم، أو لبيان غريب القرآن الكريم، ثم بعد ذلك تتابع التأليف في هذا الأمر وانقسم التأليف فيه إلى ثلاث مسارات كما ذكرنا، مسار اهتم بالغريب أو بالمفردة القرآنية وبيان غريبها، ومسار اهتم بالإعراب فقط؛ والمسار الثالث الذي جمع بين الأمرين؛ فألفت التفاسير اللغوية التي جمعت الإعراب والغريب وما يتعلق بذلك.

 

هذه ربما أبرز ما دار في هذا الأمر؛ وإن كنا نقول أن هناك من كتب التفسير الأخرى الجامعة التي ورد فيها كثير من إعراب القرآن الكريم وغريبه، مثل تفسير ابن جرير الطبري ففيه من ذلك الشيء الكثير، مثل المحرر الوجيز لابن عطية؛ تضمن مباحث كثيرة من مباحث اللغة في الإعراب وفي بيان الغريب، لكن نحن نتحدث على الكتب التي غلب عليها الاتجاه اللغوي ولهذا قسمناها هذا التقسيم للإيضاح؛ لكن هذا لا يعني كما أسلفنا أن كتب التفسير الأخرى لا يوجد فيها نحو أو إعراب أو بيان الغريب، لكن هذا الحديث هنا عن الأغلب؛ فالغالب على هذه الكتب التي ذكرناها هو الاتجاه اللغوي في التفسير.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل