برنامج تبيان - سورة المطففين - 4

برنامج تبيان

سورة المطففين – 4

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في هذه الحلقة بإذن الله تعالى سنختم فيها ما تبقى من سورة المطففين ووقفنا في الحلقة الماضية عند قوله جلّ وعلا (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ ﴿٢٩﴾ وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ﴿٣٠﴾ وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ﴿٣١﴾ وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ﴿٣٢﴾ وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ﴿٣٣﴾) 

د. محمد السريع:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. هذا الختام لهذه السورة الكريمة جاء بعد أن ذكر في السورة حال الفجار وحال الأبرار وبين جلّ وعلا كتب الفجار وأنه في سجين وذكر كتب الأبرار وأنه في عليين ثم ذكر حال الأبرار أنهم على الأرائك ينظرون. ثم ختمت السورة بمشهد من مشاهد الدنيا يتكرر كثيرا ثم ذكر حال ومآل هؤلاء الذين اختصموا في الدنيا فقال سبحانه وتعالى (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ) هؤلاء الكفار الذين لجوا في الإجرام وتمادوا فيه كانوا من الذين آمنوا يضحكون، والإجرام هو ارتكاب الجرم والجرم هو الإثم العظيم الكبير. كانوا في هذه الدنيا يضحكون من المؤمنين ويسخرون بهم وإذا مروا بهم يتغامزون يغمزونهم بأعينهم سخرية واستهزاء بهم. وقوله جلّ وعلا (وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ) يحتمل أن يكون المراد: إذا مرّ المؤمنون بالذين أجرموا يتغامزون، يتغامز أهل الإجرام ويحتمل أن يكون: إذا مر أهل الإجرام بالمؤمنين يتغامزون، تحتمل هذا وهذا من جهة النظم وإن كان الأقرب أن المراد إذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم والله أعلم. (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) إذا انقلب هؤلاء المجرمون إلى أهلهم انقلبوا فكهين متنعمين مهما طلبوا من النعيم وجدوه ومع هذا لم يشكروا نعمة الله جلّ وعلا بل اشتغلوا بالمؤمنين يحتقرونهم ويحسدونهم ويستهزئون بهم. (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ) وإذا رأى المجرمون المؤمنين قالوا فيما بينهم إن هؤلاء لضالون، قال الله عنهم (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ) أي لم يكن هؤلاء الذين أجرموا موكلين بحفظ أعمال المؤمنين ولا بالحكم عليهم ولا بنبذهم بهذه الألقاب والقول بأنهم ضالون ولكن هذا من سوء ما أُريد بهم نسأل الله العافية والسلامة أنهم مجرمون ويزيدون على هذا الأمر أنهم يستهزئون بالمؤمنين ويصفونهم بالضلال.

ثم قال جلّ وعلا (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٣٥﴾ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾) ينتقل السياق مباشرة إلى الدار الآخرة قال الله (فاليوم) يوم القيامة ولم يأت تحديده لأنه معروف (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ) كما كان المجرمون يضحكون من المؤمنين كذلك الذين آمنوا من الكفار في القيامة يضحكون. ولاحظ نفس التعبير بالفعل المضارع الذي يفيد استمرار الضحك وتجدده. (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ) ينظرون إلى الله جلّ وعلا وينظرون في النعيم الذي أوتوه. قال الله جلّ وعلا (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) هل جوزيَ الكفار بما كانوا يصنعون وما كانوا يفعلون من صنوف الإجرام؟ نعم، جوزي. وهذا السؤال ليس المراد منه الاستعلام وإنما المراد منه التقرير أي أنهم قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.

المقدم: سمعنا من فضيلتكم تفسيرًا لهذه السورة العظيمة، سورة المطففين وقد ذُكر في أولها توجيهًا بعدم التطفيف ثم ذكر الله تعالى أحوال الناس وأقسامهم في يوم الدين أبرارًا وفجّارًا، هل من وقفات مع هذا العرض في السورة تختمون به؟

د. محمد السريّع: الوقت لا يسعفنا أن نتناول كل ما جاء في السورة من الفوائد والوقفات وقد مر في الحلقة السابقة الوقفات مع الآيات السابقة ولعلي أقف مع الآيات التي في خاتمة السورة عند قوله جلّ وعلا (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا يَضْحَكُونَ).

·         من الفوائد أن هذا الأمر عاد للكفار ولأهل الإجرام وهي السخرية من المؤمنين وقد جاء ذكر هذا الأمر في القرآن كثيراً كما قال جلّ وعلا عن نبي الله نوح عليه السلام (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ (38) هود) وكما قال جلّ وعلا (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴿١٠٨﴾ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴿١٠٩﴾ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ ﴿١١٠﴾ المؤمنون) قال (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴿١١١﴾ المؤمنون) وكما قال سبحانه في سورة البقرة (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٢١٢﴾ البقرة) إذن هذه صفة من صفات أهل الكفر والإجرام ويلتحق بهم المنافقون كلما نجم النفاق وظهر وهي قضية السخرية من المؤمنين.

·         من الفوائد أيضًا أن التعبير في الآية جاء بالوصف (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) والسبب في ذلك بيان الباعث على السخرية وهو الإجرام وايضًا ليعم كل من اتصف به، لم يقل أبو جهل ولا أبو لهب ولا صناديد قريش وإنما (الذين أجرموا) فكل من كان مجرمًا فإنه يسخر من المؤمنين أيضًا. ثم بعد ذلك لبيان الباعث على السخرية وهو الإجرام. ومن جهة أخرى للتنصيص على أن هذا الفعل وهو السخرية من الإجرام.

·         هنا أيضًا وقفة لماذا هذا الأمر؟ لماذا سخرية الكفار من المؤمنين؟ السبب يعود إلى عدة عوامل، لعل منها والله أعلم أنها محاولة لكسر شوكة المؤمنين وتحطميهم داخليا من خلال الهزء به والتنقص منه والتندّر عليهم ونحو ذلك. أيضًا من البواعث له محاولة صد غير المؤمنين عن الدخول في الإسلام أو الالتزام به. ومن البواعث أيضًا أن هؤلاء المجرمين لم يبلغوا الأفق الذي بلغه أهل الإيمان ولذلك يسخرون منهم، الإنسان يسخر، المجرم يشاهد هذا المؤمن وهو يصلي ويزكي ويدعو إلى الله وينفق ماله في سبيل الله، ويبذل ماله ووقته وجهده في العلم، في العبادة والدعوة دون مردود مادي، هذا الكافر أو هذا المجرم لم يبلغ هذا الأفق، معاييره مادية، ولذلك هو يسخر منه. كما أنهم أيضًا يسخرون منهم إذا رأوا رثاثة حالهم وقلة إمكاناتهم وضعف يدهم ونحو ذلك.

·         من الفوائد في قوله جلّ وعلا (وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ) فهم جمعوا بين الإساءة وبين الأمن من مكر الله فهم ينقلبون وهم فكهين وكانوا قبل ذلك يستهزئون بالمؤمنين.

·         وأيضًا من الفوائد أن هؤلاء المجرمين لا يكتفون بعدم الإيمان بل يحكمون على المؤمنين بالضلال ولذلك قال الله عنهم (وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ) وهذه ظلمات بعضها فوق بعض. ولذلك كان كفار قريش كانوا يقولون عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه أنهم صبأة وهذا للأسف الشديد زيادة في الضلال وإمعان فيه!

·         ومن الفوائد في هذه الآيات عند قوله جلّ وعلا (وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ) لم يبعثوا محصين لأعمالهم ولا موكلين بذلك. ولذلك من الفوائد وأنت تشاهد خذلان الله جلّ وعلا لبعض العباد حين لا يدعه الشيطان حتى يخوض في أعراض المؤمنين بالتضليل والتفسيه، قد كان في سعة لو أنه أمسك على نفسه واكتفى بضلاله لكن بعض الناس لا يكفيه ما هو فيه من الضلال والإنحراف والإجرام حتى يلغ في أعراض أولياء الله جلّ وعلا وهذه ظلمات بعضها فوق بعض!.

·         من الفوائد ما أخبر الله جلّ وعلا به في قوله (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴿٣٤﴾ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ﴿٣٥﴾ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴿٣٦﴾) على المؤمن وهو يقرأ مثل هذه الآيات أن يملأ قلبه باليقين أن هذا وعد وصدق كائن لا محالة وأن ما يحصل في الدنيا من ظهور الباطل أو تعالي أهل الشر والفساد والإجرام والكفار ما هو إلا متاع في هذه الدنيا ولكن حقائق الآخرة كما قال الله جلّ وعلا (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرً (82) التوبة) والله أعلم.

أصول التفسير – د. عيسى بن ناصر الدريبي، أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: شاع في كتب مناهج التفسير أنها تنقسم إلى التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، حبذا لو تحدثونا عن هذا الموضوع.

د. عيسى:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وبعد. تحدثنا في حلقة سابقة من أوائل حلقاتنا عن مناهج المفسرين أن غالب من كتب في مناهج المفسرين من المعاصرين يقسمون التفسير إلى منهجيين رئيسيين: التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي. ويعرّفون التفسير بالمأثور للقرآن الكريم بما أُثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة وعن التابعين رضوان الله عنهم. وهناك من يضيف التفسير بالمأثو  يشمل أربعة أنواع: تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بأقوال الصحابة وتفسير القرآن بأقوال التابعين رضي الله عنهم. يجعلون هذا قسمًا ويجعلون المقابل له التفسير بالرأي وهو ما ليس ذلك كذلك التفسير بالرأي – نتحدث هنا عن الرأي المنضبط المبني على قواعد الترجيح وشروط المفسر – فيجعلون أحد هذه الأنواع الأربعة يجعلونا تفسيرًا بالرأي. لنا وقفات مع هذا التعريف وإشكالياته والتطبيقات التي ترتبت عليه.

نقول أن التفسير بالمأثور كما هو واضح من اسمه يشير إلى شيء أُثر عن السابقين وهذا الاصطلاح بهذا المفهوم بهذا التقسيم جلعوا التفسير بالرأي أمر حادث حصل قريباً لم يكن المتقدمون يطلقون التفسير بالمأثور بهذا المصطلح ومن أوائل من قسم هذا التقسيم ثم سار من بعده على هذا المنوال، من أوائل من كتب ذلك الدكتور محمد الذهبي في كتابه الشهير التفسير والمفسرون. وبناء عليه قسّم كتب التفسير وذكر تحت كل قسم: التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي ذكر أمثلة من كتب التفسير بالمأثور وأمثلة من كتب التفسير بالرأي. وهذا المصطلح من أوائل من ذكره الإمام السيوطي في كتابه الدر المنثور في التفسير بالمأثور، لكن بهذا المصطلح الذي تعارف عليه اليوم من تقسيمه أو جعله قسيمًا للتفسير بالرأي من أوائل من ذكره في كتابه الدكتور محمد حسين الذهبي ثم جاء أغلب من كتبه بعده في مناهج المفسرين سار على هذا الأمر فأصبحت هنالك إشكالية. ويبدو لي والله أعلم أن التقسيم المبدأي الذي دعا الدكتور محمد الذهبي رحمه الله إلى هذا التقسيم هو أمر تقريبي لكتب التفسير أنها تنقسم إلى قسمين. الإشكالية أن هذا التقريب أصبح مصطلحا ومنهجا علميا وهنا تكمن الإشكالية في التطبيقات التي ترتبت على ذلك. ولنا وقفات مع هذه الإشكالية:

أولها جعلهم لتفسير القرآن بالقرآن من أنواع التفسير بالمأثور وحقيقة عند التأمل في هذا الأمر يتضح لنا وبكل جلاء أن من يعد تفسير القرآن بالقرآن من التفسير بالمأثور ولا يعده تفسيرًا بالرأي حقيقة لا يُقبل هذا الأمر لأن المفسر حينما يقول أن هذه الآية تفسر هذه الآية فهو في الحقيقة أعمل عقله ورأيه فهو تفسير بالرأي بالدرجة الأولى ولا يندرج تحت التفسير بالمأثور بمصطلح التفسير بالمأثور الذي أُثر عن السابقين. هذه الإشكالية الأولى التي تأتي على هذا التعريف.

الإشكالية الثانية: جعلوا من أنواع التفسير بالمأثور الأنواع الأربعة التي ذكرناها تفسير القرآن بأقوال الصحابة وأقوال التابعين وهذا الأمر لا يسلّم على إطلاقه لأن من تفاسير الصحابة والتابعين ما هو من رأي المفسّر الصحابي رضي الله عنه واجتهاده أو من رأي التابعي. المأثور عن الصحابة رضي الله عنهم على قسمين: قسم من الأشياء المغيبة من علم المغيبات أو من أسباب النزول من الأمور التي لا يمكن معرفتها وإدراكها إلا بالنقل، هذا نسميه مأثورا ويصح الإطلاق عليه بكل وضوح ولا إشكال في ذلك لأنه أُثر لكن الصحابي رضي الله عنه أحيانًا يجتهد بتفسير الآية من خلال معرفته للغة العرب من خلال حضوره للتنزيل من خلال معرفه لأسباب النزول، من خلال الأسباب التي توافرت له فيفسر القرآن برأيه فهذا القسم من تفسير الصحابة ومن تفسير التابعين الذي يقول فيه برأيه في تفسير الآية أيضًا على هذا النحو الذي ذكرنا لا يندرج تحت التفسير بالمأثور وإنما تحت تفسير بالرأي. ولعلنا بعد إيضاح هذين الإشكالين والمترتبات يتضح لنا الإشكالية في أن هذا التقسيم النوعي الشكلي للتفسير أنه التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي أصبح مصطلحًأ وجاءت عليه إشكالياتذكرنا منها الإشكاليتين السابقتين.

من الإشكاليات التي ترتبت على هذا التقسيم بهذه الطريقة من ناحية التطبيق من حيث أنهم إذا جاؤوا إلى كتب التفسير ويعددونها ويجعلون جزءًا تحت كتب التفسير بالمأثور وجزءًا تحت كتب التفسير بالرأي جاءت أيضًا إشكالية في التطبيق. ومن أوضح الأمثلة في ذلك تفسير ابن جرير الطبري فأغلب من كتب ويقسم كتب التفسير إلى كتب التفسير بالمأثور وكتب التفسير بالرأي ويذكر الكتب يذكر من أوائل الكتب التفسير بالمأثور تفسير ابن جرير الطبري أنه من التفسير بالمأثور ويخرجه من دائرة التفسير بالرأي وهنا مكمن الإشكالية. نعم نحن نقول أن تفسير الطبري مليء بالآثار والمرويات المسندة إلى أصحابها في تفسير القرآن الكريم سواء كان عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة والتابعين ويعتبر موسوعة من أكبر موسوعات المأثور لكن إخراجه من دائرة التفسير بالرأي هنا الإشكالية. ابن جرير من أكثر المفسرين اهتموا بشكل واضح بالترجيح وبالمناقشة وبالتعليل، بل إنه لما يقف موقف الرافض لبعض الروايات والمرجِّح لقول من أقوال المفسرين في تفسير آية بناء على اللغة أو السياق حينما يرى أن هذا الأثر لا تساعده اللغة ولا السياق فظُلم تفسيره حينما جعل تفسيره فقط تفسيرا بالمأثور وأُبعد عن التفسير بالرأي، حقيقة من أوضح كتب التفسير التي يظهر فيهاالتفسير بالرأي هو تفسير ابن جرير رحمه الله. 

إذا جيء للتفاسير بالمأثور من الناحية التطبيقية، ما هي كتب التفسير التي غلب عليها التفسير بالمأثور؟ وهذا الاصطلاح الذي ينبغي أن يقال، أو التفاسير التي غلب عليها التفسير بالرأي؟ في الحقيقة من أول ما عُرف مدوّنًا صحيفة علي بن طالب عن ابن عباس رضي الله عنهما وهذه صحيفة مهمة ثم بعد ذلك وجدت التفاسير الموسوعية وأجمعت التفاسير المسندة للمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم هي أربعة كتب: تفسير ابن جرير الطبري وتفسير ابن أبي المنذر وتفسير عبد بن حميد وتفسير ابن أبي حاتم، وهذه أربعة كما قال عنها ابن حجر رحمه الله، قال: لا، أن يشذ عنها شيء من التفسير المرفوع والموقوف على الصحابة والمقطوع عن التابعين. أما غير المسندة أوسع كتب إذا أراد الباحث أو الطالب أن يطّلع على أقوال السلف في كتب التفسير وفي تفسير الآية: القسم الأول تفاسير مسندة وتفاسير غير المسندة وعلى رأسها الكتاب الشهير تفسير الإمام السيوطي الدر المنثور في التفسير بالمأثور.

 

لعلنا بيّنا هذا الاصطلاح وهذا التعريف وختامًا نقول أن الإشكالية تكمن في جعل التفسير بالمأثور قسيمًا للتفسير بالرأي وتصنّف بعض كتب التفسير المليئة بالآثار على أنها تفسير بالمأثور وتخرج من تصنيف التفسير بالرأي.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل