برنامج تبيان - سورة المطففين - 2

برنامج تبيان

سورة المطففين -2

https://soundcloud.com/alejaaby/57-1?in=alejaaby/sets/cmlzqsvpkhkh

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:وقف بنا الكلام في الحلقة الماضية في تفسير صدر سورة المطففين عند قوله جل وعلا (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13)).

د. محمد السريع:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ووفقنا لكل خير وجنبنا كل شر واجعلنا هداة مهتدين، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا انك أنت العليم الحكيم وبعد.

بعد أن نهى الله جل وعلا في صدر الصورة عن التطفيف ذكر انقسام الناس إلى فريقين: شقي وسعيد، وجاء الحديث عن الفجّار فقال سبحانه وتعالى (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8)). (كلا) كلمة ردع وزجر وهي لم تأتِ إلا في القرآن المكي وأول موضع وردت فيه هذه اللفظة هي في سورة مريم إلى نهاية القرآن الكريم، أما في السور المدنية فلم تأتِ هذه الكلمة. قد تكررت في هذه السورة، سورة المطففين وهي فيها إشارة إلى الردع والزجر الذي يتناسب مع أسلوب السور المكية. قال الله جل وعلا (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) ومعاني (كلا) بالمناسبة تدور على معنيين رئيسين:

·         المعنى الأول: أن تكون فيها ردع وزجر وتكذيب لكلام سابق إما مذكور أو مقدّر.

·         أو تأتي بمعنى (ألا أو حقًا) أو نحو ذلك.

وقد تتفق عبارات المفسرين في موضع من المواضع على معنى من المعاني وقد يختلفون بحسب ما أعطاهم الله جل وعلا من النظر والتأويل في معنى (كلا) في موضع معين.

يقول الله جل وعلا (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ)

·         بعض المفسرين قال (كلا) في هذا الموضع هي إبطال وردع لما تضمنه معنى قول الله جل وعلا (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4)) والمعنى (كلا) بل هم مبعوثون لذلك اليوم العظيم.

·         وبعض المفسرين قال أن معنى (كلا) هنا بمعنى (حقاً).

وأياً ما كان فالمعنيان متقاربان.

يقول الله تبارك وتعالى (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) يعني مصير هؤلاء الفجار الذين فجرت قلوبهم وأعمالهم هي في سجين. وسجّين –فعّيل- من السجن وهو الضيق كما يقال فِّسِّيق وشرِّيب وسكِّير ونحو ذلك. وهذه اللفظة مأخوذة من السَجن وقد ذهب ابن عاشور رحمه الله في كتابه التحرير والتنوير إلى أن هذا الاسم من مصطلحات القرآن لا يعرف في كلام العرب من قبل وإن كانت مادته وصيغته معروفة في العربية إلا أنه على هذا النحو لم يُعرف إلا في القرآن الكريم.

يقول الله جل وعلا (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) قد جاء في حديث البراء بن عازب الطويل: يقول الله جل وعلا في روح الكافر: (اكتبوا كتابه في سجين) وقد تنوعت عبارات المفسرين في المراد بسجين، أين هو؟ منهم من قال أنه موضع تحت الأرض السابعة، ومنهم من قال أنه بئر في جهنم وأيّا ما كان فإنه يدل على الضيق ويدل على السفول ويدل على أنه مكان للعذاب لا للتكريم والنعيم، التكريم والنعيم هو ما سيأتي في مآل الأبرار حين يكونون وكتابهم في عليين.

قال الله جل وعلا عن هؤلاء الكفار في سورة الفرقان (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13) الفرقان) فإذاً مآل الكفار وأرواحهم هي إلى الضيق وإلى السفول والعياذ بالله! بخلاف الأبرار، ولذلك كانت النار دركات كما أن الجنة كانت درجات. يقول الله جل وعلا (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)) ثم عظَّمه فقال (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8)) للتعظيم والتهويل (كِتَابٌ مَرْقُومٌ) أي مكتوب مفروغ منه لا يزاد فيه ولا ينقص منه.

قال الله جل وعلا بعد ذلك (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10)الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11)) (ويل) على سبيل التهديد والوعيد أو قد تكون وادي في جهنم أو غير ذلك من عبارات المفسرين التي كلها ترجع إلى معنى واحد يشير إلى شدة العذاب والنكال لمن أُطلق عليهم الويل. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) ثم جاء تفسيرهم في الآية التي تليها (الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) وقد مرّ معنا أن الدين في لغة العرب التي جاء بها القرآن يطلق على معنيين: معنى الجزاء والحساب ومعنى الملة والدين. فأما الجزاء والحساب فمنه هذه الآية يوم الدين يعني يوم الجزاء والحساب وأما الملّة والعقيدة والمذهب فمنه قول الله جل وعلا (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ (19) آل عمران) ومنه قول الله جل وعلا (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6) الكافرون)) ونحو ذلك.

(وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ) هذا أسلوب حصر أنه لا يكذب بيوم الجزاء والحساب يوم القيامة إلا من كان متصفاً بهذه الصفات معتدٍ على الناس في أموالهم وأعراضهم وأثيم مرتكب للآثام. (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وهو مع ذلك مكذِّب بما أنزل الله جل وعلا من الآيات ويزعم أنها ما هي إلا أساطير الأولين كما قال الله جل وعلا عن قائلهم حين جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالآيات (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5) الفرقان) وهم أعلم الناس أن هذا محض كذب وأن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ليس في شيء من أساطير الأولين ولا يمكن للأولين والآخرين أن يأتوا بمثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان من أساطير الأولين لأتوا بمثله لو كانوا يستطيعون ولكنهم عن ذلك يعجزون.

قال الله جل وعلا (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) يعني ليس الأمر على هذا النحو، ليس السبب والباعث أنهم يزعمون أن ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أساطير الأولين أو أنهم في شك وريب من الوحي والبعث، لا، ليس الأمر على هذا النحو ولكن السبب أنه (رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). قد جاء في الحديث عند ابن جرير والترمذي والنسائي وجماعة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت له نكتة سوداء في قلبه فإن تاب منها صُقِل قلبه وإن زاد زادت فذلك قول الله (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). وعن الحسن البصري عليه رحمة الله أنه قال: (هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب فيموت). وجاء نحو هذا الكلام عن جماعة من السلف عليهم رحمة الله. وفي قوله جل وعلا (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) – ران – أي غطّى قلوبهم (مَا كَانُوا) الذي كانوا يكسبونه من الذنوب والآثام والمعاصي غطّاها فلم تعد تميّز الحق من الباطل ولا الهدى من الضلال ويصل الإنسان إلى مرحلة يعلم أن هذا حق ولكنه يتنكّب عنه! ويعلم أن هذا باطل فيرتكبه! ويعلم أن هذا الأمر فيه نجاته في العاجل والآجل ويتركه! ويعلم أن الأمر الآخر فيه هلاكه وحتفه في العاجل والآجل ومع ذلك يأتيه! هذا هو معنى قول الله جل وعلا (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) ما عاد الإنسان يبحث عن مصلحة نفسه في العاجل والآجل لأنه مكبّل بذنوبه وخطاياه نعوذ بالله من ذلك!.

قال الله جل وعلا (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) يعني أن هؤلاء الكفار والمكذبين يوم القيامة يُحجبون عن الله جل وعلا فلا ينالون هذا النعيم الذي هو النظر إلى وجه الله جل وعلا. وقد استنبط علماء الإسلام، الشافعي وغيره من هذه الآية دليلاً على أن المؤمنين يرون الله عز وجل في القيامة، فإنه إذا حجب الكفار كان دليلاً بالمفهوم على أن المؤمنين يرون الله جل وعلا وهذا هو منطوق قول الله جل وعلا (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) القيامة) وهو ما جاء في سورة يونس (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (26) يونس) جاء تفسيره كما في الحديث الصحيح أنها النظر إلى وجه الله جل وعلا، نسأل الله الكريم من فضله. ولا شك أن النظر إلى وجه الله جل وعلا هو من أعظم النعيم الذي يؤتاه أهل الإيمان في القيامة، وأعظم الحرمان هو أن يُحجب الكافر عن ربه جل وعلا ولذلك ذكر هذا الأمر في هذه الآية وهذا أمر رؤية المؤمنين لربهم جل وعلا هو من عقائد أهل السنة وقد جاء في آيات كثيرة وفي أحاديث متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الناظم:

مما تواترَ حديثُ مَنْ كَذَبْ

وَمَنْ بَنَى للهِ بيتاً واحْتَسَبْ

ورؤيةٌ شَفَاعَةٌ والْحَوضُ

وَمْسُحُ خُفَّيْنِ وَهذي بَعْضُ

رؤية يقصد رؤية المؤمنين لربهم في القيامة نسأل الله الكريم من فضله.

ثم قال جل وعلا (ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) يعني يذوقونها ويصلونها (ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) يقال لهم على سبيل التوبيخ والإهانة هذا الذي كنتم تكذبون به في الدنيا قد وقع ورأيتموه وعاينتموه بل وقعتم في نار جهنم نعوذ بالله من النار وحال أهلها!.

أصول التفسير – د. عيسى بن ناصر الدريبي، أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم:ما حاجة دراسة علم مناهج المفسرين؟.

د. عيسى:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وبعد. في الحلقة السابقة تحدثنا عن مدخل لهذا الموضوع استوعبنا فيه بشكل مجمل تعريف هذا الموضوع. ولعل سائلاً يسأل كما سألتم ما أهمية دراسة هذا العلم؟ أو ما هي الحاجة الداعية إلى دراسة هذا العلم؟ ونحن نعتقد أن دراسة هذا العلم كغيره من العلوم له مكانته وأهميته، لكن أهميته تنبع من ارتباطه بكتب التفسير. الآن إذا دخل أي أحد إلى مكتبة من مكتبات الجامعات أو المدارس أو دور النشر التي تبيع أو معارض الكتب سيجد أمامه مكتبة علمية، سيجد أمامه عناوين كثيرة جداً وكمية هائلة من كتب التفسير وقد يقف حيرانًا ماذا يشتري وماذا يختار أو في أي كتاب يقرأ؟ دراسة هذا العلم علم مناهج المفسرين يساعده على التعرف على هذه الكتب، على مناهجها، على طرائقها، على ميزاتها، على خصائصها، على اختيار ما يناسبه هو. إذا كان طالب علم أو ليس من أهل التخصصات الشرعية يستطيع أن يتهج إلى أحد الكتب التي اعتنت بالتفسير الإجمالي أو بالتفاسير المختصرة السهلة. إذا كان طالب علم شرعي يتجه إلى الكتب المتخصصة، إذا كان طالب علم متخصص في الدراسات القرآنية فهذا سيكون أعمق في اختيار الكتاب وهكذا.

كذلك قد يعني للبعض يريد أن يعرف ماذا قال السلف في تفسير هذه الآية، مثلا يريد أن يتعرف على أقوال السلف في تفسير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) الحشر) إلى أين يتجه؟ أي كتاب من كتب التفسر يفتح؟ لا شك أنه سيجد تفسير لهذه الآية لكن هو حدد هدفه مثلا أراد أن يعرف ما قاله السلف، هنا دراسة هذا العلم يساعده على اختيار الكتاب المنهجي الذي يساعده في الوصول إلى تفسير أقوال السلف في هذه الآية. فنقول له اتجه إلى كتب التفسير بالمأثور، اتجه إلى تفسير الطبري، إلى تفسير الدر المنثور للسيوطي، تفسير ابن كثير، اتجه إلى تفاسير متقدمة كتفسير أبي حاتم والصنعاني وغيرها من الكتب التي اعتنت بكتب السلف أو بنفسير السلف أو التفسير بالمأثور، إذا أراد شخص ما أن يتعرف على إعراب آية ماذا قال النحوييون فيها إلى أين يتجه؟ عندنا أكثر من مئآت التفاسير المؤلفة نقول له اتجه إلى الكتب التي اهتمت بالجانب الإعرابي للقرآن الكريم، اتجه إلى البحر المحيط لأبي حيان، اتجه إلى الدر المصون للسمين الحلبي وغيرها من الكتب التي اعتنت باعراب القرآن الكريم.

كذلك أيضاً قد يتفاجأ الإنسان حينما يدخل مكتبة التفسير سيجد عددًا هائلًا من كتب التفسير كما قلنا وقد لا يعرف أن بعض هذه الكتب ذات اتجاهات منحرفة في التفسير. أصحاب الأفكار الباطلة والأفكار العقدية الضالة ألفوا تفاسيرًا للقرآن الكريم والقرآن الكريم حمال وجوه ولووا أعناق نصوص القرآن الكريم لتأييد باطلهم فقد يقرأ الإنسان في أحد هذه الكتب التفاسير المنحرفة ولا يعرف سواء من كتب التفاسير المتقدمة السابقة ذات الإتجاه العقدي سواء اتجاه الشيعة والخوارج أو التفاسير الصوفية وغيرها أو الإتجاهات الحديثة المنحرفة في تفسير القرآن الكريم سواء مناهج أصحاب المدرسة العقلية أو أصحاب القراءات المعاصرة للقرآن الكريم ويجده مكتوبًا عليه تفسير القرآن الكريم فيظن أن هذا خير خير وبركة، لا! هنا يتبين لنا أهمية إدراك أو دراسة هذا العلم وهو علم مناهج المفسرين مثل الكشاف سضيء له ويعرف اتجاهه ويحدد كيف يتجه كيف يختار كتاب التفسير وإلى أين يتجه من هذه الكتب. هذه ربما إلماحة سريعة عن أهمية هذا العلم.

أيضاً ذكرت أمراً آخر من أهمية هذا العلم يستفاد منه الدراسة التطبيقية لأصول التفسير الذي يقرأ مثلاً كتاب تفسير الإمام الطبري سيستخرج منه من خلال دراسته لمنهجه أصولًا مهمة جداً وقواعد هامة في تفسير القرآن الكريم، فهو نموذج تطبيقي لأصول التفسير والقواعد التي يبنى عليها التفسير سواء كان تفسيراً صحيحاً أو التفاسير حتى المنحرفة فهذان وجهان لعلهما يشيران ولو بعجالة إلى أهمية دراسة هذا العلم.

المقدم: هنا سؤال يقودنا كيف نتعرف على مناهج المفسرين؟

د. عيسى:هذا السؤال في محله، كيف ندرس هذا العلم؟ كيف نتعرف على منهج ابن كثير أو ابن جرير أو أبي حيان أو التفاسير الحديثة أو المتقدمة كيف نعرف منهجها؟

هنالك ثلاث طرق للتعرف على مناهج المفسرين:

1.      الطريق الأول: أن ينص المؤلف في مقدمة تفسيره على منهجه الذي التزمه في خطبة كتابه. كثير من المفسرين بدأ كتابه بمقدمة بخطبة الكتاب شرح فيها منهجه وأصوله التي سيلتزم بها من حيث تناوله للألفاظ، من حيث إهتمامه بالآثار، من حيث عنايته بالقصص القرآني، من حيث موقفه من الإسرائيليات وهكذا. وهذا موجود في التفاسير كما فعل ابن كثير وصاحب البحر المحيط أبي حيان وصاحب الدر المصون للسمين الحلبي وكما فعل كذلك القرطبي في مقدمته تحدث عن منهجه بإجمال.

2.      الطريقة الثانية: عن طريق الإستقراء إستقراء هذا التفسير لاستخراج منهج المؤلف وأسلوبه في التفسير، وما هي القواعد والأسس التي بنى عليه تفسيره؟ ما موقفه من الألفاظ القرآنية؟ ما موقفه من الغريب؟ ما موقفه من البلاغة؟ من الإعراب؟ ما موقفه من آيات الأحكام؟ هذا يحتاج إلى استقراء تستقرئ الكتاب كاملًا حتى تستخرج منه  منهج هذا المؤلف وهذا غلب الآن في الدراسات العلمية الحديثة، أبحاث الماجيستير والدكتوراه. هنالك اتجاه كبير في هذا الباب لدراسة مناهج المفسرين فتجد الباحث يختار كتابًا من كتب التفسير ويقرأه ويستعرض الكتاب حتى يخرج منه بمنهجه من خلال قراءة هذا التفسير واستخراج القواعد والأسس والمنهجية التي بنى عليها هذا المؤلف كتابه.

 

3.      الطريقة الثالثة وهي الإستعانة بالكتب التي ألّفت الآن في مناهج المفسرين. هنالك اهتمام بدأ منذ القرن الماضي بدأ في الأزهر على يد الدكتور محمد حسين الذهبي وسنتحدث عن هذا إن شاء الله في لقاء مستقل كان قد فتح الباب لدراسة مناهج المفسرين. هنالك كتب الآن ألفت لبيان مناهج المفسرين وسنتحدث إن شاء الله بشكل موسع عن هذه المناهج. هذه الكتب الآن تساعدك تعرّفك بكتب التفسير ومناهجها وأسسها وألوانها وطرائقها في التفسير واتجاه كل مفسر والقواعد التي بنى عليها هل هو يندرج تحت التفسير بالمأثور أو يندرج تحت التفسير بالرأي هل هو يندرج تحت التفاسير ذات الصبغة الأثرية، هل هو يغلب عليه النحو أو يغلب عليه الإعراب أو هل يغلب عليه الإهتمام بالأخبار أو يغلب عليه النواحي العقلية؟ تبين هذا الكلام بوضوح وهذه الكتب إن شاء الله سيكون عنها حديث مفصل لأنها ركن مهم جداً في الحديث عن هذا الموضوع موضوع مناهج المفسرين. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل