في ظلال آية - أواخر سورة البقرة

في ظلال آية

د. أحمد نوفل

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

أول مرة ذكر فيها كلمة إنسان في القرآن بحسب ترتيب المصحف في قول الله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا (28)) في سورة النساء وهي سورة الضعفاء. وقد شاء الله تعالى أن يكون أبو البشرية آدم ضعيفًا وكذلك ذريته ضعفاء ولو شاء الله لجعل إبراهيم أبو البشرية لكنه سبحانه وتعالى اختار آدم (وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴿١١٥﴾ طه) حتى تظهر فيه صفة الضعف ويتحقق قول الله تعالى (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) وتكون ذريته من بعده ضعفاء.

(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٨٦﴾ البقرة)

كل نفس لها وسع وستحاسب على قدر هذا الوسع. كلنا ننقص ما في وسعنا ولا نزيد وينبغي أن نعرف قدراتنا. وشهر رمضان هو شهر اكتشاف الوسع، فالإنسان الصائم يصوم 16 ساعة في النهار في شدة الحرّ ويقوم الليل بفضل الله تعالى، في رمضان كان بوسعنا أن نقوم الليل بطوله بينما في باقي السنة لا نقوم بركعتين! فرمضان في اكتشاف الوسع مهم جدًا وأنت ستحاسب على مقدار وسعك. والله سبحانه وتعالى يعلم حقيقة حالك وقدرتك وكاقتك وإمكاناتك ووسعك، أنت مكشوف أمام الله سبحانه وتعالى وستحاسب على وسعك لا على ما أظهرت. (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) قد نقنع أنفسنا أنه لا طاقة لنا ولا وسع ولكن الله تعالى عنده حكم آخر ومطّلع على قدراتنا وعلى ما في وسعنا وسيحاسبنا عليه لا على ما نُظهر أنه في وسعنا ونقنع أنفسنا والآخرين به!

الفرق بين الوسع والطاقة:

الوسع هو الإمكانية النظرية

والطاقة هي إمكانية وقدرة التنفيذ العملية. قال تعالى (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ (184) البقرة) (قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ (249) البقرة)

ونضرب مثالا لتوضيح الفرق: تاجر يملك عقارات وأعمالًا وأراضي بالملايين (هذا وسعه) وأما المبلغ الذي بين يديه فعلاً هو مئات آلآف فقط، فهذه طاقته.

(وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) هل الله سبحانه وتعالى يحمّل الإنسان ما لا طاقة له به؟! الجواب لا، لأن الله عز وجل قال (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (78) الحج) والدين يسر، فالأطفال الصغار يصومون بيسر، الصيام بالإمكان والصلاة بالإمكان والحج لمن استطاع إليه سبيلا فإن لم يستطع حتى وإن لم تعطَ له تأشيرة الحج فهو غير مستطيع ولا شيء عليه، والزكاة لمن بلغ ماله النصاب وحال عليه الحول فمن لم يتحقق له هذا فليس عليه زكاة.

قد أحمّل ما لا طاقة لي به من العباد لا من رب العباد. فعندما ندعو (وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) أي ربنا لا تسلّط علينا من يذيقنا ما لا طاقة لنا به، أما الشرع فليس فيه ما لا طاقة لنا به (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (78) الحج).

(وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)

 

ختام رائع للسورة، العفو هو المسامحة والمغفرة هي طمر الذنوب. (وَارْحَمْنَا) الرحمة نحتاجها مطلقة في الدنيا وفي الآخرة، الرحمة مفهوم مطلق عظيم شامل (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (156) الأعراف). (فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) النصر من عند الله سبحانه وتعالى.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل