برنامج تبيان - سورة الانشقاق - 1

برنامج تبيان

سورة الإنشقاق -1

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع: أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:في هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى سنشرع في تفسيرسورة الإنشقاق، ماذا عن موضوع هذه السورة؟

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

هذه السورة سورة الإنشقاق وتسمى سورة (إِذَا السَّمَاءُانشَقَّتْ)موضوعها كما هو ظاهر من آياتها: هو بيان حال الإنسان وانقسام الناس إلى شقي وسعيد، عملهم في هذه الدنيا ومآلهم في الآخرة.

(إِذَا السَّمَاءُانشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَاوَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5))، ثم قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)) ثم جاء تقسيم الناس إلى قسمين: من أوتي كتابه بيمينه، ومن يؤتى كتابه وراء ظهره بشماله، نعوذ بالله من حال هؤلاء!.

ثم جاء القسم بعد ذلك في وسط السورة بقوله جلّ وعلا: (فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ (19)) قسم ٌ على حال هؤلاء الناس وأنهم يركبون طبقاً عن طبق كما سيأتي في تفسيرها إن شاء الله تعالى. ثم بعد ذلك ذكرت الآيات انقسام الناس إلى فريقين: (بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24)) ثم الطائفة الثانية: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)).

فهذه السورة فيها حديث عن إثبات الميعاد ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) ) وفيها أيضًا حديث مسهب عن حال انقسامهم إلى شقي وسعيد، وفي هذا الفلك تدور آيات السورة المكية كثيراً ومنها سورة الإنشقاق.

هذا فيما يتعلق بموضوعها. سورة الإنشقاق سورة مكية نزلت بمكة بإجماع المفسرين وآياتها خمس وعشرون آية، وقد جاء فيها موضع من مواضع السجود وهو قول الله تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21)). قد ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وأبي رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في هذا الموضع، وهو كما قلنا من مواضع السجود كما جاء في الحديث عن أبي هريرة قال: سجدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في (إِذَا السَّمَاءُانشَقَّتْ (1)) و (اقْرَأْبِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) [سورة العلق]، وغير كذلك من النصوص الأخرى.

وهذه السورة جاء عند الإمام أحمد من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين فليقرأ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) [التكوير] و (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ [الإنفطار:1] و ((إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1)) أخرجه الإمام أحمد والترمذي وغيرهما. وفي هذا الحديث إشارة إلى موضوع السورة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سرّه أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين، إذاً هذه السورة حديث عن يوم القيامة ومشاهدها وأهوالها اإنقسام الناس فيها إلى طائفتين: طائفة الأبرار وطائفة الفجار، هؤلاء يأخذون كتابهم باليمين وهؤلاء يأخذون كتابهم وراء ظهورهم.

أيضاً مما يوضح موضوع هذه السورة، اسم السورة لأنه قد جاء عن جمع من الصحابة أنهم سموها (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1))، وهذا طبعاً أخذ من مطلع السورة. فهو أيضًا مشهد من مشاهد القيامة وأهوال وأحوال الآخرة.

قال الله جلّ وعلا: (إِذَا السَّمَاءُانشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَاوَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6))

يقول الله جلّ وعلا (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ (1) ) وهذا يوم القيامة فإن السماء تنشق وكما جاء في سورة الإنفطار (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ [1])، ثم قال تعالى: (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا) أي هذه السماء استمعت لربها وأطاعت أمره فيما أمرها به من الإنشقاق. ثمقال تعالى: (وَحُقَّتْ) هذه جملة معترضة، أي وحقّ لها أن تطيع أمره تعالى لأنه العظيم الذي لا يمانع، العظيم الذي لا يغالب جلّ وعلا بل هو قد قهر كل شيء وذلّ له كل شيء سبحانه وبحمده. ثم قال تعالى: (وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3)) أي بُسطت وفرشت ووسّعت كما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان يوم القيامة مدّ الله الأرض مد الأديم حتى يكون لبشر من الناس إلا موضع قدميه ..إلى آخر الحديث .

قال الله جلّ وعلا بعد ذلك: (وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4)) هذه الأرض التي مدّت ألقت ما فيها، ما في بطنها من الأمواتوتخلّت عنهم كما قال الله جلّ وعلا في سورة الزلزلة: (وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا [الزلزلة:2]) أي أخرجت ما في بطنها من الأموات. (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (5)) أي أنها كما قال جل وعلا عن السماء (وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2)) أي استمعت لأمر ربها وحقّ لها فكذلك جاء الأمر في حق الأرض أنها أذنت لأمر ربها وأطاعته وحقّ لها أن تفعل ذلك فهي مربوبة مخلوقة له جل ّو علا.

قال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) )، هذا خطاب للإنسان من حيث هو كل الناس، كل الناس يغدون كل الناس يعملون، فجميع البشر كادح إلى ربه جلّ وعلا فهو ساعٍ إلى ربه سعياً حثيثاً. والكدح هو إتعاب النفس في العمل والكدّ. قال الله جل وعلا: (فَمُلَاقِيهِ) أي ستلاقي ما عملت من خير وشر. هذا القول الأول من أقوال المفسرين في عود الضمير في قوله: (فَمُلَاقِيهِ) أي أنه عائد على العمل، على الكدح الذي تقدمت به أيها الإنسان، ستكدح إلى ربك كدحاً ثم ستلاقي ما قدّمت من خير أو شر. قد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال جبريل: يا محمد عش ما شئت فإنك ميت، وأحبّ ما شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك ملاقيه.

أيضاً للإنسان إذا كان سيلاقي ما قدّمّ، يتوقف قبل أن يعمل عمل السوء، إذا تذّكر أنه كل صغير أو كبير يعمله فإنه سيلاقيه فإذا كان هذا العمل يسوؤك فاحذر أن تقدّم أمامك شيئا يسوؤك أن تجده، وإن كان خيراً فاعزم وتوكل فإنك ستفرح به.

من المفسرين من أعاد الضمير في قوله: (فَمُلَاقِيهِ) إلى الرب في قوله (إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا) فملاقٍ ربك بعد ذلك، والمعنى أنه يجازيك بعملك. ولعل هذا والله أعلم من الإختلاف الذي تشمله الآية جميعاً، فإن الإنسان يكدح إلى ربه جلّ وعلا فسيلاقي عند الله ما قدّ من خيرٍ أو شر، فالآية تشمل هذا وهذا. وهذا في الحقيقة من بيان القرآن وعظمة القرآن أن تأتي الآية على أكثر من وجه وليس بين هذه الأوجه تعارض ولا تضاد وكلها أوجه صحيحة والنظم الكريم يحتملها جميعاً.

قال الله جلّ وعلا بعد ذلك: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ [7] فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [8]) هنا انقسم الناس إلى قسمين: من يؤتى كتابه بيمينه ومن يؤتى كتابه وراء ظهره، أما الذين يؤتون كتابهم باليمين فإنه يحاسب حساباً يسيراً سهلاً لا تعسير فيه ولا تحقيق عليه ولا يدققّ عليه ولا يُجازى عليه. قد جاء في الحديث عند البخاري ومسلم: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من نوقش الحساب عُذِّب، قالت رضي الله عنها، وهذا من فقهها، فقلت: أليس قال الله: (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا) قال: ليس ذاك بالحساب ولكن ذاك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة عُذِّب. وهذا من تفسير القرآن بالسنة، فقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم معنى الحساب اليسير هنا وأنه العرض، وبيّن صلى الله عليه وسلم أن مناقشة الحساب عذاب يوم القيامة. هذا الإنسان الذي يؤتى كتابه بيمينه (فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [8] وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا [9]) يرجع إلى أهله في الجنة وهوفرحٌ مغتبطٌ بما أعطاه الله جلّ وعلا وبما منّ عليه.

وأما الطائفة الأخرى (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ [10]) وهؤلاء هم الكفار فإنهم يؤتون كتابهم بالشمال من وراء ظهورهم كما جاء في هذه الآية وكما جاء في آية الحاقة: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُبِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَه [25] وَلَمْأَدْرِمَا حِسَابِيَهْ [26]) فيُجمع بين الآيتين أنه يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. هذا الإنسان (فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا [11]) يدعو على نفسه بالثبور والخسار والهلاك. (وَيَصْلَى سَعِيرًا [12] ) أي يصلى ناراً مستعرة كما قال الله جلّ وعلا: (تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً [الغاشية: 4) )، (إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا [13] ) كان فرحاً لا يفكر في العواقب ولا يعمل للآخرة ولا يخاف مما أمامه (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًاوَلْيَبْكُواكَثِيرًا [ التوبة :82] ) نعوذ بالله من حال هؤلاء!.

ولذلك المؤمن حتى ولو متّعه الله جلّ وعلا بالمتاع الحسن في هذه الدنيا فإن هذا لا يسكره ولا يعميه عما خُلق من أجله من العمل الصالح. قال جلّ وعلا: (إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ [14]) لقد كان هذا الإنسان يعتقد أنه لا يرجع إلى الله ولا يعيده مرة أخرى بعد موته. والحور هو الرجوع، حار أي رجع. (بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا [15]) أي جلّ وعلا سيعيده كما بدأه، سيجازيه على أعماله فإنه (كَانَ بِهِ بَصِيرًا) عليماً خبيراً، لا تخفى عليه خافية.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. عيسى بن ناصر الدريبي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود ورئيس اللجنة العلمية بالجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه.

المقدم: فضيلة الشيخ تحدثنا في مقدمات الحلقات السابقة عن مناهج التفسير؛ حبذا لو يكون حديثنا في هذه الحلقة عن اتجاهات التفسير؛ وسمعنا في الحلقات الماضية تذكرون عن الاتجاه اللغوي؛ والاتجاه الفقهي؛ والاتجاه العلمي وغيرها، فهل من تقريب للمستمع الكريم لمفهوم هذه الاتجاهات؛ أحسن الله إليكم.

د. عيسى الدريبي: بسم الله الرحمن الرحيم؛ والصلاة والسلام على رسول الله وبعد. سبق في حديث في حلقات سابقة الحديث عن موضوع مناهج المفسرين حيث يرتبط به الحديث عن اتجاهات المفسرين، وفرّقنا في الحلقات السابقة بين هذين الأمرين بما لا داعي لتكراره، ونبدأ بتعريف مختصر لموضوع الاتجاه.

إذن الاتجاه في اللغة كما يقول ابن منظور في لسان العرب: الوجهة؛ هي القبلة والموضع الذي نتوجه إليه ونقصده؛ ووجه الكلام: السبيل الذي نقصده.

ومفهوم الاتجاه عند المفسرين؛ عند اتجاهات المفسرين: هو الهدف الذي يتجه المفسرون بتفاسيرهم؛ ويجعلونه نصب أعينهم وهم يكتبون ما يكتبون، كما يقول الدكتور فهد الرومي في تعريف الاتجاه التفسيري. وهناك تعريف أشمل منه للدكتور محمد إبراهيم الشريف يقول: مفهوم الاتجاه يتحدد أساسًا بمجموعة من الأفكار، والآراء، والنظرات، والمباحث التي تشيع في عمل فكري كالتفسير بصورة أوضح من غيرها، وتكون غالبة على ما سواها، ويحكمها إطار نظري، أو فكرة كلية تعكس بصدق مصدر الثقافة التي تأثر بها صاحب التفسير، ولوّنت تفسيره بلونها.

من هذا التعريف يمكن أن نستنبط أن هذه الاتجاهات بعضهم يسميها بألوان التفسير؛ وهي واضحة الفرق بينها وبين مناهج المفسرين. فمثلًا: عندنا الاتجاه الفقهي؛ وهو أحد اتجاهات التفسير، لو أتينا لكتب التفسير التي عنيت بالاتجاه الفقهي -أو صنّفت ضمن الاتجاه الفقهي- نجد أن مناهجهم في التفسير تختلف؛ فبعضهم مثلا في التفسير بالاتجاه الفقهي يفسر فقط الآيات التي فيها أحكام، وبعضهم يفسر كل القرآن وبما في ذلك الآيات التي فيها أحكام ويفيض فيها. فهذا للتأكيد في التفريق بين المناهج وبين الاتجاهات. فالاتجاه هو الخلفية الفكرية، اللون الذي ينطلق فيه المفسر، أو هو حتى الاتجاه العقدي أو الفكري الذي ينتمي إليه مؤلف التفسير، فعندنا اتجاهات منحرفة، كاتجاه التفسير بالقراءات المعاصرة والأشياء الحادثة اليوم، أو اتجاه التفسير بناءًا على الخلفية الفكرية العقدية كالشيعة والخوارج والإباضية وغيرها، فهذا أيضا جزء مما يدخل في اتجاهات التفسير؛ لكن إذا أطلقت الاتجاهات فهي غالبًا تنطلق إلى هذه الاتجاهات الرئيسة التي ذكرنا في أول الحلقات؛ اتجاه التفسير اللغوي، اتجاه التفسير الفقهي؛ واتجاه التفسير العلمي التجريبي، واتجاه التفسير الموضوعي؛ وهو من الاتجاهات الحديثة التي أصبح لها شأن؛ كذلك الاتجاه البياني؛ هو أحد أهم الاتجاهات التي تعنى بإبراز مناحي الإعجاز خاصة فيما يتعلق بالبلاغة القرآنية.

هذا الاتجاه حينما نتحدث عنه –الاتجاه اللغوي- نبدأ به لأنه من أوائل الاتجاهات التي ظهرت، ويعتبر حقيقة عمدة من عمد الاتجاهات أو ألوان التفسير. هذا الاتجاه أول ما بدأ اهتم بمفردات القرآن الكريم، وشكل اللفظة القرآنية من حيث النحو أو الصرف، وكان من الموضوعات أيضًا الاهتمام بالقرآن الكريم من حيث الإعراب؛ ومن حيث الوجوه والنظائر.

هذا الاتجاه كان من أوائل الاتجاهات التي نشأت لأنه كان أول ما نشأت الحاجة لفهم القرآن الكريم كانت منصبة بالدرجة الأولى على المفردة، على الكلمة، على شرح غريب القرآن الكريم، يقول أبو عبيدة: فلم يحتج السلف، والذين أدركوا وحيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه؛ لأنهم كانوا عُرُب الألسن، فاستغنوا بعلمهم به عن المسألة عن معانيه. لكن في العصور التي بعدهم في عهد التابعين احتاج الناس إلى السؤال عن غريب القرآن الكريم؛ واحتاجوا إلى إعراب القرآن الكريم لفهمه، فالإعراب المقصود الأول منه هو فهم المعنى؛ بسبب ظهور الأعاجم –بداية ضعف العرية لاختلاطها بالأعاجم - لدخول فئات من الأعاجم في الإسلام؛ وهؤلاء لا يفهمون اللغة العربية، عند ذلك ظهرت الحاجة إلى البحث في لغة القرآن الكريم ومفرداته، وغريبه، وإعرابه. ومن هنا كان اهتمام الصدر الأول ببيان هذه الأمور؛ ما يُسمى غريب القرآن الكريم؛ فقد كان من أوائل ما نشأ في هذا الاتجاه، كذلك بعد ذلك إعراب القرآن الكريم، ومن الأشياء المعروفة مسائل النافع بن أزرق التي سأل فيها ابن عباس؛ وكانوا يستشهدون على بيان غريب القرآن الكريم بما ورد في الشعر العربي؛ لتفسير هذا الغريب.

ثم في نهايات القرن الثاني الهجري ظهر أيضًا التأليف في إعراب القرآن في إطار الاتجاه اللغوي؛ وفي غريب القرآن، وفي علم الوجوه والنظائر. وحين ابتدأ عصر التصنيف والتدوين بدأ التأليف في هذه الثلاث الأقسام من أقسام الاتجاه اللغوي. ويجب أن نشير هنا أن الاهتمام بلغة القرآن لم ينحصر أيضًا في المفسرين اللغويين فحسب، بل كذلك حتى أصحاب أهل الأثر الذين يفسرون القرآن الكريم؛ وأهل البيان والفقهاء، اهتموا بلغة القرآن الكريم وبيانه.

تطور هذا الاتجاه في التفسير فأصبح في مسارين اثنين:

المسار الأول: غلب عليه الاهتمام بالمفردات في القرآن الكريم وما اتصل بها من بحث في الاشتقاق، في الصرف، في الوجوه والنظائر.

المسار الثاني: اتجه إلى الاهتمام بإعراب القرآن الكريم.

وعلى هذا فيمكن الحديث في الاتجاه اللغوي في التفسير أنه في مسارات عدة؛ المسار الأول منحى التفاسير اللغوية التي اهتمت بالمفردة. والمسار الثاني التفاسير اللغوية التي اهتمت بالإعراب. والمسار الثالث هو مسار التفاسير اللغوية الجامعة التي جمعت الإعراب والنحو والمفردة والغريبة. ولعلنا نبدأ بذكر بعض الحديث عن التأليف في هذه المسارات. ففي التأليف في مفردات القرآن الكريم عند المفسرين اللغويين كانوا على منهجين:

·         طائفة تتبعوا المفردة حسب ترتيبها في السور والآيات في المصحف.

·         وطائفة رتبوا مفردات القرآن الكريم على حروف المعجم؛ وهؤلاء لا يدخلون عندنا في التفسير وإنما هم من أوائل من أسسوا للاتجاه اللغوي في تفسير القرآن الكريم.

حتى نضرب مثال على التفاسير التي اهتمت بالمفردات، أو بغريب القرآن الكريم، وكما قلنا على قسمين؛ قسم اهتم بالمفردات؛ فسّرها على ترتيب المصحف وهذا الذي يدخل معنا في صلب الحديث عن اتجاهات التفسير في الاتجاه اللغوي، وقسم آخر رتب هذه المفردات على الغريب؛ ولكن هذا لا يدخل معنا في موضوع التفاسير هنا.

 

نذكر أمثلة لأهم هذه الكتب التي ألفت في غريب القرآن على ترتيب المصحف؛ مجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى المتوفى سنة 210، ومعاني القرآن للأخفش؛ وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة؛ وغريب القرآن وتفسيره لابن المبارك اليزيدي؛ ومعاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس، وغرائب التفسير وعجائب التأويل لمحمود بن حمزة الكرماني. هذه من أهم ما ألّف في غريب القرآن الكريم على ترتيب المصحف. هناك كتب ألّفت في غريب القرآن على ترتيب المعجم قلنا أنها لا تدخل معنا في اتجاهات التفسير، منها تنوير القلوب للسجستاني، ومفردات غريب القرآن للراغب الأصفهاني، وتحفة الأريب لأبي حيان الأندلسي، لكنها لا تدخل مباشرة تحت التفاسير، لا نسميها بالتفاسير مثل سابقتها.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل