روائع البيان القرآني - صفات المنافقين - ج2

سورة البقرة – الآيات 8-13

روائع البيان القرآني – د. محمد داوود
أوصاف المنافقين – جـ2 
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) - مثلهم - وضرب الأمثال في القرآن إنما هو لتبيين الحقائق وتوضيح الحقائق فيمثل بمحسوس أو بمعلوم لأمر معنوي أو لأمر مجهول ليقرب المعنى وهذا من ترفق القرآن في بيانه بالناس حتى يقرب الفهم ويقرب المقصود لهم فيقول سبحانه (مثلهم) أي مثل هؤلاء المنافقين (كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) يبين ربنا سبحانه وتعالى في هذا البيان القرآني في هذا المثل بهذا التشبيه التمثيلي أن يكون وجه الشبه فيه في صورة مادية منتزعة من الواقع الذي يعشونه فيبين أن إذا استوقد أحدهم ناراً لتضيء ثم لا يمدها بالوقود فتنطفئ النار ويذهب ضوءها فإنه قد انقطع عنه نوره، فالمنافق ساعة أن يعلن إيمانه يبدأ مع المؤمنين يسطع نوره إذا تحقق هذا الإيمان، لكن سرعان ما يخلو إلى شياطين الناس من الكفرة والمنافقين والمشركين فيتحول عن هذا الإيمان إلى الكفر الذي يبطنه فتظلم عليه الدنيا لكن ربنا سبحانه وتعالى يقول (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ولعل مقتضى الظاهر أن يقول البعض لماذا لم يقل (ذهب الله بضوئهم)؟ لأن الآية (أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ) وفي الحقيقة أن الضياء أبلغ من النور فلو نفى الضياء فربما تخيل البعض أنه بقي لهم النور يسيرون في هذه البقية من النور فأراد ربنا سبحانه وتعالى أن يقطع كل سبيل على هذا النور وأن الظلام محيط بهم لا محالة وأن الخيبة أحاطت بهم فقال ( ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) ومن هنا يتبين لنا في هذا المقام تدبر عظيم لأن ربنا سبحانه وتعالى يقول بعدها (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) هنا نجد في هذه الآية أن الله جمع الظلمات هم ليسوا في ظلمة واحدة ظلمة النفس وظلمة الهوى وظلمات الهوى وظلمات الشرك إلى آخره، جمع الله الظلمات وأفرد النور لماذا؟ لأن النور مصدره واحد (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(35) النور) نورهما بالنور الحسي الشمس والقمر ونورهما بالنور المعنوي الرسل بالكتب بالهداة والدعاة إلى آخر ذلك، إذاً النور كله له مصدر واحد لا يتعدد مصدره (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(35) النور) لكن الظلمات لها مصادر كثيرة جداً، ظلمة الهوى ظلمة النفس ظلمة الليل ظلمة البحر ظلمات كثيرة مادية ومعنوية ومن هنا جمع الله الظلمات وأفرد النور فقال (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) شبه ما يقعون فيه من الكفر والنفاق بالظلمات وشبه ما يعلنونه ويقتربون من أهل الإيمان بالنور ولو أنهم استمروا في ذلك النور لنفعهم، لكنهم اختاروا الظلمة فربنا سبحانه وتعالى يجعل العبد وما يختار لنفسه فيقول (وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ) وهذا من الهدي البديع في القرآن الكريم في هذه التشبيهات لعظيمة.
ثم يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد ذلك (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) يعني أن أدوات الحس والإدراك للفهم تعطلت عندهم فأصبحوا في حكم الصم الذين لا يسمعون والبكم الذين لا يتكلمون والأعمى الذي لا يرى (فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ) يعني تعطلت عندهم وسائل الإدراك فلا أمل في نجاتهم أبداً. 
ثم يأتي ربنا سبحانه وتعالى بمثل آخر فيقول (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) (صيّب) الصيب هو المطر الذي ينزل من السماء (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) كلمة (صيب) وقع المطر إنما هو حركة فسكون حركة من أعلى لأسفل وسكون لما يأتي على الأرض، الحركة في لسكون (صيِّب) لأن الحرف المشدد عبارة عن حرف متحرك فساكن وهذه الكلمة بحركتها تحاكي وقع المطر ووقع المطر وهذا من خصائص القرآن الكريم هذا لون من الإعجاز – الإعجاز في الحركة – كما بينا قبل ذلك بكثير الإعجاز القرآني يكون في الحركة (أو كصِّيب)، حركة فسكون تحاكي وقع المطر المتحرك ثم يسكن عند الأرض، (أو كصِّيب) هذا لون من الإعجاز في الحركة، إعجاز في الحرف، إعجاز في الكلمة، إعجاز في الآية، إعجاز في السورة إعجاز في القرآن كله ( وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43) العنكبوت).
(أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ) جمع الظلمات لكن قد يسأل سائل لماذا أفرد الرعد والبرق؟ لأن الرعد والبرق جاؤوا كمصدر والمصدر هنا لا يُجمع ويدل بدلالته على الجمع فانتبه لذلك فهذه لطيفة لغوية بيانية. ( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ) الإنسان لا يضع كل أصابعه في أذنه وإنما يضع الأنامل فقط بدايات أطراف الأصابع في أذنه لكن ليس كل الأصابع ولكن يضع أصبع واحد ولا يضعه كله يضع طرفه لكن القرآن يعبر فيقول (أصابعهم) الإغلاق حتى لا يسمعوا ولا يدركوا ولا يستجيبوا إنما هم في تمام الإغلاق وتمام الحرمان أنظر إلى البلاغة القرآنية ( يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ) الصواعق التي يأتي بها الرعد والبرق حذراً من الموت، (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) الله قادر عليهم محيط بهم لا مفر من ذلك فيبين أن الملاذ هو الله سبحانه وتعالى وأن المطر هو بمثابة الإيمان المنقذ لكن الرعد والظلمات والبرق الذين يريدون أن ينجوا منها هم فهي ظلمات الكفر والمعاصي التي وقعوا فيها ويستمرون فيها وأنه لا ملجأ ولا منجى إلا إلى الله (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ).
(يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) يمثل للإيمان بأن نور الإيمان إنما يضيء لهم (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ) مشوا في هذا النور وهذا الضياء فإذا انقطع ذلك النور والضياء وأظلم عليهم قاموا (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهم لا يبصرون طريقهم ولا يهتدون.
هذه الآيات وما قبلها إنما جاءت لبيان حال المنافقين الذين يسترون في قلوبهم الكفر ويعلنون في ظاهرهم إذا ما التقوا بأهل الإيمان أنهم آمنوا وهم لا يعلنون ذلك صدقًا عن حقيقة واقعة في القلب وإنما هم كذبة يعلنون ذلك وهم في قلوبهم يبيتون الكفر ويبيتون هذا النفاق. كل هذا إنما هو من بيان الله سبحانه وتعالى كي يترفق بنا حين بين لنا في بداية السورة هذا الكتاب وعظمة هذا الكتاب فنفى عنه الريب والشك وأثبت له الهداية ثم في ثلاث آيات يبين أهل الإيمان ثم في آيتين يبين الكفار ثم في تسع آيات أمر ملبس يبين حال المنافقين بروعة بيانية خالدة ثم بعد ذلك يضرب مثلين لأهل النفاق حتى لا يبقى عذر لإنسان أن يقع في كفر أو أن يقع في نفاق.
ومع هذه الروعة وهذا البيان ينبغي أن نسبح سبحان من هذا كلامه وسبحان من هذا بيانه ولا يبق إلا أن يستجيب الإنسان لهدي الله كي ينقذ نفسه وأن لا يضع نفسه مواضع أهل النفاق وأهل الكفر والسوء وأن يعتبر بهذا البيان القرآني الذي ساقه الله إلينا ليكون عزا لنا ونجاة لنا وفخرا لنا.

رابط المشاهدة:
http://www.mohameddawood.com/video/view.aspx?ID=1401&Section=روائع+البيان
 


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل