برنامج تبيان - سورة المرسلات - 3

برنامج تبيان

سورة المرسلات – 3

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع: أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان(.

المقدم:في هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى سيكون ختام تفسير سورة المرسلات؛ قال الباري جلّ وعلا: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴿٤١﴾ وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴿٤٢﴾ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٤٤﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٥﴾)

د. محمدالسريّع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في هذه الآيات يذكر ربنا جل وعلا شيئًا من نعيم المتقين الذي أُعدّ لهم يوم القيامة. وقد جاء هذا بعد قول الله جلّ وعلا: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴿٢٨﴾انطَلِقُوا إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٩﴾انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴿٣٠﴾) بعدها ذكر حال الكفار وما يكونون عليه في القيامة؛ وهذا أحد الأوجه في معنى كون القرآن مثاني أنه يُذكر فيه الشيئ وضدّه؛ ولذلك في القرآن إذا ذُكِرَ المؤمن؛ ذُكِرَ الكافر، وإذا ذُكِرت الجنة ذُكِرت النار، وإذا ذكرت الدنيا ذكرت الآخرة وهكذا.

يقول ربنا جلّ وعلا: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ ﴿٤١﴾) الذين اتقوا ربهم جل وعلا، واتقوا محارمه، واتّقوا يومًا يرجعون فيه إلى الله، فعملوا بطاعة الله جل وعلا، واجتنبوا ما يسخطه ويغضبه سبحانه؛ لهم في القيامة ظلال وعيون، فهم تحت ظل الأشجار الوارفة في جنة النعيم، ولهم عيون تجري من الماء غير آسن كما قال ربنا جل وعلا، ولهم مع ذلك فواكه مما يشتهون؛ أي من الذي يشتهون؛ من كل ما يشتهون، فهم لا يحتاجون إلا إلى أن يتذكروا أنواع النعيم وأطايب الثمار فتكون حاضرة بين أيديهم وفي متناول أيديهم؛ لهم فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون.

قال الله: يُقال لهم-هؤلاء المتقين- (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾) قد يأكل الإنسان ويشرب في هذه الدنيا مع أن طعام الدنيا وشراب الدنيا لا وجه للشبه بينه وبين ما أعد الله تعالى في الجنة لعباده المتقين، كما قال ابن عباس –رضي الله عنهما-: ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء. فالأسماء تتشابه ولكن الحقائق مختلفة؛ الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، نسأل الله الكريم من فضله.

ومع ذلك أقول: في الدنيا قد يأكل الإنسان وقد يشرب؛ لكنه قد يكون دون أن يكون متهنئ بهذا الذي يأكله أو يشربه، ولكن طعام وشراب الجنة فكما قال الله تعالى: )كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا) لا يزعجهم شيء، لا يكربهم شيء، لا يتعبون، لا يمرضون، لا يسقمون؛ لا يعقب هذا الأكل والشراب ما يضيق عليهم أو تكون مغبته لهم خلاف ما يريدون.

 قال الله تبارك وتعالى: (بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾)؛ الباء هنا كما هو معروف على الصحيح أنها سببية، أي بسبب ما كنتم تعملون، الناس يدخلون يوم القيامة الجنة برحمة الله جل وعلا، (إنه لن يُنجي أحدًا منكم عملُه)؛ كما قال صلى الله عليه وسلم، ولكن الأعمال سبب لدخول الجنة؛ الأعمال الصالحة هي سبب لدخول هذه الجنان كما ثبت في النصوص الكثيرة. ولذلك قد جاء عن بعض السلف أن الناس يدخلون الجنة برحمة الله تعالى ثم يتقاسمون المنازل بأعمالهم، المهم أن الإنسان إذا سمع مثل هذه النصوص، وقرأ مثل هذه النصوص حين يقول الله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿٤٣﴾) فإنه ينبغي له أن يكثر من العمل الصالح؛ إذن كل عمل من العمل الصالح أستكثره، وأضيفه إلى صحائف الحسنات؛ فإن هذا مما تثقل به الموازين، ترفع به الدرجات، تمحى به السيئات، ويكون ذخرًا للإنسان؛ ولذلك إذا قرأ الإنسان حديث النبي –صلى الله عليه وسلم- حينما مرّ في السماء ومرّ على الرسل الكرام، ثم مرّ على يوسف وعلى هارون وعلى موسى وعلى إبراهيم؛ قال له أنبياء الله عليهم السلام وعلى نبينا السلام؛ قالوا: أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. إذًا هذا العمل الصالح الذي هو يسير على من يسره الله عليه أنت تبني به قصورًا، ودورًا، وتغرس لك به غرسًا في الجنة. إذًا تصوّر معي الركعتين الذي يواظب عليها المؤمن؛ ركعتي الضحى إذا واظب عليها المؤمن طوال حياته؛ الإنسان يمكن أن يصلي في يوم من الأيام ركعتين؛ يقول هذه ركعتين فقط؛ فماذا تفرق؟! لكن إذا نظر إلى سجل حسناته طوال هذه الأيام والشهور والسنين والدهور إلى أن يأتي أمر الله فإن رصيد الحسنات يتمايز؛ ولذلك انظر إذا أردت أن تعرف الفرق؛ انظر الفرق بين المصلين؛ واحد يصلي كل يوم قبل الظهر أربع ركعات؛ أم واحد يصلي قبل الظهر ركعتين؟! افرض ركعتين؛ لكنها على مدى حياة الإنسان تطلع كمّ هائل من الركعات، ولذلك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك بها درجة؛ وكم من السجدات الإنسان يمكن في اليوم الواحد يسقلّها؛ لكنها إذا أصبحت عادة واستمر عليها وواظب عليها فإنها تكون بإذن الله حسنات كثيرة.

قال الله جل وعلا: (إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴿٤٤﴾) أي مثل هذا الجزاء نحن نجزي المحسنين؛ والمحسنين لفظ عام يدخل فيها الذين أحسنوا في عبادة الله؛ والذين أحسنوا إلى عباد الله، ولا شيء أعظم من الإحسان. وأعظم رتب الدين رتبة الإحسان كما جاء في حديث جبريل عليه السلام: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه؛ فإنه يراك. أن تتعامل مع الله جل وعلا على هذه العقيدة: أن تعمل لله وكأنك ترى الله جل وعلا؛ فإن لم تبلغ هذا الأمر، وإن لم تر الله جل وعلا، فتذكر وأيقِن أن الله يراك وأنت تعمل هذا العمل. ولله المثل الأعلى الآن كثير من الناس إذا كان في مكان مراقب بالكاميرات احتجب عن كثير من التصرفات؛ ليست محرّمة ولكن لا يحب أن تُرى بالكاميرات! كثير من الناس إذا علم أن مكالمته مسجلة يمتنع عن كثير من الكلام، ولله المثل الأعلى فكيف إذا كان (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴿١٨﴾) في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. هذه هي عقيدة الإحسان أن يمتلئ قلب الإنسان من مثل هذا الإيمان الذي يتجذر في نفسه، ثم بعد ذلك الإحسان إلى عباد الله. والله لا تُستدفع الشرور ولا تستمطر رحمة الله جل وعلا بأعظم من الإحسان (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّـهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ ﴿٥٦﴾)

ثم قال تبارك وتعالى: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ ﴿٤٦﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٧﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ ﴿٤٨﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٠﴾)

رجع السياق مرة أخرى إلى الحديث عن هؤلاء المكذبين الضلال والعياذ بالله، قال الله مهددًا ومتوعدًا لهم: (كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجْرِمُونَ ﴿٤٦﴾) فهو أمر يراد به التهديد والوعيد، ابقوا على ما أنتم عليه (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ)، (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ)؛ ولكن هذا يستفيد منه المؤمن أن زهرة الحياة الدنيا كما قال الله: (كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ) لم تكن الدنيا في يوم من الأيام معيار تفضيل عند الله جل وعلا؛ لو كانت الدنيا تساوي عند الله جل وعلا جناح بعوضة – ما هي بعوضة؛ وإنما جناح بعوضة- ما سقى كافرًا منها شربة ماء؛ ولكنها أهون عند الله من ذلك؛ ولذلك يعطيها من يحب ومن لا يحب، ولكن الآخرة متمحضة للذين يحبهم جل وعلا؛ وهم عباده المؤمنون.

إذن قال الله لهؤلاء كلوا وتمتعوا قليلًا إنكم مجرمون وستنالون جزاءكم (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) الذين كذبوا بأمر الله جل وعلا ووعده. قال الله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ) هؤلاء المكذبين المجرمين إذا قيل لهم اركعوا؛ أي صلوا واخشعوا وتعبدوا لله جل وعلا؛ تنكفوا؛ ولم يستجيبوا لأمر الله جل وعلا. ولاحظ كما قلنا في سورة المدثر وفي غيرها من السور المراد هنا بالركوع ليس مجرد الركوع وإنما هو-ما هو أعمّ منه- الذي هو الصلاة وما كان نحوها. وتخصيص الصلاة بالذكر في سياق تعذيب هؤلاء المشركين؛ دلالة على أهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام، وأنه كما جاء عن جمع من السلف: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. ولذلك مهما طوّحت بنا الدنيا وذهبت بنا يمينًا ويسارًا؛ هناك قضايا رئيسة على الإنسان أن يحافظ فيها في السرّ والجهر والحضر والسفر؛ وأعظمها الصلاة؛ لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة. ولذلك ليس الإنسان المستقيم المقبل على طاعة الله؛ لا، بل حتى الإنسان الذي عنده شيء من التقصير، عنده شيء من الفجور؛ عنده شيء من معصية الله عليه ألا يخلّ بهذا الأمر. أنا رأيت مجموعة من الشباب لما تحدثت معهم وجدت أنهم لما ارتكبوا شيئًا من المعاصي، شيئًا من الذنوب؛ وربما شيئًا من الكبائر والموبقات؛ قالوا: ما الفائدة أن نصلي؟ نحن نخادع أنفسنا! أو جاءهم الشيطان فلبس عليهم في داخل نفوسهم وقلوبهم؛ أنت تغالط نفسك، أنت تخادع، أنت ترائي، أنت منافق، الآن قاعد تفعل كذا وكذا؛ بالليل كنت تصنع كذا؛ وخارج المنزل كنت تفعل كذا وكذا؛ ثم تأتي لتصلي! تقف عند المسجد لأجل تصلي! نعم أصلي؛ لأني حتى لو فعلت كذا وكذا من الكبائر أو المنكرات، تظل هذه كبائر، لكن إذا تركت الصلاة فدين الإنسان على خطر، يُخشى أن يخرج من الإسلام، لا حظّ في الإسلام لمن ترك الصلاة؛ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر. بل بالعكس مقتضى العقل أني إذا فرطت في جنب الله في شيء من الأمور أن أدع الحبل ممدودًا بيني وبين الله جل وعلا، (إن الحسنات يذهبن السيئات)؛ في يوم من الأيام إن شاء الله هذه الصلاة تنهاني عن الفحشاء والمنكر. ولو كان هناك شيء أعظم بعد التوحيد والإيمان والصدق مع الله جل وعلا من أمور العبادات والأمور العملية؛ هو أعظم من الصلاة لكان ذُكر في هذه الآيات، ولكنها من أعظم الشان.

قال الله جل وعلا في ختام هذه السورة: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ ﴿٤٩﴾ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴿٥٠﴾) يعني أيّ حديث بعد هذا القرآن وما أنزل فيه من الزواجر؛ وما أنزل فيه من الآيات والعبر، والعظات يؤمنون؟! إذا لم يؤمنوا بهذا القرآن، فبأي شيء بعده يؤمنون؟!! صدق ربنا جل وعلا وهو الحكيم الخبير، من لم يؤمن بهذا القرآن فبأي شيء يؤمن! ومن لم يهده هذا القرآن فبأي شيء يهتدي؟! إنه القرآن العظيم الذي لو نزل على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:ما طرق تعبير السلف عن التفسير؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الموضوع وهو طرق السلف عن التعبير عن التفسير يعتبر من الموضوعات الدقيقة جدًا ويمكن أن يطلق عليها بأنها فقه تفسير السلف؛ يعني أن نفقه فقههم في التعبير عن التفسير؛ بمعنى أنهم لماذا عبروا بهذه التعبيرات التي سيأتي إن شاء الله ذكرٌ لأغلبها بإذن الله تعالى.

نحن لو رجعنا إلى الأصل فسنجد أن عندنا كلمة مفسَّرَة، وكلمة مفسِّرة، فالأصل أن يتطابق المفسِّر مع المفسَّر؛ وهو قريب من فكرة الترادف التي تكلم عنها علماء اللغة. فإذا قلنا مثلًا في قول الله سبحانه وتعالى: (وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) لو سئلنا عن معنى (باسقات) فإنا سنقول باسقات أي طويلات أو مرتفعات؛ فهذا في حقيقته تقريب للمعنى بأقرب ما يكون للفظة باسقة. والباسقة أي المرتفعة التي أخذت بالطول في السماء، فهذا هو الأصل. لكن نجد أن السلف من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين أحيانًا يتركون هذا الأصل إلى قضايا أخرى لعِلل تدعوهم إلى ذلك كما هي عبارة الطبري؛ يقول الطبري في بيان هذا الأسلوب العام للسلف: والخاسرون: جمع خاسر؛ والخاسرون: الناقصون حظوظهم بمعصيتهم الله من رحمته، وقد قيل أن معنى (أُولَـٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ): أولئك هم الهالكون. فنحن نلاحظ الآن أنه بيّن معنى الخاسرين بأنهم الناقصين أنفسهم حظوظها؛ فهذا هو المعنى اللغوي لمعنى الخسران، ثمّ أورد معنىً آخر عن بعضهم أنه قال: الخاسرون الهالكون؛ يقول في تعليقه على تعبيره عن الخاسرين بأنهم الهالكون: وقد يجوز أن يكون قائل ذلك أراد ما قلنا من هلاك الذي وصف الله صفته بالصفة التي وصفه بها في هذه الآية؛ بحرمان الله إياه ما حرمه من رحمته بمعصيته إياه وكفره به، فحمل تأويل الكلام على معناه، دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها؛ فإن أهل التأويل ربما فعلوا ذلك لعلل تدعوهم إليه.

فإذن نلاحظ أن الطبري علق على هذا أن تفسير الخاسرون بـ(الهالكون)؛ ليس تفسيرًا للفظة بمطابقها أو بما يقرب من معناها؛ وإنما هو تعبير عن معناها العام؛ فأورد هذا الكلام المهم النفيس أنه حمل الكلام على معناه دون البيان عن تأويل عين الكلمة بعينها؛ لم يأتِ بالمطابقِ لها.

ثم قال: (فإن أهل التأويل –أي المفسرين- ربما فعلوا ذلك لعلل تدعوهم إليه). فإذًا نحن بحاجة لمعرفة هذه العلل التي تدعو المفسرين لترك التفسير المطابق إلى الأنواع التي سأذكرها. من هذه الأنواع؛ التمثيل للمعنى العام؛ ومنها أيضًا العدول إلى ذكر أحداث أو أشخاص على جهة التنزيل بمعنى ننزلها على أشخاص أو أحداث. ومنها التعبير بلازم المعنى؛ ومنها التفسير بجزء المعنى؛ ومنها التفسير السياقي.

وهذا الأنواع التي ذكرتها الخلاف فيها يرجع إلى معنى واحد؛ فإذا هي كلها في الحقيقة تدخل في اختلاف التنوع؛ لكن المفسر يريد أن يبيّن معنى خاصًا فيقع الاختلاف بينهم في العبارات. ويمكن أن نمثّل لهذه الأنواع التي ذكرتها؛

أول نوع وهو التعبير بالمثال: معنى ذلك أنه يكون عندنا لفظ فيه معنى العموم فيأتي المفسِّر ويذكر مثالًا من أمثلة ذلك العام؛ وذكره لهذا المثال ليس على سبيل التخصيص؛ وإنما على سبيل التمثيل. مثال ذلك قوله سبحانه وتعالى: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّـهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال ابن عطية: قال السدّي: (الضرّ ههنا المرض؛ والخير: العافية) قال أبو محمد :"وهذا مثال" ومعنى الآية الإخبار عن الأشياء كلها بيد الله؛ إن ضرَّ فلا كاشف لضره غيره؛ وإن أصاب بخير فكذلك أيضًا لا رادّ له؛ ولا مانع منه.

إذن نلاحظ الآن أن السدّي يقول: (الضرّ ههنا) فقد يُفهم من ذلك أنه يريد التخصيص، ولكن القاضي أبا محمد بن عطية ينبه على أنه ليس مراد السُدّي التخصيص؛ إنما أراد التمثيل؛ لماذا؟ لأن لفظ الضرّ أوسع من لفظ المرض، ولفظ الخير أوسع من لفظ العافية؛ فإذن صار هذا من باب التعبير عن اللفظ العام بمثال له.

النوع الثاني: التعبير بالنزول، والنزول قسمان:

الأول: أن تكون العبارة صريحة في السببية؛ ومثله ما رواه مسلم بسنده عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) ورهطك منهم المخلَصين؛ خرج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حتى صعد الصفا فهتف فقال: واصباحاه؛ فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد قال: فاجتمعوا إليه فقال: (يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب) فاجتمعوا إليه فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقيّ) قالوا: ما جربنا عليك كذبًا؛ قال: (فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) قال فقال أبو لهب: تبًا لك أما جمعتنا إلا لهذا؟! ثم قام فنزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ). طبعًا هذا الآن صريح في السببية؛ لو سئلنا ما هو سبب نزول سورة (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ)؟ فواضح أن سبب نزولها هو هذه الحادثة التي ذكرها ابن عباس.

لكن هذا ليس هو مرادنا الآن من موضوع التعبير بالمزول وإنما النوع الثاني: وهو حينما تكون العبارة غير صريحة في السببية؛ وهذه ممكن نقول عنها تنزيل؛ بمعنى تنزيل الآية على شخص أو على حدث. وكذلك مثله ما رواه الإمام مسلم بسنده عن عروة بن الزبير أن عبد الله بن الزبير حدثه أن رجلًا من الأنصار خاصم الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج الحرّة التي يسقون بها النخل؛ فقال الأنصاري: سرّح الماء يمرّ؛ فأبى عليهم؛ فاختصموا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: (اسقِ يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) فغضب الأنصاري فقال: يا رسول الله إن كان إلا ابن عمتك، فتلوَّن وجه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (يا زبير اسقِ ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجذور) فقال الزبير: والله إنى لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ). فإذًا الزبير يذكر أن هذه الحادثة ويجعلها من معاني قول الله سبحانه وتعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) فإذًا فهذه الآية تنطبق على هذه الحادثة التي صارت بين الزبير وذلك الأنصاري الذي لم يرضَ بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم أول الأمر، فإذن هذا يعتبر تنزيلًا. وعلى العموم فالقسم الأول من أسباب النزول؛ والقسم الثاني كلها يمكن أن يشملها عبارة العلماء المشهورة (العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) بمعنى أننا يمكن أن ننزل القسم الأول من أسباب النزول، والقسم الثاني وهو التنزيل في أنها أمثلة للمعاني العامة المذكورة في الآية؛ خصوصًا مثل الآية التي ذكرها الزبير؛ وطبقها على الحادثة التي وقعت له.

 

ولعلنا نقف عند هذا، ونكمل إن شاء الله الأنواع الأخرى في لقاء لاحق بإذن الله تعالى.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل