برنامج تبيان - سورة المرسلات - 2

برنامج تبيان

سورة المرسلات -2

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في هذه الصفحة سنكمل بمشيئة الله ما بدأناه في الحلقة الماضية من تفسير سورة المرسلات وقد وقفنا عند قول الله جلّ وعلا: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19)).

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول ربنا جلّ وعلا: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17))، هذه الصيغة تسمى في اللغة العربية كما هو معروف: استفهام؛ (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)). والإستفهام في لغة العرب التي جاء بها القرآن وجرت أساليب القرآن على مجاري كلام العرب، الإستفهام يؤتى به في الأصل لغاية رئيسة هي الإستعلام، هل جاء زيد؟ هل ذهب عمرو؟. ولكن له معانٍ أخرى ثانوية؛ فقد يؤتى به للتقرير أو للإنكار أو للتهكم أو للتهديد ونحو ذلك. ومن ذلك هذه الآية، يقول ربنا جلّ وعلا (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16))؛ أي بلى، أهلكنا الأولين، فالإستفهام هنا للتقرير. ودائمًا الجملة إذا أُتي بها على صيغة الإستفهام يكون أقوى في المراد منها.

يقول جلّ وعلا: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)) أي الأمم السابقة كقوم نوح وعاد وثمود. (ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17)) الذين كذّبوا مثلهم. قال ربنا جلّ وعلا: (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18))، أيها القوم الذين كذّبتم محمدًا صلى الله عليه وسلم فإنه سينالكم من الجزاء مثل ما نال الذين من قبلكم، ومن يأتي بعدكم أيضًا ويتصف بهذا الوصف فإن الجزاء هو واحد لكل من كذّب. وتعليق الحكم بالوصف في قوله جلّ وعلا: (كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18)) والمكذبين، معناه أن كل من كان هذا وصفه فهو مستحقٌّ لهذا العذاب والنكال والعياذ بالله.

ثم قال جلّ وعلا: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19))أي هلاكٌ ودمارٌ وعذابٌ ونكالٌ شديدٌ لهؤلاء المكذبين في ذلك اليوم.

المقدم: ثم قال تبارك وتعالى: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24))، نلحظ تكرار لقوله جلّ وعلا: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24)) فما المقصود من هذا التكرار؟

د. محمد السريع:نعم. هذه السورة الكريمة سورة المرسلات تكرر فيها قول الله جلّ وعلا: ((وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24)) في عشر آيات. والتكرار هو من الأساليب التي جاء بها القرآن الكريم وهو من أساليب العرب. ولكن التكرار في القرآن لا يعرو عن فائدة، لا يخلو من فائدة لأنه إذا تكرر الكلام دون فائدة كان لغواً، وكلام الله جلّ وعلا منزّه عن ذلك، سواءٌ كان في ذلك التكرار اللفظي أو التكرار المعنوي. التكرار اللفظي أن تتكرر الكلمة أو تتكرر الجملة بذاتها سواءٌ في سورة واحدة كما في هذه السورة أو في سورة الرحمن (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴿١٣﴾، أو كان في أكثر من سورة، مثلًا يقول الله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٤٨﴾) وهذا تكرر في أكثر من سورة. أو كان التكرار تكرار معنوي، أي تكرار للمعنى دون الألفاظ، كتكرار قصة موسى وقصة نوح عليه السلام أو غير ذلك. كل هذه الأمور إذا تكررت فإنما هي لفائدة،

أول هذه الفوائد: تأكيد المعنى الذي يُساق من أجله هذه الجملة أو هذه القصة. ثم بعد ذلك أيضًا كل موضع من مواضع التكرار له فائدة غير الفائدة الأخرى؛ يعني مثلا: في قصة موسى عليه السلام؛ كما قرر أهل العلم، أن كل موضع من المواضع التي عرضت فيها هذا القصة فإنه يعرض جانباً من جوانب العبرة والعظة في قصة موسى وفرعون. فأحياناً يُبرز جانب التوحيد عند موسى عليه السلام ومن اتّبعه، وأحياناً يظهر جانب طغيان المكذبين، فرعون ومن معه، وأحيانًا المؤمنين، قصة السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام. المهم أنه في كل موضع من المواضع يكون هناك فائدة زائدة على المواضع الأخرى التي وردت فيها هذه القصة.

في قول الله جلّ وعلا: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24))، أيضًا كل موضع من المواضع زيادة على ما في التكرار من التأكيد وما فيه من زجر النفوس الذي يجده تالي هذه السورة في ختام كل مقطع، فإنه أيضًا كل مقطع هذا الوعيد متعلقٌ بمن كذّب بهذه الآيات التي ذكرها الله جلّ وعلا في هذا المقطع. فمثلًا في الآيات السابقة يقول الله تعالى: (أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19)). في الجزء الآخر، المقطع الآخر من الآيات يقول ربنا جلّ وعلا: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23)) من كذّب بهذه الآيات وبالخلق فويلٌ له (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (24)). إذن المعنى عام ويُضاف إلى ذلك معنىً خاصًا يتعلق بكل مقطع وكل قصة. في هذه الآيات يقول ربنا جلّ وعلا: (أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20)، وكما قلنا فيما يتعلق بالإستفهام هذا استفهام عن أمرٍ لا يمكن ينكرونه، لا أحد ينكر أن الله هو الخالق، الرازق حتى مشركي مكة كانوا يقرّون بذلك، ولكنهم كانوا يُشركون مع الله آلهة أخرى. فيجيء الإستفهام الذي على صيغة التقرير ليكون أبلغ في تقرير هذه الحقيقة. 

(أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20) الذي هو النطفة، (فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (21)) محفوظ، الذي هو رحم المرأة وهو محفوظ بحفظٍ من وراء حفظ كما قدّر الله جلّ وعلا (إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ (22)) إلى أجل محدد معلوم عند الله جلّ وعلا. فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23)).

ثم قال تبارك وتعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ﴿٢٥﴾ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴿٢٦﴾ وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُم مَّاءً فُرَاتًا ﴿٢٧﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴿٢٨﴾).

هذا مظهر آخر من مظاهر عظمة الله جلّ وعلا وبالمناسبة، إن هذه الأششياء التي تُذكر في هذه السورة وفي غيرها فيما يتعلق بالخلق، خلق الإنسان وأطوار خلقه، فيما يتعلق بخلق الجبال، الأرض، السماء، البحار؛ كل هذه الأشياء لا يُنكر المشركون أن الله تبارك وتعالى هو خالقها. ولكن سيقت في القرآن ليُستدل بها على ما ينكرونه، الذي هو إفراد الله جلّ وعلا بالعبادة. ولذلك مظاهر الربوبية التي يكثُر ذكرها في القرآن هي لأهداف عدة أعظمها أن يستدل بما يثبتونه على ما ينكرونه؛ يُستدل بتوحيد الربوبية التي يقرّون به على توحيد الألوهية الذي يجحدونه. زيادة على ما في لفت الأنظار لهذه المخلوقات العظيمة أو لهذه الأطوار التي يخلق الله تبارك وتعالى عليها الخلق أو نحو ذلك، ما فيها من زيادة الإيمان وتثبيته وتعميق الصلة بالباري جلّ وعلا.

يقول الله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا ﴿٢٥﴾) أي يسّر الله تبارك وتعالى وذلل هذه الأرض فهي تضم على ظهرها الأحياء وفي بطنها الأموات من ملايين بل مليارات الخلق الذين لا يحصيهم إلا الذي خلقهم جلّ وعلا. ولذلك قال سبحانه: (أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ﴿٢٦﴾) وجعلنا فيها من الجبال الرواسي الشامخات المرتفعة في السماء (وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ﴿٢٧﴾) أي ماءاً عذباً نمراً. كل هذه الأشياء كما قلنا لا ينكر أحد من المشركين إلا الدهرية الملاحدة، ومع ذلك هؤلاء يعني جحدوا بها واستقينتها أنفسهم. ما عدا ذلك، فإن الخلق كلهم يعترفون أن الله تبارك وتعالى هو الذي قدّر وخلق، ولذلك قال الله عنهم في غير ما موضع (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّـهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿٢٥﴾).

ثم قال تبارك وتعالى: (انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ ﴿٢٩﴾ انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ ﴿٣٠﴾ لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ﴿٣١﴾ إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ ﴿٣٢﴾ كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ ﴿٣٣﴾ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٤﴾)

يقول ربنا جلّ وعلا مخبراً عن مشهد من مشاهد القيامة حين يُحشر الناس إلى ربهم، في هذا اليوم شديد الهول يُقال لهؤلاء الكفار انطلقوا إلى ما كنتم تكذبون به وهو جهنم والعياذ بالله! (انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) هذه النار التي تكذبون بها لها دخان يرتفع إلى الأعلى ويتفرع منه ثلاث قطع، ولكن هذا الدخان وهذه النار لا تُظل أحدًا ولا تغني من الحرّ نعوذ بالله من حالها وحال أهلها!. (لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّـهَبِ)، ومع ذلك فهذه النار ترمي بشرر عظيم شديد مهول، هذا الشرر كالقصر والعياذ بالله! كالبناء العظيم المرتفع الكبير. (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) كأن هذه الشرر المتطايرة كأنها الإبل السود التي تميل وتضرب إلى شيء من الصُفرة. (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ) في هذا اليوم شديد الهول، ويلٌ لمن كان مكذّبًا وأعرض عما جاءت بها الرسل. في هَـٰذَا اليوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم أيضا فيعتذرون عما أسلفوا (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ ﴿٣٥﴾ وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ﴿٣٦﴾) وهذه حال من أحوال القيامة، وأحوال القيامة وعرصاتها تختلف وإلا فإن الله تبارك وتعالى أخبر عن المشركين وعن الكفار أنهم يتكلمون يوم القيامة، فمثلا يقولون (وَاللَّـهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) ونحو ذلك. ولذلك جمع أهل العلم بين هذه الآيات أن هذه أحوال، فأحوالٌ لا يؤذن لهم فينطقون ولا يعتذرون، وأحوالٌ يُؤذن لهم فينطقون ثم يُجاب ويُرد عليهم والعياذ بالله من حالهم!.

(وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿٣٧﴾ هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ ﴿٣٨﴾) هذا اليوم الذي يفصل الله تبارك وتعالى فيه بين الخلائق فيُجازي كلا بعمله فإن كان لكم أيها الكفار المشركون كيد تستطيعون أن تمكروا به وتخرجوا مما أنتم فيه فكيدون (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ). إذا كان ذلك كذلك أيها الأخوة، أيتها الأخوات، يا من يؤمن بكلام ربه جلّ وعلا ويعتقد أن هذا القرآن حقٌ من عندالله وأن ما كان فيه فهو كائنٌ لا محالة فليُعد لهذا اليوم ما يكون به سعادته ونجاته.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيارعضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:الرسائل الجامعية التي تجمع مرويات السلف والرسائل المحقِّقة في كتب التفسير، نلحظ أنها تحقق أسانيد التفسير كتحقيق أحاديث الحلال والحرام فهل هذا الموقف صحيحٌ أم لا؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. في اللقاء السابق بيّنت المنهج الذي يمكن أن يُقال عنه أنه منهج المحدّثين، وذكرت أمثلة تطبيقية من خلال تفسير ابن جرير أو تفسير ابن أبي حاتم أو تفسير ابن كثير، وذكرت أيضًا بعض أقوال المحققين من علماء الحديث. وما ذكرته هو في أقوالهم أو كذلك في تطبيق منهجهم هو غيضٌ من فيض كما يقال. المعاصرون حفظهم الله انتهجوا منهجية جديدة ليست موجودة عند عالم من العلماء السابقين، فلا أعرف عالماً من السابقين وقف عند مرويات التفسير وينقدها روايةً رواية أو يحققها روايةً رواية كما هو الحال عند المعاصرين. وبعض المعاصرين ذهب إلى ضرورة نقد مرويات التفسير بنفس طريقة نقد أسانيد الحلال والحرام. ومن هؤلاء: الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، فقد ذكر في جواب له إلى أبي إسحاق الحويني وذكره الشيخ أبو إسحاق حفظه الله في مقدمة تحقيقه لتفسير ابن كثير، ذكر أنه أرسل للشيخ الألباني ورّد عليه بهذا الرد:

قال الشيخ الألباني: والآخر يرى معك ضرورة إخضاع ذلك لقواعد المحدثين. ثم قال: لا أرى البتة عدم تطبيق قواعد علم الحديث على الآثار السلفية، كيف وهي في المرتبة الثانية بعد السنة المحمدية في تفسير الآيات الكريمة، فينبغي أن تُساق مساقها في تحقيق الكلام على أسانيدها وهو الذي جرى عليه العلماء المحققون. طبعًا هذا كلام الشيخ الألباني لكن كلامه فيه نظر لأن العلماء المحققون كتبهم موجودة ولم يفعلوا هذا الذي ذكره رحمه الله، طبعًا مع جلالته ومعرفته بالكتب إلا أن هذا في الحقيقة يُعتبر من الغرابة بما كان أن يقوله. قال بعد ذلك: وختامًا فإني أرى أنه لابد من إخضاع أسانيد التفسير كلها -ولم يستثني- للنقد العلمي الحديث وبذلك نتخلص من كثير من الآثار الواهية التي لا تزال في بطون كتب التفسير وما كان سكوت العلماء عنها إلا لكثرتها وصعوبة التفرغ لها. وعليه أقترح حصر النقد بما لا بد منه من الآثار المتعلقة بالتفسير بما يعين على الفهم الصحيح أو يصرف غيره تصحيحاً وتضعيفاً والإعراض عن نقد ما لا حاجة لنا به من الآثار كما تقدم عن ابن تيمية فإنه لا حاجة لنا فيه والله أعلم. يعني كأنه يريد أن يقول إن لكثرتها فيها صعوبة جدًا ولذلك العلماء السابقون تركوها لأجل هذا وبناءاً على هذا ننتقد ما نحتاج إلى نقده وندع بعض الآثار التي يُبنى عليها كما يقول يعني أمر أو عمل. ومع هذا الكلام في الحقيقة مع جلالة قائله منتقد عليه وعلماؤنا السابقون تفرغوا إلى ما هو أقل من ذلك فكانوا لا يتفرغون إلى مثل هذا؟! لو كان هذا هو المنهج الصحيح ما تركوه. ولا يمكن أن يطبق علماؤنا جيلاً بعد جيل قرونًا متطاولة على عدم تحرير أسانيد التفسير ونقدها بهذه الطريقة التي سلكها المعاصرون، لا يمكن أن يطبقوا على ترك هذا ثم نقول إن هذا هو المنهج الصحيح، هذا بلا ريب أنه مخالف للمنطق العلمي وكأن فيه نوع من نسبة التجهيل لهذه الطبقات المتقدمة وتقصيرهم في هذا المقام. وهذا عندي لا يجوز.

طبعًا كما قلت أن هذا الإختيار ذكره الشيخ الألباني رحمه الله تعالى فيه نظر، وأن منهج المحدّثين من خلال التطبيقات والأقوال التي سبق أن ذكرتها لا تخرج عن حالتين:

·         الحالة الأولى: أن يكتبوا في الجرح والتعديل كتاباً. في هذه الحالة نجد أنهم يذكرون أحوال الرواة بالتفصيل ويذكرون حال أيضًا الطرق التي رويت بها التفاسير بالتفصيل، كما في كتاب الإشهاد للخليلي وهو من أوسع كتب الرجال التي نقدت أسانيد التفسير، لكن نحن الآن في مقام كتاب في الجرح والتعديل، فنجد أنهم في كتب الجرح والتعديل يشيرون إلى نقد الرواة وإلى نقد الطرق، يقع منهم ذلك.

·         الحالة الثانية: أن يكتبوا في التفسير، فكيف كان منهجهم؟ هل اعتمدوا هذه الروايات وفسّروا بها أو لا؟ الحال شاهد بأنهم اعتمدوا هذه الروايات وفسروا بها، مما يدل على أنها من حيث الجملة مقبولة عندهم لأنها إما أن تكون صحف تفسيرية وإما أن يكون الضعف الذي فيها منجبرًا بغيره وإما لغيره من العلل. لكن النتيجة الكلية أن نقول أن المتقدمين من علمائنا المحدّثين المحققين المحررين قد اعتمدوا هذه الأسانيد من حيث الجملة وفسروا بها ولم يقفوا عندها إلا في بعض أمثلة يمكن أن يقف عندها المفسر ويقول هذا الحديث أو هذا الأثر فيه نظر وإسناده متكلم فيه، يريد أن يشير إلى أو يطعن في المعنى ويتجه إلى الإسناد. لكن ما رأينا واحدًا منهم في مقدمة تفسيرة ينتقد الأسانيد ثم لا يرد إلا ما يقال أنه هو الصحيح أبداً، وما رأينا واحداً منهم يتتبع كل هذه الأسانيد سنداً سنداً في كتب التفسير، لم يقع هذا أبداً. فهل غفلوا كلهم عن هذا؟ الجواب: لا، لم يغفلوا عنه وهم يعلمون حال هذه الروايات ولكنهم في الحقيقة يرون أن هذه الروايات بجملتها مقبولة وليس فيها أي مشكلة من الجهة العلمية وهم عارفون تماماً بما وقع فيها من مشكلات. وقد سبق أن ذكرت مثالًا لذلك في تفريقهم بين المسند وغير المسند من روايات الضحاك عند ابن كثير وأنه روى كثيراً من مما رواه الضحاك عن ابن عباس على جهة القبول ولم يقف عنده إلا في بعض مواطن سبق الإشارة إليها في اللقاء السابق. فإذن لا يمكن أن نقول عبارة تطبق عليها قواعد علم الحديث أو يطبق عليها منهج المحدثين، هذا فيه خلل لأن منهج المحدثين أن يتساهلوا في الرواية وأن يقبلوا هذه الروايات من حيث الجملة. وليس منهج المحققين من المحدثين السابقين أن يقفوا عند الروايات وينتقدوها سنداً سندًا كما هو الحال عند المعاصرين.

وأيضًا فلو رجعنا إلى خلاصة هذا الأمر يمكن أن نقول: أن الأصل عند المتقدمين نقد أحاديث الحلال والحرام، يقفون عند أسانيد الحلال والحرام لأنه يبنى عليها عمل، فلأنه يبنى عليه عمل وتُنسب إلى المشرّع صلى الله عليه وسلم فإنهم يقفون عندها وينتقدونها ويتحرّون في الإسناد.

القضية الثانية:أن طرق التفسير التي اشتهرت بالضعف مثل طريق العوفيين عن ابن عباس يمكن الاستفادة منها والإعتماد عليها أيضاً ما دامت لم تذكر قولاً منكراً ولا هي أيضاً في أحاديث الحلال والحرام وعلى هذا جرى عمل المفسرين من المحققين الذين لهم علاقة وبصر بالحديث، كما قلت وسب أن ذكرت مثل ابن المنذر، ابن أبي حاتم، الطبري، سعد بن منصور، عبد بن حميد والبخاري أيضاً لأن له معلقات بهذا المقام، كثير من المحدثين المحققين ومن المتآخرين مثل ابن كثير رحمه الله تعالى فقد نقد كثيراً وصاحب نقد لكنه في المرويات قلّما يقف وينتقدها، مما يدل على أن العمل جرى على قبول هذه الروايات مع معرفة أنها كان فيها ضعف وكما قلت إن بعضها قد يكون رواية كتاب فيستهان فيه.

القضية الثالثة: أن توارد هذه الطرق على معنى أو معانٍ متعددة معروفة تلقاها العلماء بالقبول يجعل مثل هذه الروايات مقبولة بالجملة، وهذا أشار إليه البيهقي إشارة سريعة كما سبق في اللقاء السابق أنه يمكن أن تُعرف صحتها من جهة أخرى وهي من جهة اللغة مثلاً. فكون هذه الرواية مثلًا عن ابن عباس يعني طريقها ضعيف ثم يرويها السدّي مثلاً عن ابن عباس ثم يرويها بعده فلان ثم يرويها بعده فلان، الطبري يرويها، يحيى بن سلام يوريها ولا يتكلمون عنها، ابن أبي حاتم يرويها ولا يعترضون عليها وياتي الجيل الذي بعدهم يرويها والجيل الذي بعدهم يرويها فتتابع العلماء على رواية هذا يجعلها في محل القبول، هذا هو الأصل يعني يجعلها في محل القبول.

القضية الرابعة: إن بعض الطرق التي حُكم عليها بالكذب مثل طريق السُدّي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن العباس، هذه إذا نظرنا إلى كلام العلماء فيها باتفاق أن هذه الطريق مكذوبة يعني عن ابن عباس، بإتفاق، ومع ذلك نجدها في كتب التفسير. ونجدها على حالين:

·         أحيانا قد يبين حالها وأحياناً لا يبين.

·         لكن الذي يجب أن نتنبه له القارئ للتفسير أنه لا يمكن أن يجد معنى من المعاني اعتُمد فيه على رواية السديّ الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، بمعنى انه لم يعتمد عليها بمفردها وإنما تُذكر أحياناً مع روايات صحيحة موثوقة وكأن الذي يذكرها يقول أنه حتى في هذا الرواية المكذوبة المعنى هو المعنى الذي ذُكر في هذه الروايات الموثوقة. فإذن فهذه هي القاعدة العامة يمكن أن نختصرها ونقول: إن المتقدمين من المحررين من علماء الحديث سواءً في القرون الأولى أو بعض المتآخرين كانوا على قبول هذه الروايات بالجملة ولم يتوقفوا فيها مع أنهم كانوا يعرفون أن فيها ضعفاً وقد فسروا القرآن بها وقبلوها وتتابع العمل عليها جيلاً بعد جيل، لم يتوقفوا فيها. أن الروايات المكذوبة لم يقع تفردٌ في المعاني فيها يعتمدها هؤلاء، فنقول والله اعتمدوا على رواية مكذوبة مثل رواية السُدّي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.

·         القضية الثالثة: أنه لو وقع إشكال او نكارة في معنى من المعاني فإن المفسر أو بعض المفسرين المحررين في علم الحديث قد يقفون عند هذه الرواية، ينبهون على إشكاليتها وأن في إسنادها إشكالاً بدون أن يطعنوا في المعنى الذي ورد فيها بسب هذا الإسناد وقد يكون بسبب ضعف الإسناد ورد هذا المعنى، مع أنه قد يكون واردًا فيها معانٍ أخرى صحيحة في غير هذا المقام فيعتمدونه.

·         هذا والقضية الأخيرة أنهم فرّقوا بالنص بين أحاديث الحلال والحرام وأحاديث التفسير كما ذكرت بعض النصوص في اللقاء السابق عن يحيي بن قطان وكذلك عن البيهقي في مقدمة كتاب دلائل النبوة.

 

هذا باختصار منهج المحررين المحدثين. فإذاً لا يصح ما يذكره المعاصرون أو بعض المعاصرين من أنه يجب ان يطبق عليه منهج المحدثين ثم ننتقد أسانيد التفسير، هذا خلل في فهم منهج المحدثين، أن منهج المحدثين الصحيح هو عدم التحريّ في أسانيد التفسير إلا إذا كان كما قلت فيه إشكالية معينة في رواية أو في مثال واحد، أما بهذا الإطباق بهذه الطريقة لم يكن من أعمال المتقدمين. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون ما قلته صواباً وأسأل الله أن يوفقنا وإياكم لما يحبه ويرضاه.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل