برنامج تبيان - سورة التكوير - 2

برنامج تبيان

سورة التكوير -2

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة التكوير – 2

المقدم: وقف بنا الكلام في الحلقة الماضية عند تفسير سورة التكوير الآية الخامسة عشرة عند قوله جل وعلا: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿١٧﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾﴾.

د. محمد السريّع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. كان الحديث أول السورة عن إثبات البعث وما يكون فيه من الأهوال والمتغيرات التي تجري على الكون. ثم انتقل السياق بعد ذلك إلى إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به وأنه من عند الله جل وعلا، ولا شك أن بين ثبوت صدق النبي صلى الله عليه وسلم وثبوت البعث بعد الموت ارتباط وثيق فمن آمن بواحد منهما أوشك أن يؤمن بالآخر، ومن كفر بأحد هذين الأمرين فهو كافر بالآخر. يقول الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾﴾ هذا الأسلوب مرّ معنا وهو وارد في القرآن في أكثر من موضع مثلاً في أول سورة القيامة: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿١﴾ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴿٢﴾﴾ وأيضاً في سورة الحاقة، وجاء مثل هذا التعبير أيضاً في سورة البلد، وجاء في سورة الواقعة وقد ذكرنا قبل أن المفسرين اختلفوا في هذا التعبير في هذه الصيغة للقسم وأن الأقرب -والله أعلم- أن (لا) لتأكيد القسم فهو قَسَم ثابت و(لا) مزيدة لتأكيد القسم، وهناك قولان لأهل العلم:

·         القول الأول: أن (لا) تنفي أمراً محذوفاً، ثم الجملة مستأنفة (أُقسم بالخنس).

·         والقول الثاني: أنه ليس ثمة قَسَم وأن (لا) تنفي القسم، والمعنى أن الأمر من الظهور بحيث لا أحتاج أن أقسم عليه.

يقول الله جل وعلا: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾﴾ من مسائل القسم التي مرت معنا أيضاً أن القسم في كتاب الله جل وعلا يأتي لمعان وفوائد كثيرة ولكن من أبرزها فائدتان:

·         الفائدة الأولى: إثبات المُقسم عليه، وهو ما يسمى بجواب القسم.

·         والفائدة الثانية: الإرشاد والدلالة ولفت النظر إلى المُقسم به لأن الله جل وعلا إذا أقسم بشيء فإنما يدل على عظمة هذا المُقسم به.

يقول الله جل وعلا: ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾الْجَوَارِ الْكُنَّسِ ﴿١٦﴾﴾ الخُنَّس هي التي تَخْنُس. وقد اختلف المفسرون في المراد بالخنس الجوار الكنّس

·         وكثير منهم على أن المراد بها النجوم التي تخنس وتختفي في النهار، وتكنس وتظهر بالليل، وهي جوارٍ أي تجري تسير.

·         وقال بعض المفسرين أن المراد بها بقر الوحش أو الظباء التي تخنس عن الناس وتأوي إلى أماكنها، وهي أيضاً جوارٍ أي أنها تجري وتتحرك وتسير هنا وهناك.

·         وبعض المفسرين يقول أنه لا مانع أن يكون المراد بتفسير هذه الآية النجوم والظباء أو بقر الوحش لأنها كلها خنّس وكلها جوارٍ كنّس ويكون هذا من اللفظ العام الذي يصدق على كثير ممن تنطبق أوصافه عليه.

ثم قال الله جل وعلا بعد ذلك في مُقسم به آخر: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿١٧﴾﴾ قسمٌ بالليل إذا عسعس. قال بعض المفسرين: ﴿عَسْعَسَ﴾ أي أقبل، وقال آخرون بل المعنى إذا أدبر، وهنا ابن جرير عليه رحمة الله اختار أن المعنى إذا عسعس أي إذا أدبر، وقَوّى قوله بقوله جل وعلا: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾﴾ كأنه الليل وجاء الصبح فهي تدل على أمرين متلازمين أو متقاربين ليل يُدبر وصبح يظهر ويتنفس.

ابن كثير عليه رحمة الله يرى أن الأقرب أن المعنى إذا أقبل ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ﴿١٧﴾﴾ أي أقبل. وبالمناسبة (عسعس) هو من اللفظ المشترك الذي يأتي في اللغة بمعنى أدبر ويأتي في اللغة بمعنى أقبل، فبعض المفسرين ومنهم كما قلنا ابن جرير عليه رحمة الله يرجّحون أن المعنى إذا أدبر وتولى وانقضى ورجّحوه بقوله جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾﴾. ابن كثير عليه رحمة الله يقول: وإن كان يصح استعمال عسعس في الإدبار لكن هاهنا الأنسب أن يكون المراد به الإقبال. ما دليلك يا ابن كثير على ما ذكرت؟ قال: إذا قلنا أنه أقبل فكأن الله تبارك وتعالى أقسم بالليل وإقباله وأقسم بالنهار وإقباله، قال: وهذا مستعمل في القرآن في كثير من المواضع منها قول الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ ﴿١﴾ وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿وَالضُّحَىٰ ﴿١﴾ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ وغير ذلك من الآيات التي يذكر فيها الليل ويذكر فيها النهار.

وإنما سقت هذا الكلام لبيان المُرجّحات التي يستخدمها المفسرون أحياناً في الترجيح بين الأقوال، فابن جرير عليه رحمة الله رجّحه بدلالة السياق، وابن كثير عليه رحمة الله رجّحه بعادات القرآن حين يُقسم ربنا جل وعلا بالليل ويقسم بالنهار، والأقرب والله أعلم أن القسم في هذه الآية هو قسم بالليل حال إقباله وحال إدباره، لأنه كما مضى (عسعس) لفظ مشترك يُطلق في اللغة على الإقبال وعلى الإدبار وجاء مرسلاً في الآية فنطلقه على هذا وعلى ذاك، وإقبال الليل وإدباره مشهد عظيم من مشاهد ربوبية ربنا جل وعلا، وهو ما مال إليه جمع من أهل العلم أن هذه الآية قسم بالليل وإقباله وإدباره في آنٍ واحد.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ ﴿١٨﴾﴾ ولاحظ معي هذا التعبير الكريم ومن تأمل بزوغ الفجر وانطلاق الصبح وانفجار الضوء يجد أنه تشبيه رائع وعظيم ودقيق في قوله جل وعلا: ﴿ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ وكأنه يتنفس ينطلق الهواء من الرئة وهكذا ينفجر الصبح، تتحرك الأحياء وتدبّ الحياة في مفاصل هذه البسيطة وينطلق الناس فعلاً ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ شيئاً فشيئاً وأيضاً مع انطلاق الصباح هناك متغيرات تحصل في الكون حتى الهواء الذي يكون مع لحظات الصباح الأولى هو هواء نقي، هواء يملأ أنفاس الإنسان، يستفيد منه وهذا يشاهده كل من له حظّ وملازمة على صلاة الفجر.

قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾﴾ هذا قسم من ربنا جل وعلا بالخنس، الجوار الكنس، والليل والصبح، ثم جواب القسم ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي هذا القرآن الذي جاءكم قد نقله إليكم رسول كريم، والمراد بالرسول هاهنا هو جبريل عليه السلام بدلالة الأوصاف التي ذُكرت بعد ذلك في سياق هذه الآية. الرسول الذي ذكر في سورة الحاقة ﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٨﴾ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ ﴿٣٩﴾ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، والرسول في سورة التكوير هو جبريل عليه السلام ويدلّ لذلك في كل موطن من الموطنين سياق الآيات، وجبريل عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم كلاهما رسول، فجبريل عليه السلام مرسل من ربه جل وعلا ليُبلّغ الوحي إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ومحمد صلى الله عليه وسلم مرسل من ربه ليُبلّغ رسالة الله إلى الثقلين الجن والإنس جميعاً.

﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾﴾ وهذا ثناءٌ على جبريل عليه السلام بهذا الوصف أنه كريم أي أنه شريف وأنه قد كرّمه ربه جل وعلا، وحسبك بهذا الوصف وبغيره من الأوصاف التي تأتي أن الله جل وعلا هو الذي امتدح عبده جبريل بهذه الأوصاف، فليست أوصافاً يكتسبها من خَلْق يُصيبون ويُخطئون، ويرضون ويغضبون، وإنما هي أوصاف من الله جل وعلا لعبده ولذلك لما قال قائل للنبي صلى الله عليه وسلم أن مدحي زين وذمي شين فقال: ذاك هو الله، الله جل وعلا هو الذي مدحه يَزين الإنسان وذمه يَشينه، نعوذ بالله من أن يقع على الإنسان شيء من أوصاف الذم.

إذاً هذا هو جواب القسم أن هذا القرآن الذي جاءكم هو قول رسول كريم أي أنه بلّغه الرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ثم ذكر مجموعة من الأوصاف لجبريل عليه السلام لعلنا نأتي عليها في الحلقة القادمة.

صفحة أصول التفسير - فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر، أستاذ الدراسات العليا بكلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:شيخنا تناولنا أيضاً جملة من أسباب الاختلاف المحمود بين المفسرين في الحلقة الماضية ولعلك تتفضل بإيضاح ما تبقى إن كان هناك بقية.

د. بدر بن ناصر البدر: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. بقي سببان من أسباب اختلاف المفسرين المحمود:

أولهما: اختلافهم بسبب حمل الكلام على التقديم والتأخير: ولا شك أن باب التقديم والتأخير باب مهم وله حِكَم وفيه مصالح وفوائد من أهمها: القصر والاختصاص مثل:﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، منها الاهتمام بالتقديم والتشويق له، منها مراعاة الترتيب حسب الأسبقية أو حسب الأفضلية، منها عَوْد الضمير على مذكور سابق، هناك حِكَم ومصالح في هذا الباب. ولذلك يُعنى علماء البلاغة عناية مهمة وأيضاً كتب التفسير ولا شك الحقيقة لا تخلو من هذا. لكن الأصل هو بقاء الكلام على ترتيبه المتبادر من ظاهر النص، هذا هو الأصل أن الآية على ترتيبها، هذا هو الظاهر لا نقول بالتقديم والتأخير إلا لقرينة.

ومثال هذا النوع من الاختلاف قوله تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّـهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ هذه الآية جاءت بعد حديث موسى لقومه فهل هي سابقة لهم في قول موسى لقومه ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّـهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ إلى آخر الآيات. فمن المعلوم أن موسى ما طلب هذا الأمر إلا لمّا حصل هذا القتل، لما شخص قتل شخصاً آخر ولا يدرون من القاتل وحصل فيه تهمة، المهم طلب منهم موسى أن يذبحوا بقرة ويأخذوا جزءًا منها ويضربوا به هذا المقتول وبقدرة الله عز وجل أنه يتكلم. المهم هذا الطلب من موسى لهم جاء بعد القتل، والقتل جاء بعد حديث موسى مع قومه، فلذلك قال بعض العلماء إن هذا مُقدّم في التلاوة، ومُؤخر في المعنى، مُقدّم في التلاوة الذي هو كلام موسى مع قومه ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ مُؤخر في المعنى على قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّـهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.

والحقيقة لا شك أن فيه أسرار بلاغية في التقديم والتأخير ومن أوسع من يتكلم في هذا المجال صاحب التفسير الكبير الإمام الفخر الرازي يُعنى بهذا الجانب وأيضاً أبو جعفر بن الزبير الغرناطي الثقفي في كتابه (ملاك التأويل) أيضاً يُعنى بهذا الجانب عناية بالغة.

أما السبب الأخير في ثراء الاختلاف بين المفسرين فهو تنوّع ثقافة كل مفسّر: لا شك أن ثقافة المفسر وتبحّره في جوانب علمية تضفي شيئاً على تفسيره وتجعله يهتم بهذا الجانب. فمن المفسرين مثلاً من كان له عناية بالإسناد وبالأثر فتجده دائماً يُحكّم هذا الأمر مثل الطبري رحمه الله تعالى، الحافظ بن كثير رحمه الله يُعنون بهذا الجانب جانب الأثر جانب الإسناد. هناك مثلاً من له عناية بالجانب اللغوي خاصة في الأمور النحوية الإعرابية تجد مثلاً أبا حيان يُعنى بهذا الجانب عناية بالغة، تلميذه السمين الحلبي في (الدر المصون) أبو حيان في تفسير (البحر المحيط).

أيضاً في أمور النكات البلاغية لها دورها أيضًا في الاختلاف نجد من يُعنى بهذا الجانب الزمخشري في كتابه (الكشّاف)، أبو السَعود في كتابه (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم) إلى غير ذلك تجد الحقيقة أنهم ينهلون من منهل واحد لكن كل يُعبّر هذا يأتي بنكتة بلاغية وهذا يأتي بلطيفة بيانية وكلها ولله الحمد تصب في مجال واحد. فكتاب الله سبحانه وتعالى لا تنقضي عجائبه ولا ينقطع مداده ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾.

فكلام العلماء في لطائفهم وفي استنباطاتهم يدل على عظمة هذا القرآن وعلى سعته وكما قلت أن المُفسر يتأثر بثقافته وأيضاً بعصره الذي يعيش فيه ولكن كما قلت هذا الاختلاف يجب أن يكون منضبطاً بقواعده وشروطه حتى يكون محموداً يثري المعنى ويُبين المراد ويفيد القارئ والسامع، أسأل الله عز وجل أن ينفع بالجميع، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته.

المقدم: بعد أن تدارسنا وإياكم أسباب الاختلاف بين المفسرين نود منكم أن تتفضلوا علينا بذكر قواعد مهمة في التعامل مع هذه الاختلافات بين المفسرين.

د. ناصر البدر: الحمد لله. طالب العلم وكلنا ولله الحمد طلبة علم، وننهل من معين القرآن الكريم، ونحن على مائدة القرآن الكريم ينبغي أن تكون لنا قواعد مهمة في التعامل مع اختلاف المفسرين في الترجيح بينها، في التأمل فيها والعلماء ولله الحمد كتبوا، وأيضاً هناك الدراسات الحديثة في قواعد الترجيح بين المفسرين، من كتبوا فيها أيضاً سواء مفردة أو مجزأة من أهم هذه القواعد:

مراعاة النظرة الكلية الشاملة للآيات: لا بد للإنسان وهو ينظر إلى اختلافات المفسرين أن ينظر نظرة شاملة إلى الآيات لا يجتزئ آية دون الآيات، لا؛ لا بد من مراعاة السياق، نظرة شاملة للآيات، هدفها، محورها، هذا مهم جداً.

أيضاً مراعاة عود الضمير على أقرب مذكور سابق: مراعاة الضمائر النظر فيها وفي مراجعها فالضمير كلما كان مرجعه إلى أقرب مذكور لا شك أن هذا هو الأفضل والأرجح في استعمال وفي ترجيح المفسرين.

أيضاً الأصل هو الأخذ بظاهر النص وإجراء الكلام على معناه الظاهر: لا شك نحن نأخذ الآيات على ظاهرها، التكلف، القول بالمجاز التّمَحل هذا الحقيقة مرفوض إلا بشروط بضوابط ما فيه شك التدبر والاستنباط له بابه وهذا لا يعارض أننا لا نأخذ بظاهر الآيات. الأصل أننا نأخذ بظاهر الآيات، وهذا هو الأصل المتفق عليه، لكن إذا وفِّق أحد المفسرين أو أحد طلبة العلم أو أهل الذكر فاستنبط شيئاً والآية تدل عليه وبلا تكلّف ولا تمحل ولا يُعارض أصولاً وقواعد معروفة فالحمد لله هذا يستفاد منه، والقرآن كما قلت بحر لا تكدره الدِّلاء.

أيضاً الأصل بقاء العام على عمومه ما لم يرد ما يُخصصه، وبقاء المطلق على إطلاقه: أيضاً هذه قواعد مهمة نحن لا نحرص على التقييد وعلى التخصيص، دع كل شيء على عمومه، المطلق على إطلاقه لكن إذا وجد ما يُلْجِئ إلى تقييد المطلق، إلى تخصيص العام فلا شك أنا نعمل بهذا وهذه كما قلت أبواب مذكورة في كتب أصول الفقه وفي علوم القرآن.

أيضاً إعمال النص خير من إهمالهفعلى هذا لا نلجأ للنسخ إلا عند التعارض الشديد، نحرص ألا نلجأ للنسخ إعمال النصوص طيب لكن إذا أُلجئنا إلى النسخ نقول بالنسخ بشروطه وقواعده.

أيضاً الأصل بقاء النظم القرآني على نسقه وترتيبه، والاستفادة من القراءات المتواترة في إثراء المعنى فلا يجوز رد القراءات المتواترة، لا شك إذا ثبتت القراءة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ردّها بأي حال من الأحوال ولكن ينبغي لنا أن نستفيد هذه قراءة لها معنى وهذه لها معنى فوجود القراءات القرآنية المتواترة لا شك أنها تثري المعنى. القراءات الشاذة للعلماء فيها كلام أيضاً قد يستفاد منها في جوانب أخرى لكن نحن نتكلم في الشيء القريب وهو القراءات المتواترة نحرص على الجمع بينها، توجيه القراءات، والعلماء رحمهم الله الحقيقة قد توسّعوا في هذا وبيّنوا في توجيه القراءات ذكروا الأوجه التي يمكن أن تحتملها القراءة ورجّحوا بين الأوجه وهذا لا حرج فيه، الترجيح بين القراءات ذاتها لا يجوز ما دام أنها ثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن الترجيح بين توجيه القراءات هذا لا حرج فلان يقول توجيه القراءة كذا وفلان يقول توجيه القراءة كذا وكذا فنحن نرجّح بين توجيه القراءات هذا لا حرج وهو يضًا يعطي ثراء للمعنى إذا كان الجمع بينها.

هذا في جانب الأقوال المختلفة في التفسير إذا كان يمكن الجمع بينها أما إذا كان لا يمكن الجمع بينها مثل ما ضربت مثال في القرء ﴿ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ منهم من قال إنه الحيض ومنهم من قال الطهر فلا يمكن الجمع إما أن تقول إنه الحيض وتبني عليه أحكاماً شرعية، إما أن تقول إنه الطهر وتبني عليه أحكاماً شرعية، فنحن هنا ننظر في هذه الأقوال التي يظهر أمامنا أنها متناقضة:

·         فنقدّم الصحيح على الضعيف مثلاً هذا من أوجه الترجيح.

·         نقدّم ما دلّت عليه السنّة مثل حديث الأسلمية كما سبق في عدّة المتوفى عنها زوجها وقد تدارسناه في حلقة سابقة ما دلّ عليه دليل يقدّم على غيره.

·         أيضاً يقدم تفسير الصحابة على غيرهم. أيضاً إذا كان التفسير يُروى عن صحابي قولان متناقضان أما إذا أمكن الجمع بينهما فالحمد لله لكن إذا كانا متناقضين ننظر في المتأخر منهما إن تيسر فيُعتمد لأن الصحابي قد يتراجع عن رأيه القديم ويأخذ بهذا الرأي الجديد.

·         أيضاً إذا خالف الصحابي الواحد سائر الصحابة نقدّم رأي جمهور الصحابة على رأي الواحد منهم، وإذا خالف رأيُ صحابي صحابياً آخر يقدّم أرسخهما قدماً في العلم مثلًا كابن عباس رضي الله عنهما ببركة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل ".

 

الحقيقة هناك جملة من القواعد والأمور التي ينبغي التعامل معها والنظر فيها حين كلامنا عن اختلاف المفسرين لعلنا نرجئه إن شاء إلى لقاء قادم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل