روائع البيان القرآني - البيان في أول سورة البقرة - 2

روائع البيان القرآني – د. محمد داوود

 البيان في أول سورة البقرة – جـ 2

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

(الم) ثم يقول ربنا (ذَلِكَ الْكِتَابُ) الألف (ال) التعريف في كلمة الكتاب هي للعهد، ما معنى العهد؟ يعني التعيين والتخصيص هذا الكتاب ليس كتاباً غيره، لماذا؟ للتفخيم والتبجيل وأنه الكتاب الحق وغيره لا يرقى إليه وإذا ذكر الكتاب فهو المخصوص هذا هو معنى (ال) التعريف في كلمة الكتاب هنا هي للعهد للتفخيم والتبجيل للقرآن الكريم.

(لَا رَيْبَ فِيهِ) الريب هو شك لكن شك فيه خوف، فيه قلق، شك فيه اضطراب وهذا هو الفرق في العموم والخصوص بين الشك والريب. وبعد أن بين الله سبحانه وتعالى وأزال عن القرآن أي توهم أو أي شك أو ريب لا يليق بالقرآن قال الله سبحانه وتعالى أثبت له هذه الخصوصية (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) بعد أن نفى عن الكتاب الشك والريب أثبت له الهداية (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وكلمة (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) تثير في أذهان الباحثين شيئاً من الإستفسار والبيان هنا قال ربنا (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) لكن في آية أخرى يقول (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ(185) البقرة) هل هو هدى للناس أم هدى للمتقين؟ (هُدًى لِلنَّاسِ) بمعنى و (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) بمعنى السياق هو الذي يحكم. (هُدًى لِلنَّاسِ) أي الطاقة الكامنة من الهداية في هذا الكتاب تكفي كل الناس هو كفيل بهداية كل الناس كل من يأتي إليه ويستجيب لآياته تكون له الهداية هذا الكتاب فيه ذلك يملك ذلك لكن (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) ذكر لمن ينتفع بهذه الهداية، بهذا الكتاب من الذي ينتفع بالكتاب؟ الذي يعمل به، بركة القرآن لمن؟ لمن استجاب له فقال (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) إذاً هدى للناس يبين إمكانات هذا الكتاب في هداية كل الناس إذا ما استجابوا له وأنه للناس جميعا، و (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) يبين الذي ينتفع بهذه الهداية وهو المستجيب لهدي القرآن لآيات القرآن (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) تقرر حقيقة أن بركة القرآن لمن يعمل به ولمن يستجيب لآياته. هدى للناس، هدى للمتقين، إذاً وضح الفرق بتأمل السياقين بينهما.

ثم بعد ذلك بعد أن قال ربنا هذا جاءت الجملة الشارحة التي رأيناها قبل ذلك في فاتحة الكتاب حين فسر ربنا الصراط المتسقيم بالآيات التي جاءت بعد ذلك. (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) من هم المتقون يا رب؟ سائل يسأل، إنسان يريد أن يستوضح عن المقصود بالمتقين في هذا السياق فيبين الله أخص أوصافهم وأهم صفاتهم فيقول (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) هؤلاء هم المتقون. هذه الآيات تشرح تفسير المتقين.

ثم يأتي بعد ذلك من البيان القرآني وروعته حسن التقسيم والترتيب في هذه الآيات، فانظر كيف بدأ (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) الإيمان عبادة قلبية، ثم قال (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) عبادة بدينة (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) عبادة مالية أو عينية من الأمور، وانظر إلى التدرج في المسائل الأساس في القلب هو الإيمان هو البداية هو البوابة لهذه الخيرات فغير المؤمن لا يقيم الصلاة ولا يطالب بالصلاة ولا زكاة ولا بشيء، فانظر إلى هذا التدرج (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) الأقرب بعدها (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ) كل الخلق إذا آمن قادر على الصلاة ولو بالإشارة ولو لم يتوضأ يتيمم ويصلي جالساً يصلي بالإشارة إن عجز أما المالية فلا تكون إلا لمن حاز نعمة من النعم وينفق منها فانظر إلى هذا التدرج حسن التقسيم والترتيب في هذه الآيات.

ثم يقول ربنا سبحانه وتعالى (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) إنما فيها بيان عظيم ينبغي أن نقف عنده بالتدبر ولعله يحتاج إلى بداية حلقة جديدة إن شاء الله.

خلاصة:

من القيم الأربعة للحرف عن السلف: القيمة الصوتية والقيمة الإسمية اسم الحرف وصوت الحرف ثم رسم الحرف ثم ضبط الحرف هكذا اعتنوا ليتعرفوا على حقائق هذا الكتاب، وكيف أنهم أفادونا بأن هذه الرموز صوتية لا عهد للعرب بها فاجأ بها العرب كي يلفت انتباهم ويوقظ عقولهم. ثم نجد الإشارة في ذلك إلى المادة الخام التي يتكون منها هذا الكلام على نحو معجز الكلام الخام ليس فيه إعجاز الحروف المادة الخام ليس فيها إعجاز الإعجاز في الكلمات وتوظيفها ونظمها على نحو معجز كما جاء في القرآن ومثّلنا لذلك بالتراب المادة الخام يصنع منه الخالق إنسانًا فيكون هذا الإعجاز.

 ثم بعد ذلك كيف أن الكتاب يفخم بـ(ال) التعريف التي تكون للعهد لتخصيصه، لتبيينه، لتفخيمه، لأنه الكتاب الحق ولا يرقى إليه كتاب آخر ونفى عنه الشك والريب ثم أثبت له المزية (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وفرقنا بين (هُدًى لِلنَّاسِ) و (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ)، (هُدًى لِلنَّاسِ) أن يملك الهداية للبشر لكل الناس في كل زمان ومكان و(هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) إنما يصف مَنْ المنتفع بهذه الهداية من المنتفع بهذه الهداية والذي يحصل هذه الهداية هو من التمس تقوى الله سبحانه وتعالى ثم وقفنا على الجمل التفسيرية وحسن التقسيم في الآيات فسبحان من هذا كلامه وهذا هديه وبيانه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب.


http://www.mohameddawood.com/video/view.aspx?ID=1385&Section=%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل