برنامج تبيان - سورة التكوير - 1

سورة التكوير -1

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة التكوير – 1

المقدم: في هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى وعونه سنشرع في تفسير سورة التكوير وبودنا أن نستمع إلى مدخل في التعريف بهذه السورة.

د. محمد السريّع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سورة التكوير هي سورة مكية كما نُقل عن جمع من السلف وكما هو ظاهر من موضوعات السورة، قد مرّ معنا مراراً أن معرفة المكي والمدني له طريقان:

·         الطريق الأول: الطريق السماعي بأن يُنقل عن أحد من السلف، الصحابة أو التابعين أو يُذكر في قصة من القصص أنه نزلت هذه الآية حين كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، حين كان بالمدينة، في حجة الوداع، في غزوة كذا فيستدل من القصة والرواية على زمن نزول الآية.

·         أو الطريق الآخر الطريق القياسي وهو الاعتبار بموضوعات السورة وبآياتها وألفاظها على العادات التي جرت بها، فالقرآن المكي له سمات، والقرآن المدني له سمات وخصائص فيعرف من خلال القياس هل هي مكية أو مدنية.

قال الله عز وجل: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴿١﴾ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ﴿٢﴾ وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴿٣﴾ وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴿٤﴾ وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴿٥﴾ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴿٦﴾ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴿٧﴾ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴿٨﴾ بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ﴿٩

سورة التكوير موضوعها الرئيس هو الحديث عن القيامة وما يكون فيها من الأهوال العظيمة وما يكون فيها من تغير الأفلاك الشمس والنجوم والجبال والوحوش والبحار وغير ذلك وهي مشاهد لا شك تشيب لها النواصي وتضع الحوامل لها حملها كما أخبر ربنا جل وعلا عن ذلك في آيات أخرى.

ثم بعد ذلك الموضوع الثاني في هذه السورة هو الاستدلال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وصحة ما جاء به وأنه من عند الله جل وعلا وقد أقسم ربنا جل وعلا على هذا الأمر في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ ﴿١٥﴾ الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ﴿١٩﴾ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾ إلى آخر الآيات.

يقول الله جل وعلا: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ﴿١﴾﴾ المراد بتكوير الشمس أن يُجمع بعضها إلى بعض، وتكون كالشكل الكُرّي ثم يُذهب بضوئها بعد ذلك وهذا هو معنى ما ورد عن السلف رحمهم الله في معنى تكوير الشمس.

ثم قال ربنا جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ ﴿٢﴾﴾ هذا مظهر آخر من مظاهر القيامة وهو انكدار النجوم أي تناثرها وانطلاق عقدها.

ثم قال ربنا جل وعلا بعد ذلك: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ ﴿٣﴾﴾ أي زالت عن أماكنها ونُسِفت ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا ﴿١٠٥﴾ فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا ﴿١٠٦﴾ لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾﴾ وهذه الآيات يُفسر بعضها بعضاً ويوضحه.

﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ ﴿٤﴾﴾ العشار هي عشار الإبل والمقصود بها النوق التي قد بلغت الشهر العاشر في حملها وهي أنفس وأغلى ما تكون عند العرب، والإبل على وجه العموم هي أنفس أموالهم ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في الحديث: " لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم" أي الإبل النفيسة الغالية على أهلها. قد كانت كما قلنا الإبل على وجه العموم من خيار أموالهم وأنفسها. فإذا كانت ناقة قد بلغت الشهر العاشر من حملها فهي أشد وأعظم ما تكون نفاسة. ومع ذلك هذا المال العظيم النفيس المحبب إلى أهله يُعَطّل ويُسَيّب يوم القيامة من هول ما يرى الناس من مشاهد يوم الحشر، نسأل الله جل وعلا أن نكون فيه ووالدينا وذرياتنا من الآمنين.

قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ ﴿٥﴾﴾ الوحوش معروفة وهي السِباع وما كان نحوها، هذه الوحوش التي توحشت تُجمع يوم القيامة ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ قال الله ﴿ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ يُجمعون يوم القيامة. وهذا الحشر والجمع لهذه البهائم أو للسباع والوحوش منها معناه أنها يوم القيامة تُجمع فيختلط بعضها ببعض قد كانت في الدنيا ينفر بعضها من بعض ولا يمكن أن تجتمع ولكن لهول ما يحصل يوم القيامة فإنه يختلط بعضها ببعض.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ ﴿٦﴾﴾ أي انها أُوقدت فكانت ناراً تتلظى وتتلهب.

ثم قال جل وعلا: ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ ﴿٧﴾﴾ المراد بتزويج النفوس أن يُجمع كل شكل ونظير إلى نظيره كما قال جل وعلا: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ﴾ أي نظراءهم. وقد جاء عن بعض السلف أنه قال في هذه الآية: يُقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح، والرجل السوء مع الرجل السوء، وهذا لا شك أنه هو ما دلت عليه هذه الآية، فمن كان مع الفسقة والفجار والكفار فإنه يُحشر معهم ويُقرن بهم يوم القيامة، ومن كان مع الأبرار فإنه يُحشر معهم كما جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المرء مع من أحبّ" فهو من هذا السبيل وهذا الطريق. ولذلك على الإنسان وهو يختار صداقاته في هذه الدنيا، يختار رفقته، يختار من يجالسهم، من يؤاكلهم، من يأنس بهم، من يسافر معهم، عليه أن يختار من يسعد بهم يوم القيامة فإن صاحبك في الدنيا قد يكون هو صاحبك في الآخرة فاختر لنفسك أيها الإنسان من تصاحب في الآخرة فابق معه في هذه الدنيا.

ثم قال تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴿١٠﴾ وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ ﴿١١﴾ وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴿١٢﴾ وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴿١٣﴾ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ ﴿١٤﴾﴾.

يقول ربنا جل وعلا: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ ﴿٨﴾﴾ أي الطفلة التي دفنت وهي حية تُسأل يوم القيامة سؤال توبيخ لمن دفنها بأيّ ذنب؟! ما هو الذنب الذي اقترفته حتى قتلت ودفنت وهي حية؟!

ولا شك أن الجواب معروف فإنه ليس لها جرم وليس لها ذنب وإنما كان من عادة بعض جفاة العرب ما أخبر الله جل وعلا به عنهم إذا بشر بالأنثى ﴿أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ كان من عادة بعض جفاتهم أنهم يَئدُون الطفلة البنت إذا ولدت له تنكباً أن يكون له من ذريته بنات، ولا شك أن هذا ضرب من ضروب الجفاء والغلظة وانعدام الرحمة في قلوب هؤلاء، وجاء الإسلام بدحض هذه التصورات الوضيعة ونفيها، وأعلى من شأن المرأة وأعلى من شأن الطفلة والبنت بل وعد النبي صلى الله عليه وسلم من عال جاريتين فأحسن إليهما أن يكون من أهل الجنة، كل هذا بيان لمنزلة المرأة على وجه العموم ولمنزلة البنت والطفلة على وجه الخصوص.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ ﴿١٠﴾﴾ أي صحف الأعمال تُعرض يوم القيامة وتُنشر فشقيّ وسعيد، هناك أقوام سيُسَرّون لأنهم يرون أن صحائف أعمالهم قد سُطّرت بالحسنات، وآخرون يرونها سُوّدَت نعوذ بالله من السيئات!.

وإذا السماء قلعت وأزيلت من مكانها، ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ ﴾ أي النار والعياذ بالله ﴿ سُعِّرَتْ ﴿١٢﴾ أُوقدت، أُضرمت.

﴿وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ ﴿١٣﴾﴾ أي دار النعيم قُرّبَت وهُيئت لأهلها الذين وعدهم الله جل وعلا بذلك حين أطاعوه وامتثلوا أمره.

هذه مشاهد من القيامة قال الله جل وعلا في ختامها: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ ﴿١٤﴾﴾. إذا الشمس كورت والنجوم انكدرت والجبال سُيرت وحصل كذا وكذا هنا في هذا الموقف الشديد الشنيع ستعلم كل نفس ما كانت أحضرته وما كانت قدمته في دنياها، فاخترْ لنفسك يا عبد الله؛ يا أمَة الله ماذا ستكون عليه في هذا اليوم، هل ستكون من السعداء الآمنين المطمئنين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أو تكون من أصحاب الجحيم والعياذ بالله!.

يقول الشاعر ناظماً لبعض مظاهر ومشاهد القيامة التي ذكرت في هذه السورة:

مثّل لنفسك أيها المغرور
إذ كورت شمس النهار وأُدنيت
وإذا النجوم تساقطت وتناثرت
وإذا البحار تفجّرت من خوفها
وإذا الجبال تقلّعت بأصولها
وإذا العِشار تعطّلت وتخرّبت
وإذا الوحوش لدى القيامة حُشّرت
وإذا تقاة المسلمين تزوّجت
وإذا الموؤدة سئلت عن شأنها
وإذا الجليل طوى السماء بيمينه
وإذا الصحائف نشرت فتطايرت
وإذا السماء تكشّطت عن أهلها
وإذا الجحيم تسعّرت نيرانها
وإذا الجنان تزخرفت وتطيبت
وإذا الجنين بأمه متعلّق
هذا بلا ذنب يخاف جناية

 

يوم القيامة والسماء تمور
حتى على رأس العباد تسير
وتبدّلت بعد الضياء كدور
ورأيتها مثل الجحيم تفور
فرأيتها مثل السحاب تسير
خلت الديار فما بها معمور
وتقول للأملاك أين تسير
من حور عين زانهن شعور
وبأي ذنب قتلها ميسور
طيّ السجلِّ كتابه المنشور
وتهتّكت للمؤمنين ستور
ورأيت أفلاك السماء تدور
فلها على أهل الذنوب زفير
لفتىً على طول البلاء صبور
يخشى القصاص وقلبه مذعور
كيف المُصِرّ على الذنوب دهور؟
!

نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهل الجنان الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن يجعلنا آمنين مطمئنين ووالدينا وإخواننا المسلمين يوم الفزع الأكبر إنه أرحم الراحمين.

صفحة أصول التفسير - فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر، أستاذ الدراسات العليا بكلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم:تناولنا جملة من أسباب الاختلاف المحمود بين المفسرين ولعلك تتفضل بإيضاح ما تبقى إن كان هناك بقية.

د. بدر بن ناصر البدر: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. الحديث الحقيقة لا يزال موصولاً في ذكر جملة من الأسباب التي أدت إلى وجود هذا الاختلاف المحمود ولله الحمد بين المفسرين، وفيه كما قلت في أول الحلقات ثراءٌ في المعنى وزيادةٌ في الأقوال وبيان المراد، وكتاب الله عز وجل بحرٌ عظيم لا يمكن أن يحيط به فلان مهما بلغ من علمه وفضله لكن هو توفيق وهداية من الله سبحانه وتعالى.

فمن أسباب اختلاف التفسير المحمود: الاختلاف في الإطلاق والتقييدوهذا باب موسوم ومعروف في كتب أصول الفقه وفي كتب علوم القرآن "المطلق والمقيّد" فقد يرى بعض المفسرين بقاء المطلق على إطلاقه، وقد يقوم بعضهم بتقييد هذا المطلق في موضع آخر، فمثلاً: عتق الرقبة في كفّارة اليمين وكفّارة الظِهار جاءت مطلقة في كتاب الله عز وجل، قال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّـهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية، فهنا الرقبة جاءت مطلقة، وأيضاً في كفارة الظِهار قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا﴾ هنا أيضاً جاءت مطلقة. لكنها جاءت مقيدة في كفارة القتل قتل النفس قال تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ فبعض العلماء قال إننا نحمل المقيد هنا على المطلق في الموضعين السابقين فنقول في كفارة اليمين وفي كفارة الظهار لا بد أن تكون الرقبة مؤمنة، وبعض العلماء قال لا، تبقى هناك مطلقة وفي هذا الموضع مقيدة والخلاف مشهور بين المفسرين وعليه جاء الخلاف عند الفقهاء رحمهم الله تعالى.

أيضاً من الأسباب الاختلاف في العموم والخصوص: العام والخاصهذا باب معروف عند علماء أصول الفقه وعند علماء علوم القرآن كتبوا في هذا ففي قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ ۚ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ الآية ظاهرها عام أنه لا يجوز للمسلم أن يتزوج المشركة ويدخل في هؤلاء نساء أهل الكتاب لأنهن الآن مشركات ومنهن من تقول بألوهية عيسى، أو إن كانت يهودية تقول بألوهية عُزير ونحو ذلك، لكن جاء تخصيص هذا في موضع آخر في سورة المائدة قال الله جل وعلا: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ۖ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ ۖ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نُسخ من ذلك نكاح نساء أهل الكتاب أحلّهن للمسلمين وحرّم المسلمات على رجالهم. وهذا هو الصحيح أن المحصنة من نساء أهل الكتاب يجوز نكاحها أما المشركات عموماً فسّره سعيد بن جبير أنهم أهل الأوثان فهذا لا يجوز ويستثنى من ذلك المحصنات من أهل الكتاب لأن هذا جاء النص عليه في كتاب الله تبارك وتعالى.

أيضاً من أسباب الاختلاف بين المفسرين اختلافهم في فهم حروف المعاني:وحروف المعاني أيها الإخوة والأخوات علم مهم جداً في التفسير ولذلك من العلماء من أفرده بالتصنيف، هناك علماء كتبوا فيه (الجنى الداني في حروف المعاني) لأبي القاسم المرادي، (مغني اللبيب عن كتب الأعاريب) عقد نصف الكتاب أو أكثره في حروف المعاني لابن هشام، (رصف المباني في حروف المعاني) للمالقي، الإربلي له كتاب (الحروف)، (حروف المعاني) للزجّاج، (معاني الحروف) للروماني، حروف المعاني علم مهم جداً الحقيقة، وله أثره في التفسير. وكذلك أيضًا من كتبوا في علوم القرآن عقدوا فصولاً في حروف المعاني كالزركشي في (البرهان)، والسيوطي في (الإتقان). ومن الأمثلة الواضحة والتي دائماً متداولة عند العلماء حرف الباء في قول الله عز وجل: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الباء هنا هل هي للملاصقة أم للتبعيض؟

سيبويه يقول إن الباء دائماً للإلصاق والإلزاق قال هذا في كتابه، نعم في بعض المواضع قد تكون بمعنى التبعيض وعلى هذا يختلف، هناك خلاف بين الفقهاء رحمهم الله: هل لا بد مسح الرأس جميعه أو يكفي  مسح بعضه؟ إذا قلنا إن الباء للتبعيض هذا خلاف أيضاً بين المفسرين وأيضاً بين الفقهاء رحمهم الله.

أيضاً في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ هل من للتبعيض أن حواء خُلقت من بعض آدم؟ هذا قول، والقول الثاني أنها بيانية لأن حواء خُلقت من جنس آدم، لتتحقق الألفة والوئام والمودة، والجنس إلى الجنس أميَل. والأمثلة على هذا كثيرة لكن أعيد وأكرر أن حروف المعاني باب وعلم مهم لا بد أن نتدارسه ونعتني به وبخاصة من هم في الدراسات القرآنية.

أيضاً من أسباب الاختلاف اختلافهم في أوجه الإعراب: أيضاً إعراب القرآن مهم جداً وعندما نقول الإعراب لا يخفى على شريف علم الإخوة والأخوات أننا لا نقول نعرب كل شيء؛ وإنما نعرب المُشكل من الآيات أو ما فيه ثراء للمعنى أما أن يأتي أحدنا ويقلب درس التفسير أو كذا إلى درس نحو أو تطبيقات نجوية هذا الحقيقة خلاف المنهجية العلمية، إلا إنسان يريد أن يأتي بقواعد ويطبقها أو يُمرّن الطلاب هذا شيء آخر، لكن أن يقلب درس التفسير أو كتاب التفسير إلى الإعراب لا، المقصود إعراب المُشكل أو ما فيه ثراء للمعنى ولا شك أن الإعراب مُنبثق عن المعنى، الإعراب يخدم المعنى كما قال العلماء ولهم في هذا كلام طويل معروف ومشهور.

أضرب لهذا مثالاً في قول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلخ الآية جاءت كلمة (الصابئون) مرفوعة وما قبلها منصوب، والتقدير إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئون كذلك، فيه تقديم وتأخير مبتدأ وخبر يقول ابن كثير: " لما طال الفصل حسُنَ العطف بالرفع"  وقال النسفي : "فائدة التقديم التنبيه على أن الصابئين وهم أبيَنُ هؤلاء المعدودين ضلالاً وأشدهم غيّاً يتاب عليهم إن صحّ منهم الإيمان فما الظن بغيرهم". وهذا الحقيقة كلام جميل جداً.

ومن أسباب الاختلاف بين المفسرين المحمود: اختلافهم في أسباب النزولومن الأمثلة المشهورة في هذا آية التحريم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّـهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّـهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١﴾قَدْ فَرَضَ اللَّـهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ۚ وَاللَّـهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ ﴿٢﴾﴾ إلى آخر الآيات، هذه الآيات تكشف لنا حالة وصورة مما وقع في بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهن. في هذه الآيات قولان مشهوران في سبب نزولها:

·         القول الأول: أنها نزلت في قصة العسل وكان عليه الصلاة والسلام يأنف من الرائحة غير الطيبة وكانت زينب أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم عسلاً فاتفقت حفصة وعائشة رضي الله عنهم أجمعين أن كل واحدة تأتيه تقول له إن فيك رائحة، فقال إني أكلت عسلاً إلى آخر القصة فحرّم على نفسه العسل.

·         والسبب الثاني: أنه عليه الصلاة والسلام قالت له حفصة إنك أتيت مارية وهي أمَته عليه الصلاة والسلام وهي أم إبراهيم في يومي فقال عليه الصلاة والسلام إرضاء لها حرّمها على نفسه.

للمفسرين خلاف في الترجيح بين القولين فإن القول الأول هو مروي في الصحيحين وله قرائن كثيرة لكن على كل حال لا يمنع وهذا هو القول الراجح أن الآية نزلت في هذين السببين وأن الحكمة بعد هذا أنّ من حرم على نفسه شيئاً فإنه يُكفّر كفارة يمين لأن الله جل وعلا قال بعد ذلك: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّـهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.

أيضاً من الأسباب في اختلاف المفسرين مراعاة السياق: وهذه الحقيقة مسألة دقيقة جداً والعلماء كتبوا فيها ما بين متقدمين ومتأخرين يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: " إذا احتمل الكلام معنيين وكان حمله على أحدهما أوضح وأشد موافقة للسياق كان الحمل عليه أولى"، وقال الزركشي في البحر المحيط: " والسياق يرشد إلى تبيين المجملات وترجيح المحتملات وتقرير الواضحات وكل ذلك يُعرف بالاستعمال"  ولذلك ذكر ابن جزَيّ في مقدمة تفسيره أن من قواعد الترجيح أن يشهد بصحة القول سياق الكلام ويدل عليه ما قبله أو ما بعده. وكلام العلماء في هذا كثير فلا بد من النظرة إلى الآيات كلها وألا تُجتزأ جملة من الآية ويترك الباقي، هذا غير صحيح، لا بد أن ننظر فيما قبلها وما بعدها. من أمثلة ذلك قوله تبارك وتعالى:  وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ هذه الجملة لا يمكن فهمها مجردة من سياقها فلا بد أن ننظر إلى الآية عمومها، وأن نستنبط، نعم هي جاءت في الإنفاق في سبيل الله عز وجل ولكن حكمها عامٌ في أن الإنسان لا يلقي بيده إلى التهلكة سواء في عدم الجهاد في سبيل الله أو في الإمساك عن النفقة فأيضاً الإمساك عن النفقة أيضًا هو نوع من التهلكة أنت تحرم نفسك الخير عندما لا تتصدق وعندما لا تنفق في سبيل الله عز وجل.

 

فالصواب من القول أن يقال ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ أن المعنى عام لا تستسلموا للهلكة في أي شيء سواء في الأوامر فلا تنفذوها أو في المعاصي فتنتهكوها، وأيضاً لا تحرموا أنفسكم من فعل الخير في الصدقات وفي الخيرات، نسأل الله عز وجل أن يستعملنا وإياكم فيما يرضيه، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل