روائع البيان القرآني - البيان في أول سورة البقرة - 1

روائع البيان القرآني – د. محمد داوود

سورة البقرة

البيان في أول سورة البقرة – جـ 1

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

http://www.mohameddawood.com/video/view.aspx?ID=1386&Section=%D8%B1%D9%88%D8%A7%D8%A6%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D9%86

نواصل رحلة التدبر للوقوف على روائع البيان القرآني، على إحكام الكلمة القرآنية. واليوم بمشيئة الله تبارك وتعالى نعيش مع صدر سورة البقرة.

أولاً نحن حين ننظر إلى بدايات هذه السورة (الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) (الم) هذه بداية غريبة مدهشة ما تعود العرب أن يسمعوا أن يبتدأ الكلام بذكر حروف وبذكر حروف نذكر فيها ليس صوت الحرف وإنما اسم الحرف (الف، لام، ميم) حتى يكون هناك إيقاظ للعقول، هذا حديث غريب ينبغي أن ينتبه الناس ويتدبروا شأنه. السلف رحمهم الله كان منهم من الدقة ومن الفتح الرباني في تناول الحرف القرآني بالدراسة على مستويات أربعة:

* المستوى الأول: اسم الحرف

* المستوى الثني: صوت الحرف

* المستوى الثالث: رسم الحرف

* المستوى الرابع: ضبط الحرف

المستوى الأول: اسم الحرف (الم) أما صوت الحرف كما في سورة الشرح (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) الشرح) لا نقول ألف لام ميم ولكن (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ)، إذن هناك فرق بين اسم الحرف وصوت الحرف والقرآن جمع بالنطق بينهما في التلاوة فجاء بأسماء الحروف تنطق أسماء الحروف أي تقرأ على نحو مختلف عن باقي الكلمات، باقي الكلمات بعدها أنا لا أقول في (ذلك) ذال لام كاف وإنما أقول (ذلك) فأنا أنطق القيمة الصوتية لكن هنا الذي ينطق هو اسم الحرف (الم)، درسوا الحرف القرآني قيمة الحرف الصوتية نطق الحرف، اسم الحرف، رسم الحرف كيف يرسم. نأخذ الهمزة مثالًأ الهمزة حين ترسم فوق الحرف أو تحت الحرف فهي همزة قطع (أعطى، أكرم) لكن حين تأتي ألف الوصل ليس تحتها أو فوقها همزة فهي همزة وصل، وتأتي الهمزة على السطر ثم بعدها حرف العلة مثل (آمن) همزة بدل، هذا الرسم المتنوع المختلف إنما هو خاص بالقرآن الكريم. ولذلك أدعو طلبة العلم أن يتدبروا ويدرسوا آخر آية من سورة الفتح (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآَزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا(29) الفتح) هذه الآية اشتملت على كل الحروف الهجائية في اللغة العربية، أنظر إلى ضبط الحرف فيها نحن أخذنا صوت الحرف، اسم الحرف، رسم الحرف وكل واحدة من هذه الأمور لها علم، علم صوت الحروف هذا هو أحكام التلاوة الذي يدرِّسه مشايخنا، هذا كله خاص بصوت الحرف كيف ينطق، يفخّم، يرقّق، الغنّة، المدّ، إلى آخره.

أما رسم الحرف هناك علم اسمه علم الرسم وهناك علم اسمه علم الضبط، ضبط الحرف لو نظرت إلى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ) (رسول) قل لأي إنسان مشتغل باللغة أضبط هذه الكلمة الراء فوقها علامة الفتح (ـــَـــ) لكن انظر إلى المصحف تجد الراء حرف مشدد مفتوح (رَّسول) لماذا؟ لأن الضبط معبر عن المنطوق عن هذه الغنة أو عن هذا المد أو هذا الإدغام كل ذلك يراعى في ضبط المصحف لذلك دراسة الحرف القرآني له خصائص تميزه على المستويات الأربعة: اسم الحرف، رسم الحرف، صوت الحرف وضبط الحرف. رحم الله السلف ومن نهج نهجهم في هذا العمل العظيم وامتداداً لذلك جاء الإعجاز القرآني فشغل الناس بنظرية النظم القرآني عند عبد القاهر الجرجاني في كتابه المهم الشيق (دلائل الإعجاز) ونظرية النظم إنما ركزها على ضم كلمة إلى كلمة، كيف تكون حروف الجر مستخدمة؟ كيف يكون التقديم والتأخير؟ كيف يكون نسج الكلام؟ إلى آخره. وقال إن الكلمات خارج النظم هي من الكلام وهذا حق والقرآن يثبت هذه المزية ولكن على مدى أوسع، القرآن يريد أن يثبت هذه المزية هنا أن المادة الخام ليس فيها إعجاز فالقرآن جاء بالمادة الخام من الكلام (الم) الكلام يكون من هذه الحروف وكل العرب والبلغاء والفصحاء عاجزون على أن يأتوا بمثل القرآن فالمادة الخام ليس فيها إعجاز أو الحروف المقطعة في القرآن كله لكن الإعجاز في توظيف هذه الحروف في كلمات والكلمات في نص.

وذلك المادة الخام أريد أن أيسرها وأن نشرحها على نمط ما جاء في القرآن (الم) وهو يعرض لهم أن هذا القرآن مكون من هذه الحروف من هذه المادة الخام من الكلمات، التراب مادة خام يأخذه فلاح بسيط يصنع منه كوخًا لا إعجاز فيه، أي إنسان ممكن أن يضيف الماء على التراب ويصنع كوخاً لا إعجاز في ذلك، مهندس بارع يأخذ هذا التراب يضيف إليه إضافات ثم معالجة حرارية معينة ثم تنظيم وتنسيق فيصنع به قصراً عظيماً، لكن الخالق يأخذ هذا التراب فيخلق منه إنساناً هذا إعجاز لا يستطيعه الفلاح ولا المهندس ولا يستطيعه أي الناس! هكذا الكلمات هذه الحروف يأخذها الإنسان العادي فيتكلم أريد أن أشرب أريد أن أذهب إلى المسجد هذا كلام عادي يقوله كل الناس لكن يأتي الشاعر فيستخدم هذا الكلام في نظم فيصنع بها قصيدة فنعجب بها هذه عظمة هذا السر، لكن الله سبحانه وتعالى يأخذ هذه الحروف فيصنع منها قرآناً يكون فيه الإعجاز على نحو معجز بحيث أنك لا يمكن أن تستبدل كلمة بكلمة ولا حرف بحرف آخر ولا حركة بحركة أخرى هذا هو الإعجاز؟ القرآن يفتتح بهذه الإشارة، إذن لكل الباحثين لكل المتخصصين أناديهم وأقول المسالة ليست وقفاً عندما قال عبد القاهر مع كل الحب والتقدير لما جاء به نحن لن نخرج على نظرية النظم لكن نوسع النظر إلى نظرية النظم فلا نقصرها على الكلام والكلمات فقط بل ننقلها إلى الحروف والحركات والذي لفت نظرنا لها هو القرآن في هذه الحروف المقطعة التي بدأ بها بعض السور مثل (الم).

أيضاً هي جاءت للفت الانتباه وجاءت إشارة إلى هذه الحقائق التي ذكرتها لكم ثم بعد ذلك الحقائق في آيات القرآن كلها تؤكد هذه الحقيقة أن الإعجاز القرآني ليس في نظم الكلمة فقط أو في حرف الجر أو النظم على مستوى الجملة فقط، لا النظم يشتمل إلى نظم الحروف على نحو معين في كلمات بل ونظمها الصوتي أيضًا في نطقها بتلاوة قرآنية. أقول أن الدراسات الحديثة التي أقاموها لبيان مدى الانسجام ومدى التناسق الصوتي بين الكلمات حتى ليميزوا بين مغني ومغني وشاعر وشاعر في الغرب حينما في تجربة معملية وضعت آيات القرآن بأحكام التلاوة لقارئ من كبار القراء فضيلة الشيخ محمود خليل الحصري كل الكلام سجل فيه فجوات إلا حينما قرأ الشيخ وكانت قرآءته منضبطة أي مطابقة لأحكام القرآءة التي يزعم أي إنسان يتلقاها عن الشيوخ المهرة أنه يحاكي نطق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تلقاه عن سيدنا جبريل، لم تسجل الآلة فجوة واحدة!! قرأ القرآن كله لم تسجل فجوة واحدة، هذا شيء معجز!. إذن النظم على المستوى الصوتي، على مستوى الحرف، على مستوى الحركة، على مستوى الكلمة، على مستوى الآية، على مستوى الصورة، على مستوى القرآن كله، هذا شيء إنما هو من الحقائق العلمية التي أصبحت جلية. بارك الله في الإمام عبد القاهر إذ بدأ بنظرية النظم على مستوى الآيات وعلى مستوى السورة ونحن نكمل بما لنا من علوم حديثة وقفت بنا عند هذه الحقائق، في الحرف إعجاز، في الحركة إعجاز، في الكلمة إعجاز، إعجاز بياني، ليس في نظم الكلام كما قال عبد القاهر ليس على مستوى الجملة فقط بل هو أشار في كتابه إشارات ليست كثيرة إلى نظم الحروف وبخاصة حروف المعاني وحروف المباني والحركات في القرآن الكريم. وينبغي على الباحثين أن ينظروا في هذه المباحث الجديدة والذي أشار إلى ذلك والذي يعلمنا ذلك هو القرآن الكريم (الم) هذه الرموز الصوتية التي لا عهد للعرب بها حين أتى القرآن ينطق اسم الحرف على نحو معين جاءت للفت الانتباه وإيقاظ العقول.

(الم) وليس عبثًا في كتاب الحكيم وكلام الحكيم كله حكمة في كل حركة في كل حرف في كل كلمة في كل صوت إنما جاء بحكمة الحكيم ليس عبثا أبدًا فينبغي أن ينشط أهل البيان في البحث المتخصص العلمي في هذا الباب أخصص له حلقات وبحوث إن شاء الله بعضها أنجزتها وبعض هذه البحوث هي الآن في طور النضج وطور الإخراج للطباعة إن شاء الله.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل