برنامج تبيان - سورة عبس - 3

برنامج تبيان

سورة عبس -3

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة عبس – 3

المقدم: في هذه الحلقة سنكمل ما وقفنا عليه في الحلقة الماضية في سورة عبس عند قوله جل وعلا: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩﴾ وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴿٣٠﴾ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴿٣١﴾ مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٢﴾﴾.

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. يذكر ربنا جل وعلا في هذه الآيات عدداً من مشاهد امتنانه جل وعلا على عباده في هذه الدنيا وهو أمر إنزال الماء وإنبات النبات وما فيه من الطعام الذي يأكلونه وتأكله أنعامهم يقول ربنا جل وعلا: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾﴾ أمرٌ من الله جل وعلا إلى جنس الإنسان أن ينظر إلى طعامه كيف خلقه الله جل وعلا وكيف هيّأه لهذا الإنسان حتى يأكل منه ويكون به قوامه في هذه الدنيا.

﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾ وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾﴾ إلى آخر الآيات، هذه المشاهد التي تُذكر في هذه الآيات لها فوائد عظيمة ولكن أعظم هذه الفوائد فائدتان رئيستان:

·         الفائدة الأولى:أن هذه القضايا التي يذكرها ربنا جل وعلا هي مما يعترف الخلق جميعاً بأنها من الله جل وعلا وأن الله تعالى هو الذي يُنزل المطر، وهو الذي يُنبت النبات وأن آلهتهم لا تصنع شيئاً من ذلك، لأن هذه كلها الربوبية التي كان كفار قريش يعترفون بها. فسياق هذه المظاهر هو للاستدلال بها على ما ينكرونه ويجحدونه وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة كأن الآيات تقول لهم: هذه المظاهر خلقها الله جل وعلا فيجب أن تفردوه جل وعلا بالعبادة وتَدَعُوا من لا يَخْلُق شيئاً وإنما يُخْلَقون، ولذلك يقول ربنا جل وعلا في سورة البقرة في أوائل الآيات يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ ثم ماذا؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾ ثم ماذا يكون الختام؟ ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا﴾ فأمر في بداية الآية بإفراده بالعبادة ونهى في خاتمتها عن الإشراك به، أن يُشْرك به غيره جل وعلا. وذكر في أثناء الآية من مشاهد ودلائل وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة وأنه هو الذي يَخْلق ويَرْزق ويُنزل المطر، ويُنبت النبات جل وعلا.

·         الفائدة الثانيةمن سَوْق هذه المشاهد والمظاهر هو إظهار امتنان الله جل وعلا على عباده وعظيم نعمته عليهم فهو الذي يُنزل المطر، وهو الذي يُنبت النبات الذي يأكلونه وتأكل منهم أنعامهم، وهذه منّة عظيمة منه جل وعلا فلولا هذا الأمر لهلك الناس ولكن الله جل وعلا يمتنّ بذلك على عباده أيضاً مرة أخرى حتى يُذعنوا له ويطيعوه ويمتثلوا أمره ويوحدّوه ولا يشركوا معه سواه جل وعلا.

يقول ربنا جل وعلا: ﴿ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ﴿٢٤﴾ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ﴿٢٥﴾﴾ أي أنزلنا الماء من السماء ماءً كثيراً منصبّاً، ﴿ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ﴿٢٦﴾ فدخل هذا الماء إلى باطن الأرض ثم نَبَت النبات بعد ذلك ﴿ فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا ﴿٢٧﴾وَعِنَبًا وَقَضْبًا ﴿٢٨﴾﴾ وهو ما تأكله البهائم والدواب، ﴿ وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا ﴿٢٩﴾﴾ وكل هذه مما يحتاج إليها الناس والزيتون والنخل جاء ذكره في القرآن كثيراً والامتنان بإخراجه لما في هاتين النبتتين، في هاتين الثمرتين من عظيم نعم الله جل وعلا على عباده ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ﴾ ففيها من المنافع في ثمرها وفي زيتها يؤكل منها ويُدّهن وتستخدم للاستصباح والإضاءة وغير ذلك. والنخل مثل هذا الأمر، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد أن يُشبّه المؤمن قال: أخبروني بشجرة مَثَلُها مَثَلُ العبد المؤمن كما جاء في الصحيح وهي التي قال الله جل وعلا كما في التفسير: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾ هي كلمة التوحيد ولكن المقصود أن هاتين الشجرتين عظيمتا البركة "الزيتون والنخل" ولذا جاء الامتنان بهما في القرآن كثيراً.

﴿وَحَدَائِقَ غُلْبًا ﴿٣٠﴾﴾ أي حدائق عظيمة الأشجار وطويلة ومرتفعة، ثم قال جل وعلا: ﴿ وَفَاكِهَةً وَأَبًّا ﴿٣١﴾﴾ الفاكهة ما يتفكّه به بنو آدم، والأبّ هو الكلأ الذي تُخرجه الأرض وتأكل منه البهائم والدواب.

قال الله جل وعلا كل هذا الذي أخرجناه وأنبتناه ﴿مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٢﴾﴾ متاعاً لكم تتمتعون به ويكون به قوامكم وبقاؤكم أنتم وأنعامكم.

ثم قال تبارك وتعالى: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴿٣٤﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿٣٥﴾وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿٣٦﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴿٣٧﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ ﴿٣٨﴾ ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ ﴿٣٩﴾ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴿٤٠﴾ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ﴿٤١﴾ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ﴿٤٢﴾﴾.

هذا هو ختام هذه السورة، لمّا ذكر جل وعلا مُبْتدأ الخلق ذكر الخاتمة فقال جل وعلا: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ ﴿٣٣﴾﴾ والصاخة هي القيامة والمراد بها صيحة البعث لأنها تصمّ من هولها أسماع الخلق. يقول ربنا جل وعلا إذا جاءت هذه الصاخة في هذا اليوم يفر المرء من كل أحد حتى من أحبابه وأقرابه ومن يعرفهم، يفرّ من أقرب الناس إليه، من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته أي زوجته وبنيه، لماذا؟ لأن كل واحد منهم في هذا اليوم له شأن وحال يغنيه ويلهيه فلا يسأل أحد عن أحد، ولا يلتفت أحد إلى أحد ولا يلوي أحد على أحد، ولذلك جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أن الناس يحشرون يوم القيامة عراة غرلاً بُهماً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ سألت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله الرجال والنساء بعضهم ينظر إلى بعض؟! فقال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك. فلا يلتفت أحد إلى أحد في مثل هذه المواقف المهولة العظيمة.

قال الله جل وعلا في هذا الموقف ينقسم الناس إلى فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير الأبرار والفجّار يقول الله جل وعلا ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ في هذا اليوم يوم القيامة ﴿مُّسْفِرَة﴾ قد أسفرت وأنارت وابيضت وجوهها كما جاء في سورة آل عمران وهي في ذلك اليوم تضحك مستبشرة بنعيم الله جل وعلا وفضله ولِمَا ترى من أمارات رضاه جل وعلا.

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴿٤٠﴾﴾ هذا هو الفريق الثاني نعوذ بالله من حالهم تغشاهم ذلة وهوان هؤلاء هم الكفرة الفجرة، هؤلاء هم الذين اتصفوا بالكفر والفجور في هذه الدنيا، فاخترْ لنفسك يا عبد الله واختاري لنفسك يا أمة الله إن كنت تريد أن تكون مع أهل السعادة والاستبشار والضحك يوم يحزن الناس فعليك بطاعة الله تعالى ومرضاته وإلا فإن الحال أن يكون الإنسان مع الطائفة الأخرى والعياذ بالله.

صفحة أصول التفسير - فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر، أستاذ الدراسات العليا بكلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: وقف بنا الحديث في الحلقة الماضية عن بعض أسباب الاختلاف المحمود بين المفسرين ولعلنا في هذه الحلقة والحلقات التي تليها بمشيئة الله تعالى أن نستكمل الحديث حول ذلك فلعلك تتفضل.

د. بدر بن ناصر البدر: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. أكمل معكم إن شاء الله في هذه الحلقة وما بعدها جملة من الأسباب التي أدت إلى وجود الاختلاف المحمود بين المفسرين فمن هذه الأسباب:

أن يكون اللفظ مشتركاً في اللغة:معروف أن الاشتراك في اللغة باب واسع وتكلم عنه العلماء ابن جنّي له كلام عنه في الخصائص، والسيوطي رحمه الله عقد فيه فصولاً في كتابه المزهر في علوم اللغة وأنواعها. فاللفظ قد يكون مشتركاً في اللغة فإذا كان مشتركاً في اللغة معناه أن له أكثر من استعمال فيُحمل في تفسير الآية إذا جاء هذا اللفظ على أحد هذه الاستعمالات ومن هنا ينشأ هذا الاختلاف ومن أشهر الأمثلة في هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ قُروء جمع قُرْء وقد اختلف العلماء حتى في وقت الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم في كلمة القُرْء هل المراد به الحيض أم الطُهر؟

ولا شك عندما نقول الحيض يترتب عليه أحكام، وإذا قلنا الطُهر يترتب عليه أحكام، وهذا من التضاد أيضاً فاختلف المفسرون بسبب هذا، وهذا موجود في اللغة. منهم من يقول إن القُرء هو الطُهر، ومنهم من يقول إن القُرء هو الحيض، اختار القول الثاني أهل الحجاز واختيار عائشة رضي الله عنها وابن عمر وزيد بن ثابت وجمع من أهل العلم أن المراد به هو الطُهر والله أعلم.

أيضا من الأمثلة كلمة " قسورة " قسورة في لغة العرب قد يراد بها الأسد، وقد يراد بها الرامي الذي يصيد وبهما فُسّر قول الله عز وجل: ﴿ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿٤٩﴾ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ ﴿٥٠﴾ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾﴾ أن نفور المشركين من سماع القرآن ومن سماع الذكر مثل هذه الحُمر وهو جمع حمار وحشي الحُمر التي تنفر بسبب إما الأسد ولا شك الأسد إذا هجم نفرت بسرعة أو الرامي الذي يصيد أيضاً ستفر منه، فهما قولان مشهوران عند المفسرين والسبب هو كما قلت الاشتراك اللفظي في مثل هذه الكلمة والأمثلة عليها كثيرة.

أيضاً من أسباب اختلاف المفسرين المحمود اختلاف القراءات: لا شك أن اختلاف القراءات فيه ثراء للمعنى وتوضيح له، سواء نحن نتكلم في الشيء القريب وهي القراءات المتواترة أما لما نأتي إلى القراءات الشاذة فهذا باب واسع كثير، لكن نحن نتكلم فيما هو قريب وهي القراءات المتواترة. لا شك أنها تثري المعنى والأمثلة على هذا أكثر من أن تُحصر، من ذلك ما ورد من القراءات في تفسير قول الله عز وجل: ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ حين لجأت امرأة العزيز إلى التصريح بعد أن استفرغت جميع أساليب التلميح ووسائل الإغراء مع يوسف فقالت بعبارتها (هيت لك) يعني أنها متهيّأة، ففيه من القراءات (هيت لك) بمعنى هلّم وأقبِل، وفيه قراءة (هِئتُ لك) أي حَسّنت هيأتي من أجلك، وفيه قراءة (هِيتَ لك) و(هَيْتُ لك) فيها جملة من القراءات.

أيضاً القراءات في قول الله عز وجل:﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ قراءة ابن عامر، وأبي بكر، عن عاصم {والله أعلم بما وَضَعْتُ}، القراءة الثانية قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو والكسائي وحمزة وحفص عن عاصم {والله أعلم بما وَضَعَتْ}. فإذا كان على القراءة الأولى فهي تتحدث عن نفسها {والله أعلم بما وَضَعْتُ}، وإن كان على القراءة الثانية فهي كما يقول العلماء جملة معترضة {والله أعلم بما وَضَعَتْ} قالوا إن فيه بيان لعلو شأنها وعلو مقام من وضعته فإن الله عز وجل وهو العليم سبحانه وتعالى بما وَضَعت ووَضَع غيرها لكن في هذا المقام فيه إعلاء لشأنها وشأن من وضعته كما ذكره المفسرون رحمهم الله تعالى.

أيضاً من أسباب الاختلاف بين المفسرين القول بالنسخ: والحقيقة الكلام في النسخ كلام طويل، والعلماء رحمهم الله ألّفوا في هذا، أبو جعفر ابن النّحاس ومكي بن أبي طالب والقيسي وابن الجوزي وغيرهم من العلماء كتبوا في النسخ في القرآن وللأسف النسخ في القرآن ما بين مُتوسّع في هذا الباب وما بين مُشدّد فيه، بعضهم يرى أن النسخ بلغ آيات في القرآن ومنهم من يرى أن النسخ ما يوجد إلا في موضع أو موضعين في القرآن والحقيقة أنه لا بد أن نصير إلى الشروط والضوابط التي كتبها العلماء سواء علماء أصول الفقه أو من كتبوا في علوم القرآن في مفردات مستقلة أو ضمن العلوم الأخرى.

الحقيقة ليس هناك شك أن إعمال النصوص كلها أولى من القول بالنسخ عندما نُعمل الناسخ والمنسوخ كلاهما نعمل بهما فهذا طيب هذا هو الأصل أي إعمال النصوص، لكن إذا وجدنا الشروط منطبقة وكل شيء فلا شك أننا صائرون إلى النسخ لكن لا شك أنه قد توسّع بعضهم سواء من المتقدمين أو من المتأخرين في النسخ حتى أدخلوا فيه ما ليس منه فاعتبروا التخصيص والبيان والتقييد من قبيل النسخ كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله ولذلك يقول: "ومن تأمل في كلامهم – يعني المتقدمين- رأى من ذلك فيه ما لا يحصى وذهب عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر".

أذكر لهذا قول الله عز وجل: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ قال السدّي رحمه الله: {قل العفو} هذا نَسَخته الزكاة وقال طاوس: العفو اليسير من كل شيء، وكان مجاهد يقول {العفو} الصدقة المفروضة، والحقيقة أن الآية مُحْكمة ولا تعارض بينها وبين ما ورد في شأن الزكاة المفروضة، فإن العفو هنا هو اليسير الزائد عن الحاجة، والزكاة لا تفرض إلا على الأغنياء ونصابها يسير وهي محددة المعالم ومن تُصرف له. فنحن نقول الزكاة على محلها والعفو الزائد أن الإنسان ينبغي له أن يتصدق وأن يبذل ما يستطيع.

أيضاً ما زعمه بعضهم أن آيات الإذن في القتال نسخت جميع آيات الصبر والعفو والإعراض والصفح، وهذا كلام غير صحيح! الصواب أن آيات العفو والصبر والإعراض والصفح تجري في بابها وفي مسارها ويجب أن يتحلى بها المؤمن ولها مواطنها التي تُحمد فيها وأيضاً آيات القتال لها مواضعها ولها أحوالها ولها شروطها وقيودها وكلام العماء في الجهاد وشروطه وأنواعه معروفة، فلا يعني أن هذه الآيات تنسخ هذه الآيات تلك على بابها وهذه على بابها والله المستعان.

أيضاً من أسباب الاختلاف الاختلاف في حمل اللفظ على الحقيقة أو المجاز: ومن ذلك اختلافهم في سور نحن نقرأها منها سورة المسد قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ المشهور انها أم جميل التي كانت تحمل الأشواك وتنثرها أمام بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاءً له فكان جزاؤها في الآخرة من جنس عملها في الدنيا، حيث تحمل الحطب على ظهرها في نار جهنم لتزداد النار حرارة والتهاباً وسعيرا عليها وعلى زوجها هذا قول وهذا هو الظاهر الحقيقة.

وهناك أقوال أخرى قيل أنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة فتنمي العداوة بينهم كما تزداد النار اشتعالاً وحرارة حين يلقى الحطب فيها، هذا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مجاهد وعن قتادة. وقيل حمالة الحطب: أنها كانت تعيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفقر ثم كانت تحتطب بنفسها فلماذا تعيرينه؟! وقيل أيضاً: أنها حمّالة الخطايا والذنوب فهي تحمل أوزار من صدّتهم عن دين الإسلام ومن شوّهت عندهم صورة الرسول صلى الله عليه وسلم والحمد لله الهداية لمن منّ الله بها عليه وضلّ من ضل فمن هداه الله فضلاً ومن حُرم الهداية عدلاً منه سبحانه وتعالى. فعلى كل حال لا مانع أن تُحمل الآية على هذه الأقوال وإن كان بلا شك أن الظاهر القريب هو أنها كانت تحمل الشوك وتضعه أمام بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إيذاءً له.

أيضاً من الأسباب تفاوت المفسرين في معرفتهم بالسنة النبوية: والعلماء رحمهم الله ذكروا أن من شروط المُفسر أن يكون ملمًّا بالسنة إما حفظاً ما تيسر مثلاً أو على الأقل مع الحفظ الاستظهار قد لا يكون الإنسان يحفظ لكن على الأقل يستظهر الحديث كذا وأيضاً يكون له دُرْبة ومعرفة بالرجال والحكم على الأسانيد هذه لا شك أنها مهمة فقد يبلغ الصحابي مثلاً الحديث وآخر لم يبلغه هذا الحديث فيدلي بقوله في تفسير الآية بناءً على ما وصل إليه وقد أحسن من انتهى إلى ما سمع.

من ذلك اختلاف الصحابة رضي الله عنهم أو بعضهم في عدة المتوفى عنها زوجها إذا وضعت الحمل هل تنقضي عدتها بوضع الحمل فينطبق عليها قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ أم تعتد بأربعة أشهر وعشرا وهي عدة المتوفى عنها زوجها في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ إلى آخر الآية؟ فرأى ابن عباس رضي الله عنهما أن المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً تعتد بأبعد الأجلين فلو توفي الآن وستضع غداً نقول لها خذي أربعة أشهر وعشرا، إذا كان الحمل في بداياته فقد تجلس ثمانية أشهر أو تسعة أشهر فتأخذ هذه العدة.

 

ورأى ابن مسعود رضي الله عنهما أنها إذا وضعت حملها قبل تمام الأربعة أشهر وعشر فعدتها بوضع الحمل واستدلوا بحديث (سبيعة الأسلمية) المُخَرّج في الصحيحين أنها توفي عنها زوجها وهي حامل، فلم تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته – يعني ولدت بعده بقليل- فلما تعلّت من نفاسها – يعني انتهت- تجمّلت للخُطّاب، فدخل عليها (أبو السنابل بن بعكك): فقال لها: ما لي أراك مُتجمّلة؟ لعلّك تَرْجِين النّكاح، إِنك والله ما أنت بِناكِح حتى تمُرّ عليكِ أربعة أشهر وعشرا. - مع أن الآية ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ - قالت سُبَيْعة: فلمّا قال لي ذلك، جَمَعْتُ عليّ ثيابي حين أَمْسيتُ فأَتَيْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَسَأَلْتُهُ عن ذلك؟ فأَفْتَانِي بأنّي قد حَلَلْتُ حين وَضَعْتُ حَمْلِي، وأَمَرَنِي بالتّزَوّجِ إِنْ بَدَا لي. فهذا الحديث واضح أنها تعتد بوضع حملها سواء كان أطول الأجلين أو أقل الأجلين ولعل الوقت في نهاياته أتوقف عند هذا الحد وأسأل الله عز وجل لي ولكم الفقه في الكتاب والسنة، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل