روائع البيان في السبع المثاني - (اهدنا الصراط المستقيم)

روائع البيان القرآني - د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات حصريًأ

أسرار البيان في السبع المثاني 
(اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين)

يأتي قول الله عز وجل (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهم غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾) (اهدنا) الهداية في القرآن دلالة وإرشاد وهي أيضًا توفيق وإعانة. حين يقول تعالى (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿١٦ النحل﴾) يسترشدون (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ﴿٧٣ الأنبياء﴾) يرشدون الناس، يدلّون الناس، يبيّنون للناس. عندما تسند الهداية إلى المخلوق فتكون بمعنى الإرشاد والبيان والتوضيح وعندما تسند الهداية إلى الخالق سبحانه وتعالى فتكون بمعنى الإرشاد ولكن يسند إليها معنى التوفيق. إذن حين نتوجه إلى الله (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) أي أرشدنا وفهّمنا ووفقنا وسددنا كل ذلك في فضل هذه الكلمة في الهداية القرآنية.
الصراط هو الطريق الواضح ولكن ربنا سبحانه وتعالى عبر به حتى يبين أن الوصول إلى مرضاة الله سيكون سريعًا لشأن مهم وهو أن الخط المستقيم هو أقصر مسافة بين أي نقطتين فمعناه الوصول سيكون سريعًا لأنك في معية توفيق الله وفي معية تأييد وحفظ الله سبحانه وتعالى والاستقامة في القرآن إنما هي سبيل الفوز والنجاة قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿٣٠﴾ فصلت) ويتبين لنا من هذا البيان القرآني (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) هذا الإحكام في الكلمات التي يقوي بعضها بعضًا في المعنى المقصود.

ثم تأتي الجملة الشارحة، الجملة البيانية، الجملة التفسيرية في قوله تعالى (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ ﴿٧﴾) الجملة الشارحة البيانية تفسّر ما قبلها. قد يسأل سائل ما الصراط المستقيم يا رب؟ فيبين ربنا: صراط الذين أنعمت عليهم، من الذين أنعمت عليهم يا رب؟ (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴿٦٩﴾ النساء) من هم يا رب؟ هم غير المغضوب عليهم، الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه مثال اليهود ولا الضالين الذين ضلوا حين غالوا في أمر أنبيائهم مثل النصارى هذا مثل لكنه عام وشامل في كل من يضل عن الحق (وَلاَ الضَّالِّينَ).

ولفظة آمين اسم فعل بمعنى استجب وليست من فاتحة الكتاب.

بهذا البيان ربنا سبحانه وتعالى يجمل المعاني العظيمة في ألفاظ دقيقة محكمة وأن المعنى المقصود تجد أن كل الكلمات تقويه وتسير في هديه كأن الكلمات ينادي بعضها بعضًا في الوصول إلى المعنى المقصود وليس هذا إلا في هذا الكتاب، إلا في القرآن الكريم فسبحان من هذا بيانه ومن هذا قرآنه وما يعقلها إلا العالمون وما يذكر إلا أولو الألباب.

وحين نتأمل قول الله عز وجل (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) في هذه الجملة الشارحة المفسرة في القرآن الكريم تجد الترابط والتماسك بين آيات القرآن الكريم. وهنا لطيفة: لما ذكر ربنا سبحانه وتعالى النعمة (أنعمت عليهم) صرح في ذكر الخطاب بذكر المنعم بالتاء (أنعمت) لما ذكر النعمة صرّح في الخطاب بالمنعم بالتاء (أنعمت) لأن هذا موضع التقرب من الله وهي النعمة التي تستوجب الشكر والأدب مع الله في حصول النعمة وبنسبة النعمة للمنعم (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴿٥٣ النحل﴾) كل علام التعالي وفيم التفاخر إذا كانت كل النعم من الله سبحانه وتعالى فمن الأدب نسب النعمة إلى المنعم والله سبحانه وتعالى يعلمنا هذا الأدب صرّح هنا في الخطاب بالمنعم (أنعمت) ولما صار إلى الغضب لم يصرح بذكر الغاضب فقال (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ) ليتعلم العبد التأدب مع الله بنسبة الفضل له وعدم نسبة الشر له سبحانه.

بعضهم يسأل: المؤمنون مهتدون، من يصلي هو رجل اهتدى وآمن بالله ويقول اهدنا الصراط المستقيم فما معنى طلب الهداية وهو قائم على الهدى؟ وهذا يجعلنا نطلب في نفس السياق (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴿١ الأحزاب﴾) ما معنى أن يصدر الأمر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بتقوى الله سبحانه وهو أتقى خلق الله لله وأعبد خلق الله لله؟ وقول الله عز وجل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴿136 النساء﴾) كيف يؤمر من آمن أن يؤمن؟ وكيف يدعو المهتدي بالهداية؟ فنقول: من اللسان العربي المبين في عربية القرآن أنه ليس المراد من الأمر إنشاء الأمر فقط، بدايته من جديد، أبدًا، وإنما هذا وجه من الوجوه وإنما المراد من الأمر لمن تلبس فيه ووكان فيه هو الزيادة منه والثبات عليه اهدنا الصراط المستقيم يطلب الثبات والدوام على الهداية والزيادة بتوفيق الله عز وجل في هذه الهداية وهذا كله من فضل الله سبحانه وتعالى. 

وهكذا نرى أن ربنا سبحانه وتعالى بهذا الإحكام وهذا البيان يجمع كل هذا البيان وهذه الروعة في هذه السورة التي يعتبرها علماء البيان أنها من براعة الاستهلال وهو أن يستفتح الإنسان كلامه بشيء يلفت الانتباه وبشيء يعبّر عن إشارات عن المعاني التي سوف يتناولها في كلامه المعاني والقيم التي يتحدث عنها حتى تكون تشويقًا للسامع والمشاهد وكيف أنها تضمنت المحاور والعناصر الرئيسة للقرآن الكريم فجاءت على هذا النحو المبين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل