برنامج تبيان - سورة عبس - 2

برنامج تبيان

سورة عبس -2

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة عبس – 2

المقدم: في الحلقة الماضية سمعنا من فضيلتكم توجيهات وإشارات حول الداعية إلى الله سبحانه وتعالى في طريقة دعوته للناس وهذه الحلقة بمشيئة الله تعالى سنشرع في تفسير ما تبقّى من آيات هذه السورة سورة عبس. قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ﴿١٥﴾ كِرَامٍ بَرَرَةٍ ﴿١٦﴾ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴿١٧﴾ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨﴾ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴿٢١﴾ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ ﴿٢٢﴾ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴿٢٣﴾﴾. ماذا عن أنوار وهداية هذه الآيات؟

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في الآيات الأولى من هذه السورة حديث عن قصة عبد الله بن أم مكتوم حين جاء يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من أمور دينه وكيف جاء توجيه ربنا جل وعزّ لنبيه صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الشأن. قال الله جل وعلا بعد ذلك: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾ فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾ٍ قال بعض المفسرين ﴿ كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ ﴿١١﴾﴾ أي ما يتعلق بقصة عبد الله بن أم مكتوم والأمر بالمساواة بين الناس في إبلاغ العلم، وقال آخرون من المفسرين المراد بالتذكرة هنا هذه السورة، وقال آخرون بل هي القرآن كله وهذا هو الصحيح أنه القرآن الذي من ضمنه هذه السورة ومن ضمنه الوصاة بالمساواة بين الناس في العلم وهذا الاختلاف هو من اختلاف التنوع في أقوال المفسرين.

﴿فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿١٢﴾﴾ أي من شاء ذكر الله جل وعلا في جميع أموره ومن شاء التزم هداه والتزم بما جاء في هذه التذكرة وهذا كما قال الله جل وعلا: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ليس المراد أن له أن يصنع ما شاء ولكنه قد مُنح من الاختيار ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.

قال الله جل وعلا: ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾ مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ ﴿١٤﴾﴾ أي هذه العظة وهذه السورة وهذا الكتاب الكريم الذي هو القرآن الكريم هو ﴿فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ ﴿١٣﴾﴾ أي جرى تكريمها ورفعها فهي عالية القدر وعالية المكانة وهي مطهرة من الدنس الحسي ومن الدنس المعنوي. أما الدنس الحسي فإنه ليس فيها شيء من الدنس والرجس، وأما الدنس المعنوي فليس فيها شيء من الكلام الذي لا ينبغي ولا هجر القول وليس فيها أيضًا زيادة ولا نقص بل هي مكرّمة ومطهّرة ومرفوعة أي عالية القدر والمكانة وهذه الصحف هي بأيدي سفرة. هؤلاء السفرة قال بعض المفسرين هم الملائكة، وقال آخرون: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فالمراد بالسفرة هنا الذين يُبلّغون كلام الله جل وعلا ويُبلّغون أمره ونهيه. فالملائكة سفرة باعتبار أنهم سفرة بين الله جل وعلا وبين الخلق ومن قال أنهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أو هم القرّاء فباعتبار أنهم هم الذين يُبلّغون هذا الهدى لبقية الأمة من بعدهم. وإن كان الأقرب أن المراد بالسفرة هنا هم الملائكة كما رجّحه ابن جرير عليه رحمة الله في تفسيره، وكما نقله البخاري عليه رحمة الله في صحيحه ولذلك قال عن هؤلاء السفرة أنهم كرام وبررة، أما كونهم كرام فلأن خُلُقهم كريم وشريف، وأخلاقهم وأفعالهم وسلوكهم طاهر بعيد عن الخَنا والزلل، وهم أيضاً بررة أي بارّون في أفعالهم وأقوالهم وتصرفاتهم. وإذا كان هذا على القول الثاني أن المراد بالسفرة هم القرّاء وحملة القرآن وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فهذا شأن واضح أنه ينبغي لحامل القرآن أن يتصف بهذه الصفات. وإذا كان المراد بالسفرة الكرام البررة هم الملائكة فإنه يؤخذ ويُستفاد من هذه الآية أنه ينبغي لحامل القرآن أن تكون أخلاقه كأخلاقهم، ولذا قال الحافظ بن كثير عليه رحمة الله في تفسيره: ومن هاهنا ينبغي لحامل القرآن أن يكون في أفعاله وأقواله على السداد والرشاد.

ولذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة " وهذا بالمناسبة هذا الحديث هو أحد الأدلة التي استدلّ بها أصحاب القول الأول الذين قالوا: أن السفرة هم الملائكة. ومثل هذا الاستنباط على القول الثاني أنه ينبغي لحامل القرآن أن يتخلّق بأخلاق حملة القرآن من الملائكة والسفرة الذين نقلوه إلينا، هذا من الاستنباط الذي يؤخذ من وحي هذه الآية. ولذلك قال بعض أهل العلم عند قول الله جل وعلا: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴿٧٥﴾ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴿٧٦﴾ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ ﴿٧٧﴾ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ ﴿٧٨﴾ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴿٧٩﴾﴾ قالوا: فإذا كانت صحف القرآن - على أيّ القولين في تفسير هذه الآية - لا يمسها إلا المتطهرون فإن حقائق القرآن لا تنالها إلا القلوب التي تطهّرت من الدنس، وتزكّت من رذائل الأخلاق بالعمل الصالح، ومثل هذا أيضاً ما ذكره بعض أهل العلم عند حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " لا تدخل الملائكةبيتاً فيه كلبولا صورة " قالوا: فكذلك حقائق الوحي لا تدخل قلباً فيه كلاب الشهوات أو المحرمات.

ثم قال تبارك وتعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴿١٧﴾ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨﴾ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴿٢١﴾ ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنشَرَهُ ﴿٢٢﴾ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴿٢٣﴾﴾.

(قُتل) في هذه الآية كما قال ابن عباس وجماعات من المفسرين أي لُعِنَ، وهذا خبر عن جنس الإنسان المُكذّب أنه لُعن هذا الإنسان، ما أشدّ كفره وتكذيبه! لأنه يُكذب ويكفر بدون مستند مع ظهور الدلائل والشواهد والحقائق التي تدعو مثله إلى الإيمان ومع ذلك هو أشد كفراً وأشد تكذيباً ولذلك قال الله: ﴿ قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ ﴿١٧﴾﴾ أي ما أشدّ كفره. وبعض المفسرين  احتمالاً آخر لمعنى قوله جل وعلا: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ أي ويحتمل أن يكون المراد أيّ شيء جعله كافراً؟ أي ما الذي حمله على هذا الكفر والتكذيب بما أخبر الله جل وعلا؟

ثم قال الله جل وعلا عن هذا الإنسان: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨﴾﴾ أي من أي شيء خلقه ربه جل وعلا؟ ثم جاء الجواب والجواب معروف، ولكن جاء الجواب لتقرير هذا الإنسان قال: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾﴾ من ماء مهين يخرج من أصلاب الرجال خُلق، من هذه النطفة فإذا هو خصيم مبين نعوذ بالله من حال أهل الضلال! ثم بعد أن خلقه من هذه النطفة قدّره أي جعل له أجلاً وقدراً: رزقه وعمله وشقي وسعيد.

﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾﴾ ثم هداه السبيل إما شاكراً وإما كفورا هذا هو الأقرب في تفسير هذه الآية. وذهب بعض المفسرين أن المقصود بقوله جل وعلا: ﴿ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾﴾ أي يسّر عليه خروجه من بطن أمه.

ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ ﴿٢١﴾﴾ أي بعد أن خلقه وقدّره وأعاشه ما شاء له أن يبقى في هذه الدنيا أماته بعد ذلك ثم أقبره أي جعله ذا قبر وليس كسائر الحيوانات والبهائم والوحوش إذا مات يُطرح على وجه الأرض وإنما كرّمه الله جل وعلا بأن علّمه كيف يقبر بعضهم بعضاً.

﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ﴾ ثم متى ما شاء جل وعلا أَنشَرَهُ وبعثه بعد ذلك ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ﴾ كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ فالله جل وعلا يخلق الإنسان من نطفة ثم يبقيه في هذه الدنيا ثم يميته ثم إذا شاء أعاده مرة أخرى.

﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ﴿٢٣﴾﴾ هذا خبر عن هذا الإنسان أي ليس الأمر كما يقول هذا الكافر ويفعل فلم يؤدي ما أمره الله به من الإيمان والعمل بطاعته جل وعلا.

شيخنا نفع الله بك في هذه الحلقة لعلنا نتناول التعريف بالاختلاف المحمود وأسباب ذلك الاختلاف المحمود وصور ذلك وأمثلته إن تيسّرت وما هي القواعد المهمة في التعامل مع اختلاف المفسرين؟

فليتفضل فضيلتكم.

صفحة أصول التفسير - فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر، أستاذ الدراسات العليا بكلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدمفي هذه الحلقة لعلنا نتناول التعريف بالاختلاف المحمود وأسباب ذلك الاختلاف المحمود وصور ذلك وأمثلته إن تيسّرت وما هي القواعد المهمة في التعامل مع اختلاف المفسرين؟

د. بدر بن ناصر البدر: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

هذه المسألة وهي تندرج في الكلام عن اختلاف المفسرين وهو الاختلاف المحمود هو قسيم الاختلاف المذموم وقد تحدثنا فيما سبق عن تعريف الاختلاف وما يرتبط به وعن نشأته وعن الاختلاف المذموم. الاختلاف المحمود هذا هو الغالب إن شاء الله في كتب التفسير ويُسمى أيضاً باختلاف التنوع، يقول عنه السيوطي في الإتقان هو: ما يوافق الجانبين، كاختلاف وجوه القراءة يقول أنه اختلاف ليس بالتضاد لكن يتوافقان في المُحصّلة النهائية أو في الهدف النهائي وهو تفسير الآية وكما سيأتينا إن شاء الله واختلاف التنوع بضرب المثال أو اختلاف التنوع  بإيضاح الصورة أو نحو ذلك مما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

وهذا كما يقول بعض العلماء يوجد حتى في تعاملنا مع الناس فتجد مثلاً أناسًا وجدوا رغيف خبز كما يقول شيخ الإسلام في مقدمته فبعضهم يقول: هذا رغيف، وبعضهم يقول: هذا خبز، وبعضهم يقول: هذا عيش مثلاً وهي كلها مؤداها واحد وإذا كان هذا سائغا وموجودًا في كلام الناس لا شك أن في كلام الله سبحانه وتعالى وما يحتمل من المعاني والقرآن لا يحيط بمعناه، القرآن مليء بالمعاني ولا شك وفق الضوابط ووفق الشروط التي ذكرها العلماء في المُفسّر المُؤهل الذي يدخل في خضم التفسير وفي معايشة كلام المفسرين وفي الترجيح بين أقوالهم.

إذاً هذا الاختلاف وهو اختلاف التنوع لا شك أنه مفيد في فهم المعنى ويثري الأقوال ولكن كما قلنا أن يكون اختلافاً محموداً لا أن يكون اختلافاً مذموماً إذا كان هذا اختلافاً محموداً واختلاف تنوع كما سيأتي إن شاء الله بيان أسبابه وذكر الأمثلة والصورة عليه سنجد إن شاء الله وسنقف سوياً على ثراء المعنى وعلى زيادة المعنى في الحدود المضبوطة لا أن يأتينا قول شاذ أو قول يخالف كلام المفسرين أو يناقض كلام السلف رحمهم الله هذا ولا شك لا يُقبل وسنختم الكلام كما بقواعد مهمة في التعامل مع اختلاف المفسرين فحياكم الله وأهلاً ومرحباً بكم.

إذاً ندخل إلى أسباب الاختلاف المحمود. الحقيقة جهود الباحثين في هذا المجال تُذكر فتُشكر، كتب الناس كثيراً حتى في القديم في كلام المفسرين منهم من أشار إلى أسباب هذا الاختلاف المحمود اختلاف التنوع إما في ثنايا كلامهم حول مسألة معينة أو في خضم ذكر أقوال المفسرين في الآية أو ما كتبه بعضهم في مقدمات تفاسيرهم أو في الدراسات الحديثة التي استقلت بالكلام عن اختلاف المفسرين فبعد السبر وبعد الجمع وبعد الترتيب يتبين أن أسباب الاختلاف بين المفسرين الاختلاف المحمود كثيرة من أهمها:

اختلاف التعبير: وهذا ما ذكرته في أول حديثي كأن يعبر كل مُفسر عن المعنى الواحد بعبارات شتى تدور كلها حول هذا المعنى، وتكتمل بها صورته ويستقر المعنى في الأذهان، وكل واحد يفسر المعنى بمثال عليه أو بلازم من لوازمه ومن ذلك قول الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام: ﴿ وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّـهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا ۗ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا ۖ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ رُويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ﴿أَن تُبْسَلَ﴾ أن تفضح. وقال: في قوله ﴿أُبْسِلُوا﴾ أي فُضحوا. وعنه في قوله: ﴿أَن تُبْسَلَ﴾ قال: تسلم. قال: أسلموا بجرائرهم.

وسأله نافع بن الأزرق في مسائله المعروفة ما معنى ﴿أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ﴾؟ قال: يعني أن تحبس نفس. فهنا كل هذه المعاني سواء الرهن أو الحبس أو الفضيحة متلازمة لا تناقض بينها. نسأل الله السلامة والعافية.

أيضاً مثال آخر في كون الإنسان يُعبّر بمثال أو بلازم له في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ﴾ قال الضحاك رحمه الله: ﴿ يُحْبَرُونَ﴾ أي في جنة يكرمون.

وهذا مروي قبله عن ابن عباس رضي الله عنهما. وعن مجاهد أنه قال: يُنعمون. وعن يحيي بن أبي كثير قال: لذة السماع في الجنة. وقال الأوزاعي: هو السماع.

ولا شك أن هذه المعاني صحيحة فهم في سعادة وفي حبور وفي نعيم ومن أمثلة هذا النعيم هذا السماع الذي يجدونه. كما نلحظ الحقيقة أن هذه المعاني لا اختلاف بينها ولا تضاد.

مثال ثالث أيضاً في قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ كلنا الحقيقة يتمنى أن يعرف من هم هؤلاء المخبتون؟ جاء بيانهم في الآية التي بعدها لكن كمفردة قرآنية في بيانها قال مجاهد رحمه الله: المطمئنون، وقال عمرو بن أوس: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظُلموا لم يَنْتصروا. وقال الضحاك: المتواضعون. وقال السدي: الوجلون. وكل هذه الصفات ولا شك أنها مجتمعة في المخبتين.

مثال مشهور يذكره كثير من المفسرين ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في قول الله عز وجل: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴿٦﴾ ما المراد بالصراط المستقيم؟

فُسّر بأنه القرآن، فُسّر بأنه دين الإسلام، فُسّر بأنه الطريق الهادي إلي الله، فُسّر بأنه طريق أهل السنة والجماعة، المنهج الصحيح، طريقة السلف. كل هذه الأقوال صحيحة نحن نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم ولا يمكن أن يكون إلا بالقرآن والقرآن معه الإسلام وكلها مرتبط بعضها ببعض.

السبب الثاني من أسباب اختلاف المفسرين المحمود أن يفسر بعضهم المعنى ببيان بعض ما يندرج تحته من أنواع، أو يفسره بذكر مثال له.

وهذا الحقيقة قريب من السبب السابق من ذلك ما ورد في تفسير قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّـهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّـهُ ﴾ رُويَ عن السلف رحمهم الله أقوال في المراد بالحافظات ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ قال قتادة: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ﴾ أي مطيعات لأزواجهن ﴿ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ أي: حافظات لما استودعهن الله من حقه، وحافظات لغيب أزواجهن. وعن مجاهد ﴿ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ﴾ أي للأزواج إلى غير ذلك من الأقوال التي كلها تصب في مسار واحد وهو بيان حق الزوج على زوجته.

من ذلك قول الله عز وجل: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ الحرج فُسّر بأنه عدم التعسير على الناس في الجمع والقصر في الصلاة، ما أحله الله للرجل أن يجمع في عصمته إلى أربع نسوة، ما جاء من الفطر للصائم إذا كان مسافراً أو مريضاً. وكل هذه ولا شك أمثلة على هذا الأمر.

سبب ثالث أيضاً اختلاف في عود الضمير، ولا شك أن معرفة الضمائر ودراستها مهمة جداً الحقيقة في بيان المعنى وقد يختلف المفسرون في هذا الباب فمن ذلك قول الله عز وجل: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّـهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ الضمير هنا في ربه فيه خلاف بين المفسرين فعن السدي وعن ابن أبي نجيح وابن إسحاق وعن مجاهد أنهم قالوا: ﴿ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾ أي قال: سيدي وهو زوج المرأة. ولا شك أنه لما اشتراه من الواردين الذين وردوا على البئر لما اشتروا يوسف عليه السلام أمر زوجته أن تُحسن إليه وهذا من تفرسه الحسن به فيوسف عليه السلام قال: إنه ربي إنه سيدي أحسن مثواي كرّمني وأعطاني قدري ومنزلتي فلا يمكن أن يخونه في أهله، هذا قول، والقول الآخر أنه يعود إلى الله عز وجل، إنه ربي جل وعلا الله الذي تكفّل بي وهيّأ لي نجاتي من البئر، ثم إني جئت في يد هذا الرجل الذي أكرمني أيضاً فرجح أبو حيان وغيره أن الضمير يعود إلى الله عز وجل أي إن الله ربي أحسن مثواي إذ نجاني من الجبّ وأقامني.

كثير من المفسرين رجحوا أن الضمير يرجع إلى الله تبارك وتعالى، على كل حال القولان لا أقول متساويان لكن أقول قريبان لكن مما يدل على ثراء المعنى عود الضمير.

هناك مثال آخر في ختام الحلقة أختم به قول الله عز وجل:﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ معروف عند المفسرين خلاف في مرجع الضمير في ﴿يَرْفَعُهُ﴾ قيل: يرجع إلى الله سبحانه وتعالى فهو الذي يرفع العمل الصالح وقيل: يرجع إلى العمل الصالح نفسه، فإن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب، وقيل أيضاً: يرجع إلى الكلم الطيب فهو الذي يرفع العمل الصالح. فكلاهما ينهض بصاحبه. هذا خلاف مشهور بين المفسرين.

 

أسأل الله عز وجل أن يمنحني وإياكم الفقه في الدين ومعرفة أسرار كتاب الله عز وجل ولنا إن شاء الله عودة أخرى إلى مُدارسة بقية الأسباب. هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل