روائع البيان في السبع المثاني - أسرار فاتحة الكتاب - 1

روائع البيان في السبع المثاني

أسرار فاتحة الكتاب – الجزء الأول
د. محمد داوود
تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

نتوقف لتدبر أم الكتاب، السبع المثاني، سورة الفاتحة. سورة الفاتحة لها أسماء تعبر عن عظمة هذه السورة وعن مكانة هذه السورة فهي السبع المثاني التي أخبر الله عز وجل عن فضلها وعن أنها فضل من الله سبحانه وتعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمته، لأمة القرآن، قال تعالى (ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم). أيضًا نجد أن هذه السورة سميت بأم الكتاب لأن المحاور الأساسية، القيم والمعاني الأساسية التي جاءت في القرآن الكريم قد أجملت في سورة الفاتحة فسميت بأم الكتاب وهي الفاتحة لأن الله عز وجل افتتح بها القرآن الكريم فجاءت في بداية سور القرآن الكريم.

أولها على الراجح (بسم الله الرحمن الرحيم) البسملة، (بسم الله). (الله) اسم علمٌ على ذات الحق سبحانه ولذلك أغلب العلماء على أنه اسم جامد وليس مشتقًا من ألِه أو إله على قول الرأي الآخر. و(الله) سبحانه وتعالى هو اسم علم على ذات الحق تأتي كل الأسماء بعد ذلك لتكون صفة لهذا الاسم فتقول: الله الرحمن، الله الرحيم، الله الملك، الله القدوس. يبين علماء البيان أن الاسم الذي هو علم على ذات الحق سبحانه هو لفظ الجلالة (الله) أما ما عداه فهو في الأصل صفات الملك القدوس الرحمن الرحيم السلام المؤمن، لكن يطلق عليها أسماء لأن الوصف في أساسه يتغير، أقول: هذا رجل كريم، كريم لأن ربنا سبحانه وتعالى تفضل عليه بسعة الرزق فهو ينفق وهو كريم لكن إذا تغيرت ظروفه وتحول غناه إلى فقر ربما يهتز هذا الكرم وتتغير صفة الكرم إما نقصًا وإما زوالا. ومن يطلق عليه شجاع، أيام الشباب كان شجاعًا فلما لحق به المرض وجاءته الشيخوخة قلّت شجاعته وانتقصت هذه الشجاعة أو زالت. الصفات تتغير في حق البشر ولكن الصفات في حق الله لا تتغير ولا تتبدل ولا تتعرض لنقص أبدًا هي دائمة هي ثابتة طول الأبد. (والله غفور رحيم)، الله غفور، الله رحيم، هل تتعرض صفة الرحمة أو المغفرة من الله للتغير؟ أبدا، ولا أنه لطيف بعباده ولا أنه ودود بعباده، أبدًا! فلما ثبتت واستقرت صفات الله عز وجل فلا تتغير ولا تتبدل ارتقت وسمت إلى مرتية الاسمية لأن الاسم لا يتغير ولا يتبدل، هذا رجل كان رجلا وسيبقى رجلا إلى أن يموت، لن يكون امرأة (إلا في حالات شاذة) لكن على التغليب هو رجل، فالاسم له الثبات، هذه شجرة لن تكون حيوانًا ولا جبلًا ولا شيئًا آخر سيظل الاسم كما هو، الاسم له الثبات فلما ثبتت واستقرت صفات الله عز وجل فارتقت إلى درجة الاسمية فسميت أسماء الله الحسنى.

أمر آخر في العلاقة بين الاسم والمسمى: يرد في القرآن (سبح اسم ربك الأعلى) وفي القرآن تجد أن التسبيح للذات (سبحان الذي أسرى بعبده) (فسبحان الله حين تمسون) التسبيح هنا للذات لكن في (سبح اسم ربك) التسبيح هنا لاسم الله، ويتساءل الناس هل التسبيح للذات أو لاسم الله عز وجل؟ إن العلاقة بين الاسم والمسمى علاقة وثيقة وإن الاسم يكتسب شرفه وقيمته من قيمة المسمى الذي يدل عليه، لما نقول عطر، جمال هذا العطر وطيب رائحته لا يتأتى من هذه الحروف المجردة العين والطاء والراء وإنما يتأتى من هذا الغاز والهواء الذي نشمه والذي له رائحة زكية نحبها. حين نقول رائحة خبيثة لا تحبها ليس اشمئزازنا من حروفها ولكن من المسمى التي تدل عليها هذه الرائحة الخبيثة. ولما كان لفظ الجلالة يدل على أعظم وأجل ما يكون، على الله سبحانه فأخذ الاسم أعلى مرتبة من التقديس فاستحق التسبيح لأنه يلحق بالمسمى وهو الله سبحانه وتعالى بذلك اكتسب لفظ الجلالة هذا التقديس وهذه القيمة وهذا التفرد فالتسبيح لله ولاسم الله عز وجل الذي يعبّر عن تقديس المسمى وهو الله سبحانه وتعالى.

(بسم الله الرحمن الرحيم) صفتان لله سبحانه وتعالى، الرحمن والرحيم. بعض الناس يقول هل هذا تكرار؟ كان يكفي الرحمن تدل على الرحمة والرحيم تدل على الرحمة أيضًا، نقول لا، هذا على سبيل العموم ولكن على سبيل الدقة والإحكام وقواعد اللسان العربي المبين بينهما فرق، على العموم كلاهما يدل على الرحمة لكن لو تدبرنا الرحمن على وزن فعلان ووزن فعلان في اللغة مثل عطشان يأتي لتعظيم الصفة ولقوة الصفة. أما الرحيم على وزن فعيل الذي يأتي في اللغة لدوام الصفة فالرحمن الرحيم تضيف لمعنى الرحمة، الرحمن أي عظيم الرحمة الرحيم دائم الرحمة، فكأن ربنا يقول بسم الله الرحمن عظيم الرحمة الرحيم دائم الرحمة. (بسم الله الرحمن الرحيم) يُبتدأ بها لأن الله أمر بها في القرآن، قال تعالى (اقرأ بسم ربك) الله سبحانه وتعالى أمرنا هنا وأمر نبيه أن يقرأ بسم ربك الذي خلق فلما يأتي لقرآءة القرآن يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم استجابة لأمر الله عز وجل ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المؤمن يبتدئ كل شيء ببسم الله لأن الباء هنا (بسم الله) الباء للاستعانة بالله سبحانه وتعالى حتى يتحصل المؤمن على بركة الله وتأييد الله ومعونة الله في كل الأمور.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل