آية غيّرتني - (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ الأحزاب)

آية غيّرتني - (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ الأحزاب)

د. رقية العلواني
(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا) 

الأمان
/>
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

كلنا اليوم ينشد الأمان، كلنا يبحث عن الاستقرار، أفراد، مجتمعات، دول، الكل يطلب الأمن والأمان. ولكن يا ترى من أين يأتي الأمن والاستقرار والأمان؟! كيف يحقق الإنسان في حياته كفرد والمجتمعات والدول ذلك الأمان؟! وهل أجاب القرآن بالفعل عن هذا التساؤل الذي يحيّر الإنسان في المجتمع المعاصر أكثر من أي وقت مضى؟ بالتأكيد الأمان من أعظم النعم يُنعم الله سبحانه وتعالى بها على البشر ومن هنا امتنّ على قريش فقال (الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ﴿٤﴾ قريش) فلا يمكن أن يتحقق رخاء ولا استقرار بوجود الخوف، بوجود القلق، لا يمكن أن يهنأ للإنسان بال وهو خائف مترقب، فكيف يا ترى أجاب القرآن عن كل هذه التساؤلات؟
القرآن يجيب ويعالج مسألة الأمن من جذورها، القرآن حين يتعاطى مع المسائل المختلفة في حياة الأفراد والمجتمعات يعالج من الجذور، يعالج من الأساس، يعالج بعمق ولذا نجد أن القرآن حين تعرض لمسألة الأمن والاستقرار ربط هذه المسألة بمفاتحها فمفتاح الأمن والأمان: الإيمان والأمانة. والربط بين الإيمان والأمانة في القرآن واضح، بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لا إيمان لمن لا أمانة له. ولكن يا ترى ما معنى الأمانة؟ البعض منا يعتقد أن الأمانة مجرد أن يودع أحد الأشخاص مبلغًا من المال، دراهم دنانير معدودة وعلى الطرف الآخر أن يعيدها إليه حال سؤاله لها. الحقيقة أن الأمانة أوسع من ذلك بكثير جدًا. الأمانة تدخل في كل جزئيات حياتنا، الأمانة تدخل في الكلمات التي نقول، بل الأمانة تدخل في الكلمات التي نسمع، الأمانة تدخل حتى في الأشياء التي وهبني الله عز وجل إياها، السمع، البصر، الفؤاد، العقل، الوقت، المال، الصحة، كل شيء، كل جزئية، ليس ثمة مجال من مجالات الحياة إلا وتدخل فيه الأمانة بل إن العلاقة الكبرى التي تربط بيني وبين خالقي عز وجل هي أمانة سأُسأل عنها وتأملوا في قوله عز وجل (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴿٧٢﴾ الأحزاب). الأمانة التزام، الأمانة أعباء، الأمانة مسؤولية، ولذلك بعض العلماء عرّف الأمانة بأنها كل التكاليف، كل ما افترضه الله عز وجل عليّ. وأنا أقول أن الأمانة هي كل شيء في حياتنا لا يمكن إلا أن تدخل فيه الأمانة.

ولذلك في هذه الحلقة نحن نريد أن نركز على موضوع العلاقة بين الأمانة والأمن وإلا فإن مجالات الأمانة واسعة جدًا سنتطرق إلى الكثير منها في حياتنا ومواقفنا التي نعيش. ولكن العلاقة بين الأمن والأمانة: الأمن هو ثمرة، هو نتيجة، الأمن هو مكتسب يكتسبه الفرد والمجتمع ولكن يا ترى متى؟ حين يقوم الفرد بإيصال الأمانات إلى أهلها، حين يصبح الأفراد مجموعة من الأمناء، حين يشيع وينتشر خُلُق الأمانة في كل جزئيات الحياة، هنا يشعر الإنسان فعلًا بالأمان الحقيقي وليس الأمان المصطنع لأن العجيب في القرآن أن القرآن لا يحدثني فقط عن الأمان بشكله الظاهري وعدم الخوف، القرآن يحدثني عن الأمان الداخلي في داخل الفرد ويحدثني عن الأمان خارج الإنسان وخارج الفرد في المجتمع. الأمان الداخلي الذي يجعل الإنسان يعيش بعيدًا عن الخوف، بعيدًا عن القلق، يشعر بأنه متصالح مع نفسه متصالح مع من حوله، هذا النوع من الأمان القرآن يتحدث عنه وكِلا الأمانين: الأمان الداخلي وما يمكن أن نطلق عليه الأمان الخارجي ثمرة ومكتسب لأمانة الفرد، لحرصه على أداء ما افترضه الله عز وجل عليه، لحرصه على التعامل بالشكل الذي فرضه وأوجبه ربي سبحانه، بحرصه على أداء الحقوق، بحرصه على أداء التزاماته، العبادة أمانة كما ذكرنا قبل قليل الأمانة الكبرى الأساس في حياتي أن الله قد عينني خليفة على هذه الأرض (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً (30) البقرة). هذه الخلافة هي أمانة سأُسأل عنها علي أن أؤديها إلى من أمرني بأدائها والحرص عليها. أعمالي، وظائفي، التزاماتي، تعاملي، سلوكي، أخلاقياتي، أمانة. كل هذه الجوانب في حياتي متى ما ترقيت في إيصالها بشكلها الذي ينبغي أن تكون كلما شعرت بالأمان الحقيقي في حياتي، كلما ابتعدت وتخلصت من الخوف. الخوف من أين يأتي؟ يأتي من تزعزع الإنسان وثقة الإنسان بما حوله ومن حوله. القرآن يحقق الأمانة بين الأفراد حين يُشعر الإنسان أنه في مأمن على عرضه ونفسه وماله وحياته ولا يمكن أن يتحقق ذلك الأمان إلا بالتزام الآخرين بما ينبغي أن يكون لهذا الشخص عليهم من حقوق وبما يؤدونه من واجبات. ولذا كما سنتعرض في حلقات ولقاءات قادمة بإذن الله عن الأمانة في الكلام، الأمانة في السماع، الأمانة في استعمال الحواس (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴿٣٦﴾ الإسراء) لماذا يا رب؟ لماذا يا رب تجعل جهاز المراقبة عند الإنسان بهذه الدقة؟ للحافظ على الأمانات، أعراض الناس وحقوق الناس أمانات سنُسأل عنها والمجتمع الذي ينشد الأمان لا يمكن أن يحققه إلا من خلال سلسلة من السلوكيات والتصرفات الواعية من بين أفراده، تلك التصرفات التي تنعكس على أدائهم في وزارات وفي مؤسسات وفي أعمال مختلفة وفي كل الوظائف الصغيرة كما الكبيرة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل