برنامج تبيان - سورة القيامة - 2

سورة القيامة – 2

سورة القيامة -2

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: وقف بنا التفسير في الحلقة الماضية عند سورة القيامة في تفسير قوله تبارك وتعالى (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) القيامة).

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد،

(لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) القيامة).

هذه الآيات الأربع هي في تعليم الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم كيفية تلقي الوحي من الملك إذا نزل عليه بالقرآن. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما يعالج من التنزيل شدّة فكان يحرك شفتيه بالقرآن فأنزل الله جل وعلا (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17)) والسبب في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي كان يتلقى أول، القرآن أول الوحي فيحرك شفتيه خشية أن ينسى أوله قبل أن يفرغ من آخره، فأنزل الله جل وعلا عليه هذه الآيات وقال سبحانه (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)) لا تعجل بالقرآن ذلك (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17)) أي نحن نجمعه في صدرك لتقرأه بعد ذلك فإذا قرأناه عليك (فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ) فاستمع وأنصت لهذا القرآن الذي ينزل عليك ويأتيك به الملك عليه السلام (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ(19)) أي نحن نبيّنه لك، نوضحه، ونفسره، فالحالة الأولى هي جمع القرآن في صدره صلى الله عليه وسلم حتى يعيه ويثبت والثانية تلاوته والثالثة تفسيره وإيضاح معانيه وبيانه.

ثم قال الله جل الله (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25))

يقول جل وعلا في هذه الآيات (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)) هذا خطاب للمشركين المكذبين بالقرآن وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أن السبب الذي يحملهم على التكذيب هو حبهم للعاجلة وتركهم وتكذيبهم بيوم القيامة. وكما قلنا في أكثر من موضع أن القرآن يؤكد دائماً على أن من أسباب الضلال والإنحراف والإقبال على الدنيا والرغبة فيها الغفلة عن الآخرة والتكذيب بها وعدم استشعار ما فيها من الأهوال والشدائد. هذا الأمر ينطبق على الكفار أول ما ينطبق وينطبق أيضاً على آحاد عصاة المسلمين كلٌ بحسب قربه وبعده فمستقلٌ ومستكثر، فأعظم ما يوقع الإنسان في المعاصي صدوده وإعراضه عن الآخرة وأعظم ما يدفعه لالتزام الطاعة والبعد عن المعصية هو تذكره لهذا اليوم شديد الهول نعوذ بالله من أحواله وأهواله!. قال الله جل وعلا (كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (21)) ولاحظ كيف سماها القرآن عاجلة فهي تأتي عجلى وتذهب عجلى أيضاً، (وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ) تعرضون عنها ولا تركنون إليها وتعملون لها.

قال الله جل وعلا في ذلك اليوم في الآخرة التي تذرونها الناس ينقسمون إلى قسمين وهذه دائماً ما يؤكد عليها القرآن إنقسام الناس إلى فريقين: فريق في الجنة وفريق في السعير، فريق تبيض وجوههم وفريق تسود وجوههم نعوذ بالله من ذلك!. قال الله جل وعلا (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)). يقول الله جل وعلا (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22)) أي من النضارة والحسن والبهاء والإشراق بسبب هذا النعيم الذي توقعته ورأته ثم بعد ذلك تنعّمت فيه بعد دخول الجنة وفي عرصات القيامة مما ينالها من الخير والنعيم. هذه النضرة التي أصابتها والبهاء والحسن بسبب النعيم الذي نالها والرضا الذي حظيت به من الله جل وعلا، وأعظمه وأكمله وأتمه ما ذكره الله جل وعلا بعد ذلك حين قال (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) وحُقّ لها أن تكون نضرة وتكون مشرقة بهية كيف لا وهي تنظر إلى ربها جل وعلا. ورؤية الله جل وعلا هي من الأمور الثابتة في كتاب الله كما في هذه الآية وثابتة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم في غير ما حديث بل هو من القضايا التي تواترت في السنة النبوية كما قال الناظم:

مما تواتر حديثُ من كذب

ومن بنى لله بيتاً واحتسب

ورؤيةٌ شفاعةٌ والحوض رؤية (أي رؤية الله جل وعلا يوم القيامة لأهل الجنة والشفاعة حصول الشفاعة للمؤمنين والحوض حوض النبي صلى الله عليه وسلم)

ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذي بعضه

قد جاء في الحديث عن صهيب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا دخل أهل الجنة الجنة قال: يقول الله تعالى تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب فما أُعطوا شيئاً أحبّ إليهم من النظر إلى ربهم، وهي الزيادة ثم تلا قول الله جل وعلا (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ (26) يونس). هناك أحاديث كثيرة أخرى تدل على هذا النعيم نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ووالدينا وإخواننا وأزواجنا وذرياتنا والمستمعين ممن ينال هذا النعيم ولا شيء أعظم من النعيم من النظر إلى وجه الله جل وعلا. قد جاء في الحديث عند الإمام أحمد عليه رحمة الله عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم إن أدنى أهل الجنة منزلة لينظر في ملكه ألفي سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه ينظر إلى أزواجه وخدمه) هذا أدنى أهل الجنة نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم، إذاً ما أفضلهم؟ (قال: وإن أفضلهم منزلة لينظر إلى وجه الله كل يوم مرتين) لك أن تتصور هذا الفضل العظيم، هذا البون الشاسع بين أدناهم وأعلاهم وكلهم من أهل الجنة، أدناهم من ينظر في ملكه ألفي سنة، هذا الأدنى، أما الأعلى فهو من ينظر إلى وجه الله جل وعلا كل يوم مرتين. إذاً هذا النعيم هو أعظم النعيم وهوأعلاه وهو أشرفه نسأل الله جل وعلا ألا يحرمنا فضله بذنوبنا وأن ينعم علينا بفضله ورحمته جل وعلا.

قال الله جل وعلا (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)) هذا التقديم (إلى ربها ناظرة) للإهتمام يعني هي تنظر إلى الرب جل وعلا وتنظر إلى ما أعطاها من النعيم ولكن هذا التقديم أيضاً من الأشياء التي يفيدها الإهتمام بما سينظرون إليه وهو رؤية الرب الكريم في جنات النعيم. ثم تأمل كيف قال الله (إِلَى رَبِّهَا) إختيار لفظ الرب بما فيه من العناية والرعاية للمربوبين.

قال الله جل وعلا بعد ذلك في بيان الصنف الآخر (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)) هذا الصنف الآخر من صنوف الناس يوم القيامة الذين تكون وجوههم باسرة أي كالحة مسودة متغيّرة نعوذ بالله!! والسبب في ذلك أنها تظن أي قد أيقنت والظنّ هنا بمعنى اليقين - وبالمناسبة الظن في القرآن كما في لغة العرب يأتي بمعنى الأمر الذي فيه شك ويأتي بمعنى اليقين - ومنه قول الله جل وعلا عن المؤمنين الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم أي يوقون أنهم ملاقون الله جل وعلا. هذا الذي جعل وجوههم باسرة أنهم قد أيقنوا أنه سيقع عليهم أمر عظيم داهية كما قال الله (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)) أي داهية من الأمر وشرّ عظيم. إذاً أولئك أصبحت وجوههم بهية مشرقة لأنها إلى ربها ناظرة وهؤلاء وجوههم باسرة لأنهم قد أيقنوا أنه يفعل بهم فاقرة نعوذ بالله من حالهم!.

أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: ذكرتم في الحلقة الماضية عن أسباب النزول الصريحة وغير الصريحة فما المراد منها؟

د. مساعد:بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. كما ذكرتم أنه مرّ عبارة سبب النزول الصريح وسبب النزول غير الصريح ولعلنا نبين في هذا اللقاء ما المراد بهاتين العبارتين. إذا رجعنا إلى تعبيرات الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن النزول سنجد أننا يمكن أن نقسم هذه العبارات إلى قسمين:

1.      ما يكون تعبيراً عن نزول مباشر هذا يسمى سبب النزول الصريح.

2.      وما يكون تعبيراً عما يدخل في معنى الآية يسمى سبب نزول غير صريح.

وأيضاً باستقراء عبارات الصحابة رضي الله تعالى عنهم نجد أن عبارة (فأنزل الله) أو عبارة (فأُنزلت) أو عبارة (فنزلت) الدالة على التعقيب تكون من العبارات الصريحة. إذاً هي قرينة في أن يكون سبب النزول صريحاً. من أمثلة ذلك ما رواه الإمام البخاري عن ابن مسعود في قوله تعالى (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ (22) فصلت) قال: كان رجلان من قريش وختنٌ لهما من ثقيف أو رجلان من ثقيف وختنٌ لهما من قريش في بيت فقال بعضهم لبعض: أترون أن الله يسمع حديثنا؟ قال بعضهم يسمع بعضه وقال بعضهم لئن كان يسمع بعضه لقد يسمع كله فأُنزلت (وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ (22) فصلت). كذلك روى الإمام البخاري عن خباب قال: جئت العاص بن وائل السهمي أتقاضاه حقاً لي عنده، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقلت لا حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟! قلت: نعم، قال: إن لي هناك مالاً وولداً فأقضيكه فنزلت (أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) مريم).

ناك طبعاً أمثلة كثيرة في هذه الصيغ لعلنا نكتفي بهذا القدر لعل منها قصة عبد الله ابن أبي بن سلول المشهورة لما صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال عمر له أو راجع عمر فقال صلى الله عليه وسلم إنما خيّرني الله  فقال (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً (80) التوبة) وسأزيد على السبعين، قال إنه منافق قال: فصلى عليه الرسول صلى اله عليه وسلم أنزل الله (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) التوبة). فهذه العبارات التي سبقت كلها نلاحظ أنها جاءت بفاء التعقيب وهي قرينة في سبب النزول الصريح.

لكن قد يرد غير هذه العبارات لكن يؤخذ من سياق القصة أنها سبب نزول صريح ومثلها قصة عمر التي سبق أن ذكرناها قبل قليل ففي أحد الروايات أنه قال أي عمر: ثم انصرف أي الرسول صلى الله عليه وسلم بعد صلاته على عبد الله بن أبي ابن سلول فلم يمكث يسيراً حتى نزلت الآيتان من براءة) فقوله (حتى نزلت الآيتان من براءة) هي مثل قوله (فنزلت). فإذاً الأصل في هذه العبارة أن تكون من أسباب النزول الصريحة التي يرويها الصحابي مباشرة ولها حكم المرفوع. لكن لو ظهر للمجتهد أن هذه العبارة وردت في غير السبب الصريح فإن له أن يحكم بذلك ويظهر هذا من خلال المثال. مثال ذلكما رواه البخاري عن عبد الله بن مسعود قال (جاء رجل إلى رسول الله قال: يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تدعو لله نداً وهو خلقك، قال ثم أيّ؟ قال ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال ثم أيّ؟ ثم أن تزاني بحليلة جارك) فأنزل الله عز وجل تصديقها (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) الفرقان)، فعبارة (فأنزل الله) التي قالها ابن مسعود في هذا المقام لا يريد بها سبب النزول المباشر وذلك ظاهر من النص وإنما مراده أن ما في الآية هو ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم، فكأنها مصداق ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم. وكذلك ما رواه مسلم عن شقيق بن عقبة عن البراء بن عازب قال: نزلت هذه الآية (حافظوا على الصلوات وصلاة العصر) فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى (238) البقرة) فهذه أيضاً ليست من أسباب النزول وإنما حكاية لكيفية نزول هذه الآية.

فإذاً قد ترد عبارات فيها هذه الفاء التعقيبية ولكن لا تكون في سبب نزول صريح. وهذا إذاً يكون الرجوع فيه إلى تحرير المقام في المثال فنجعل عبارة السبب التي تبتدئ بفاء التعقيب (فأنزل الله – فنزلت – فأنزلت) أنها قرينة من قرائن سبب النزول المباشر. طبعاً سبب النزول الصريح يبنى عليه التفسير ولا تجوز مخالفته بل يكون دليلاً على بطلان التفسير الذي يخالف ما دلّ عليه السبب وهذه فائدة معرفة أسباب النزول. وللعلماء عبارات تدل على أهمية أسباب النزول ذكرها من كتب في أسباب النزول وعندنا من الأمثلة في ذلك في هذا المقام وهو مقام تأثير سبب النزول في فهم الآية وتوجيه معناها في قوله سبحانه وتعالى (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (189) البقرة) فقد ورد عن البراء قال: قد كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها فأنزل الله (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا (189) البقرة)، فهذا واضح أنه صريح السببية وأن المراد بالبيوت البيوت المسكونة. ورد عن أبي عبيدة بن عمر بن المثنى وهو توفي سنة 210هـ قال في معنى الآية (اطلبوا البر من آله ووجهه ولا تطلبوه عند الجهل من المشركين) هذا المعنى الذي ذكره أبو عبيدة هو معنى لغوي محتمل لولا ورود هذا السبب الذي يقطع أن البيوت هي البيوت المسكونة. فإذاً في مثل هذا المقام نقول ما قاله أبو عبيدة وإن كان له وجه عربي محتمل إلا إنه غير مراد بالآية وإنما المراد بالآية ما ذكره هذا الصحابي من أن سبب نزول هذه الآية هذه العادة الجاهلية في دخول البيوت بعد أن يعقد المحرم النيّة ويتلبّس بالإحرام، فإذا تلبّس بالإحرام وأراد أن يأخذ من بيته شيئاً أو تلبّس بالإحرام فإنه إذا أراد أن يدخل بيته فإنه لا يدخله من بابه وإنما يدخله من ظهره أو ينقب نقباً كما ورد في بعض الآثار.

كذلك عبارات التابعين وأتباع التابعين في أسباب النزول هي نفس ما ورد عن الصحابة. فأيضاً نلاحظ أنه قد يذكر الإسناد إلى الصحابي فيكون هذا من المنقول عن الصحابي أو قد يكون من مرسل التابعي أو من مقطوع تابع التابعي فإذاً معنى ذلك إذاً أن أسباب النزول قد ترد عن التابعين وعن أتباع التابعين مثل ما رواه الطبري عن مجاهد قال: (كانوا يسافرون ويتزودون فنزلت (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى (197) البقرة) فهذا له حكم المرفوع وبما أنه عن تابعي فإذاً فيه إرسال لأنه يحكي حدثاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرسلاً لأنه أسقط الصحابي. سواءً كان من قبيل المرسل أو من قبيل المقطوع فإن هذا له معالجة ذكرها بعض العلماء ومنهم الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه النفيس (مقدمة في أصول التفسير) ذكر قاعدة مهمة جداً في هذا الباب وكذلك ذكرها ابن حجر وكذلك ذكر السيوطي في لباب النقول ذكروا قواعد في ما يتعلق بأسباب النزول منها أن المراسيل إذا تعددت طرقها وخلت عن المواطأة قصدًا أو بغير قصد كانت صحيحة قطعاً كما ذكر شيخ الإسلام في المقدمة لتي ذكرتها. فإذاً لها طريقتها ومعالجتها في ما يتعلق بالقبول أو عدم القبول ومثلها أيضاً ما ينقل عن أتباع التابعين في هذا المقام.

 

إذاً أسباب النزول سواء كانت صريحة أو غير صريحة منها ما هو منقول عن الصحابة ومنها ما هو منقول عن التابعين أو أتباع التابعين ولكل معالجته من خلال دراسة الأسانيد. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل