برنامج تبيان - سورة الإنسان - 3

برنامج تبيان

سورة الإنسان - 3



صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).


المقدم: وقف بنا الكلام إلى قوله جلّ وعلا من سورة الإنسان (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا ﴿٢٣﴾ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴿٢٤﴾ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٢٥﴾ وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴿٢٦﴾ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴿٢٧﴾ نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿٢٨﴾)

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول الله جلّ وعلا مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا) فالله تبارك وتعالى أنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم القرآن وقد أُكِّد هذا التنزيل بالمفعول المطلق (تَنْزِيلًا) فإذن لا شك أن القرآن منزّل من عند الله جلّ وعلا غير مخلوق وهذا من دلائل أهل السنة والجماعة على هذه المسألة.

قال الله تبارك وتعالى (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) لاحظ قول الله جلّ وعلا (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) حيث جاء الأمر بالصر معقبًا بالفاء بعد قوله جلّ وعلا (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا) إذن تنزيل القرآن يحتاج بعد ذلك إلى صبر، يحتاج إلى صبر من جهة القيام بما فيه من الأوامر والانتهاء عما فيه من الزواجر ويحتاج إلى صبر في الدعوة إليه والقيام بأمره ومجاهدة أعدائه جلّ وعلا الذين لم يؤمنوا وكذبوا به ولذلك قال الله تبارك وتعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا ﴿٢٣﴾ فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) فهذا التعقيب بالأمر بالصبر بعد نزول القرآن لا شك أنه مراد. ولذلك قال من قال من أهل العلم: أن الدين نصفان، نصف صبر ونصف شكر ولا شك أنه لا يستطيع أحد السير إلى الله جلّ وعلا أو القيام بأمره دون زاد الصبر، الصبر على طاعة الله وعن معصية الله وعلى أقدار الله، ومن أعظم الصبر القيام بأمر الله جلّ وعلا في دعوة الخلق وهدايتهم ومجاهدتهم حتى يستقيموا على أمر الله جلّ وعلا.

قال الله (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) وحكم الله جلّ وعلا كما جاء في النصوص: حكم الله القدري وحكم الله الشرعي. حكم الله القدري ما قدّره الله جلّ وعلا وقضاه على عباده في هذه الدنيا وأما حكمه الشرعي فهو ما حكم به جلّ وعلا من الأوامر والنواهي في شرعه فالله تبارك وتعالى يأمر نبيه أن يصبر لحكمه الشرعي وحكمه القدري فالآية تشمل هذا وذاك. ولاحظ الإضافة حيث قال (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) فأتى بالاسم الدالّ على الربوبية فأنت إنما تصبر لحكم ربك الذي خلقك وهو يملكك الذي نشأك من حال إلى حال، الذي رباك بالنعم، هو خالقك،  هوسيدك، هو مولاك فما بك من نعمة فمن الله، فأنت إنما تؤمر بالصبر لحكمه جلّ وعلا وإذا كان هو حكم ربك فحق عليك أن تصبر له لأن الإنسان الذي يجزع ولا يصبر هذا فيه شيء من مضادة التعبد لله جلّ وعلا، كيف تعترف أنك عبد لربك جلّ وعلا ثم بعد ذلك لا تصبر لأمره جلّ وعلا؟! قال الله (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ).

ثم قال، قضية أخرى (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) هذه القضية لها تعلّق بقوله (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ تَنْزِيلًا) حين أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه القرآن وأنزل فيه هذه الشريعة وهذه الدعوة أمر الناس بالإيمان، لا بد أن يكون هناك من يتنكّب الطريق، من لا يؤمن، ومن يقف في وجه دعوة المرسلين، قال الله عنهم (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) لا تطعهم في ترك الدعوة، لا تطعهم في ترك جزء من أجزائها، لا تطعهم حين يدعونك إلى شيء من متاع الدنيا حتى تترك ما أنت عليه من الدعوة إلى الله جلّ وعلا وإلى دينه. لا تطع كل من كان آثما أو كفورا، ذلك لأنهم قطعًا إنما يدعونك لمعصية الله جلّ وعلا. والله تبارك وتعالى هنا علّق الحكم بالوصف وما علقه بالأشخاص، ما قال لا تطع فلان ولا علان وإنما قال لا تطع كل من كان آثمًا أو من كان كفورًا فمن كان يتركب الآثام أو كان كافرًا بالله فلا تطعه لأنه لو كان فيه خير لنفع نفسه إنما يدعوك لمعصية الله تبارك وتعالى وإلى الآثام فلا تطعهم. فهذا الأمر في قوله جلّ وعلا (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) والزجر في قوله (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا) هو أمر للنبي صلى الله عليه وسلم وأمر لأتباعه من بعده من العلماء وطلبة العلم والدعاة وأهل الإسلام أن يصبروا لحكم الله وأن لا يطيعوا كل من كان آثما أو كفورًا (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) القلم) قد كان المشركون يودّون لو أن النبي صلى الله عليه وسلم تنازل عن شيء من دينهم، لو طاوعهم، لو هانهم، لو تنازل عن بعض الأمور التي يرون فيها شيء من الغضاضة ولكن الحق أحق أن يتبع (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آَثِمًا أَوْ كَفُورًا). ولما كان هذا الصبر على حكم الله جلّ وعلا والقيام بهذه المهمة العيمة الدعوة إلى الله، لما كان يحتاج الأمر إلى زاد أعطاه الله تبارك وتعالى وأرشده إلى الزاد الحقيقي فقال (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴿٢٥﴾) أمره بذكره جلّ وعلا في كل الأوقات وفي كل الأحوال ولكن من أهم وأفضل هذه الأوقات البكرة والأصيل أول النهار وآخره. وهذا الذكر يشمل الذكر المطلق ويدخل فيه حتى الصلوات لأنها إما تكون في أول النهار أو في آخر النهار فتشمل صلاة أول الليل المغرب و العشاء (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴿٢٦﴾) سواء في ذلك صلاة النافلة أو صلاة الفريضة. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا ﴿٢٦﴾) هذا فيما يتعلق بقيام الليل ويدخل فيه التسبيح والتنزيه والذكر وأعظمه وأجله أيضًا صلاة الليل وقد جرى الحديث عن جزء منها وما أُمر به النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بقيام الليل في تفسير سورة المزمل.

قال جلّ وعلا (إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴿٢٧﴾) هؤلاء الكفار، هذا الآثم أو الكفور يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا، هذه صفة في كل من كذّب وخالف أمر الله جلّ وعلا أنهم  يحبون المتاع العاجل، يحبون هذه الدنيا ويدعون ما يستقبلهم يوم القيامة من العذاب والعياذ بالله! ولذلك نهي أهل الإيمان عن متابعة هؤلاء الكفار أو الاغترار بما هم عليه من هذا الأمر (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ ﴿١٩٦﴾ مَتَاعٌ قَلِيلٌ)(آل عمران) ما ترى عليه الكفار من النعيم ومن متاع الدنيا إنما هو متاع قليل زائل، أولًأ هو زائل والأمر الثاني أنه لا وجه للمقارنة بينه وبين ما أعدّ الله تبارك وتعالى لعباده الصادقين المؤمنين من النعيم في الآخرة.

(إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا ﴿٢٧﴾) لاحظ هذا التعبير في المقابلة (العاجلة – اليوم الثقيل) هذه التي يحبونها وهذا هو الشيء الذي ينسونه كما قال الله تبارك وتعالى عنهم (فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) التوبة) والعاقل أيًّا كان لا يؤثر القليل على الكثير ولا يؤثر الفاني السريع على الشيء الذي يمتد فترات طويلة فكيف إذا كان الشأن "خالدين فيها أبدا". وهذا اليوم الثقيل هم سيقرون به ويعترفون حين يحشرون يوم القيامة (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) القمر)

قال جلّ وعلا (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ) هذا زجر لهم، إذا كانوا يعترفون أن الله تبارك وتعالى هو الذي خلقهم وشددنا أسرهم أحكمنا خلقهم بما وهبهم الله تبارك وتعالى من القوة والأعصاب والأوتار والقوى الظاهرة والباطنة التي يستقيم بها الجسم ويتم حتى يكتمل فإذا كان الله تبارك وتعالى هو الذي خلقهم وشدّهم على هذا النحو وإذا شاء فإنه يبدلهم مثلهم أو يبدلهم خيرًا منهم كما قال الله تعالى (وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا ﴿٢٨﴾).

ثم قال جلّ وعلا (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴿٢٩﴾ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿٣٠﴾ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٣١﴾).

يقول الله جلّ وعلا في ختام هذه السورة وفي ختام هذه الموعظة الجليلة (إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ) والله إنها من أعظم التذكرة حين يقرأ الإنسان هذه السورة بنفس حاضرة وقلب واعٍ مفتوح كما قال الله تعالى (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ق) (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا) أي طريقًا يوصله إلى مرضاته ونجاته والله تبارك وتعالى كما ذكر في أول السورة أنه خلق الإنسان من نطفة أمشاج ليبتليه ووهبه السمع والبصر حتى يميّز الحق من الباطل وهداه السبيل إما شاكرًا وإما كفورا قال الله (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴿٢٩﴾) فهذا رد في آخر السورة لما كان عليه أولها. (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) نعم يا عبد الله لك مشيئة ولكنها لا تخرج عن مشيئة الله تبارك وتعالى النافذة ومشيئة الله ليست مشيئة مجرّدة وإنما هي مشيئة على وفق الحكمة.

قال الله تبارك وتعالى (يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴿٣١﴾) هذان الفريقان اللذان ذكرهما الله جلّ وعلا في أول السورة: الشاكر والكفور هؤلاء يدخل الشاكر في رحمته وأما من كان ظالمًا فإن الله قد أعد له عذاباً أليمًا. وأعظم النعيم أن يدخل الله تبارك وتعالى العبد في رحمته (وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً (8) آل عمران).

قال جلّ وعلا في أول السورة (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾) ثم جاء في آخر هذه السورة الإشارة إلى هذين النوعين اللذين ذُكرا في أولها، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يسلكنا مع عباده الأبرار الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: انتهينا في الحلقة الماضية في قضية كيف نتعامل مع تفسير السلف في الأمور الغيبية، فماذا عن حجّية تفسير القرآن بأقوال السلف؟.

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. أما ما يتعلق بحجية تفسير القرآن بأقوال السلف بعد أن أخذنا تفصيلات كثيرة في أنواع تفسير القرآن بأقوال السلف لعل هذا المبحث يكون من المباحث الخاتمة في هذا الموضوع. أولًا ما يرويه الصحابة بالذات عن النبي صلى الله عليه وسلم من تفسيراته أو ما يروونه من أسباب النزول الصريحة فهو حجة في التفسير بلا خلاف لأن الأصل في هذين النوعين بالذات هي قبول ما رواه الصحابي. وكما نلاحظ أنما من قبيل النقل المحض الذي لا يدخله رأي. ويمكن أن يُلحق بهذين النوعين ما يقع عليه إجماعهم لأن الإجماع بذاته حجة. وأيضًا ما يكون له وجه واحد في المعنى. وسبب إدخال هذين النوعين مع النوعين السابقين أن هذه كلها كما نلاحظ لا يكون للرأي فيها مجال، فما يروونه من تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الصريح المباشر ليس فيه للرأي مجال، ما يروونه من أسباب النزول الصريحة ليس للرأي فيها مجال، إذا كان المعنى لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا هذا ليس فيه مجال، إذا وقع إجماعهم على معنى فهذا دلالة على اتفاق آرائهم على هذا المعنى الذي قالوه. هذه الأنواع الأربعة الأصل فيها أنها حُجّة يجب قبولها.

النوعان الأولان وهما التفسير النبوي المباشر والتفسير بأسباب النزول سبق التمثيل عليهما. ولعلنا نمثل لما يقع عليه إجماعهم، فنقول إذا ثبت الإجماع عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهو حجة لأنهم لا يُجمعون على خطأ. وحكاية الإجماع ومعرفة كيف يقع فيها رسائل علمية ومن أوائل من كتب في هذا فيما يتعلق بالتفسير هو أخونا الدكتور محمد بن عبد العزيز الخضيري وقد كتب في هذا رسالة علمية "الإجماع في التفسير" يمكن مراجعتها والاستفادة منها في هذا المجال. كيف نعرف الإجماع؟

إما أن ينص بعض العلماء المعتبرين على إجماعهم على معنى وإما أن نتسقرئ تفسيراتهم فلا نجد لهم إلا معنى واحد في الآية. مثال ذلك في قول الله سبحانه وتعالى (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾ المرسلات) ورد عن ابن مسعود وابن عباس أن المراد بذلك الملائكة تلقي الذكر على الأنبياء ولم يرد في طبقة الصحابة غير هذا القول وأيضًا سار من جاء بعدهم على هذا المعنى. حتى نجد أن ابن كثير رحمه الله تعالى يقول في تفسير هذه الآية: يعني الملائكة قاله ابن مسعود وابن عباس ومسروق ومجاهد والربيع بن أنس والسدي والثوري ولا خلاف هاهنا فقوله "لا خلاف هاهنا" يشير إلى أنه قد وقع الإجماع فإنها كما قال ابن كثير: أنها اي الملائكة تنزل بأمر الله على الرسل فهذا إجماع منهم على المراد في قوله (فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ﴿٥﴾) أنها الملائكة تلقي الذكر على الأنبياء .

مثال آخر في قوله (وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا ﴿١﴾ الذاريات) كذلك ورد عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله وعن ابن عباس أنها الرياح ولم يرد في طبقتهم من خالفهم في هذا وقد تتابعت على ذلك أقوال من جاء بعدهم من التابعين ومن جاء بعدهم. يقول ابن كثير: وكذلك فسرها ابن عباس وابن عمر وسعيد بن جبير والحسن وقتادة والسدي وغير واحد ولم يحكي ابن جرير ولا ابن أبي حاتم غير ذلك فإذن يحكم على هذا بأن هذا إجماع منهم على أن المراد بالذاريات هنا هي الرياح. هذه أمثلة للإجماع.

مثال آخر للنوع الثاني وهو ما لا يحتمل تفسيره إلا معنى واحد وهذا النوع حجة لأنه لا يتصور فيه غير ما قيل، ليس قابلاً للاحتمال، فليس فيه إلا معنى واحد فهو شبيه بالإجماع من هذه الجهة. ولهذا مثل هذه الأمثلة سنجد أن المتقدمين والمتأخرين لا يذكرون في هذا إلا هذا المعنى. ومثال ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَفِيهِ) فقد ورد عن أبي الدرداء وابن مسعود وابن عباس تفسير الريب بالشك، وإذا نظرنا في قوله (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَفِيهِ) لا نجد أنه يحتمل معنى آخرا غير هذا المعنى الذي ذكروه ولأه لا يقع إحتمال للمعنى غير الذي ذكروه نجد أن بعض المفسرين حكى الإجماع في ذلك فابن أبي حاتم رحمه الله تعالى يقول: ولا أعلم في هذا الحرف اختلافًا بين المفسرين منهم ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى عمر وعطاء بن رباح وأبو العالية وذكر جماعة من غير هؤلاء. فالمقصود أن هذا له معنى واحد لا يتصور فيه غير هذا المعنى فهذا يلحق بالإجماع لأنه بهذه المثابة.

أما بقية أنواع تفسير السلف مثل ما يرويه التابعون عن الصحابة أو أتباع التابعين عن التابعين أو تفسير السلف بالرأي فهذا سيكون له مجال آخر في الحديث عما يتعلق بحجيته لأننا تكلمنا الآن عن المجال الذي لا يمكن أن يكون للرأي فيه مدخل. أما ما يكون للرأي فيه مدخل فيحتاج الكلام فيه إلى نقاط لا بد من تقديمها في ما يتعلق بهذا الأمر وهو التفسير بالرأي.

·         فأول قضية ننبه عليها هنا لكي نرتب هذه الفكرة أنه لا يوجد في القرآن لا معنى له ولا لفظة مجهولة المعنى بل كلها الفاظ القرآن معلومة المعنى.

·         الثاني أن القرآن نزل بلغتهم العربية وليس فيه شيء من المعاني بغيهرا وإذا كان لا يوجد فيه ما لا معنى له أو مجهول المعنى فإن هذا يعني أن القرآن كله معلوم لكونه نزل بلغتهم ولهذا لا يوجد لفظة توقفوا جميعا في تفسيرها، بل إن الحروف المقطعة وهي لا تدخل في الألفاظ قد تكلموا فيها مما يدل على أنها ليست مما استأثر الله فيها بعلمه بل هي مما يدخل تحت علمهم لذا تكلموا فيها فهي بالنسبة لنا من المتشابه النسبي.

·         القضية الثالثة هل يصح أن يقال إن آية من الآيات لم يفهم معناها هؤلاء الكرام؟ أو هل يجوز أن يقع عندهم خطأ محض في فهم معنى من المعاني بحيث يقال أنهم أخطأوا جميعا في فهم هذه الجملة أو تلك؟ ولا ريب أن الجواب أنه لا يصح ذلك ولا يجوز هذا في منطق العقل والمنطق العلمي لأنه يلوم منه تجهيل الأمة بفهم كلام ربها وأن هؤلاء المتقدمين لم يكونوا يفهمون معنىً لذلك الكلام العربي الذي كان بلغتهم وهذا لا شك أنه مخالف للمنطق العلمي.

·         القضية الرابعة في هذا المقام أن الآية إذا احتملت أكثر من معنى فإنه لا يتصور عدم وصولهم إلى المعنى الصحيح في الآية ويصل إليه متأخرون، فإذا جاء قول لمتأخرين يلزم منه عدم وصول السلف إلى معنى صحيح فإن هذا يدل على بطلان القول الحادث لأنه يلزم منه أن هذه الطبقات الثلاث التي سبق ذكرها قد جهلت معنى الآية ولم تعلم بها وهذا لا شك مخالف للمنطق العلمي.

 

·         القضية الخامسة في هذا المقام إذا كان الأمر كذلك فالحق لا يمكن أن يخرج عن أقوالهم ويكون عند من جاء بعدهم إطلاقاً، لا يمكن أن يخرج عن أقوالهم ويكون الحق فيمن جاء بعدهم بل الحق متحقق في أقوالهم على اليقين ثم قد يأتي عند من جاء بعدهم معان جديدة صحيحة تحتملها الآية بشرط أن تكون غير مبطلة لما ورد عنهم. وهذه الأقاويل الجديدة التي لا تكون مبطلة لا يلزم أن تُقبل على الإطلاق بل قد تُقبل وقد لا تُقبل على حسب المثال الذي تناقش فيه القضية وتُدرس. وإذا صحّت هذه القضايا التي ذكرتها فإن التفسير الوارد عن السلف من حيث العموم حجّة يجب قبوله ولا يجوز خلافه أو إبطاله، هذا إذا كان مقولًا بالرأي لأن أي إبطال له يلزم منه أن نقول إن السلف أو الصحابة والتابعين وأتباعهم لم يفهموا معنى هذا الكلام العربي الذي جاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم وعرفه من جاء بعدهم من المتأخرين، هذا لا يستقيم في المنطق العلمي. وأسأل الله أن يرزقنا فهم كتابه وأن يجعلنا من المتبعين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل