أروع ما قيل عن الاستعاذة - د. محمد داوود

من برنامج روائع البيان - د. محمد داوود

تفريغ موقع إسلاميات

أروع ما قيل عن الاستعاذة 

نتدبر أمرًا أمرنا الله عز وجل أن نبدأ به إذا أردنا التلاوة، ذلك قول الله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) النحل) ينبغي على القارئ إذا أراد أن يبدأ قرآءته أن يستعيذ فيقول (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

أعوذ يعني ألتجأ وأعتصم وألوذ وأكون في حمى الله سبحانه وتعالى. الكون خالق ومخلوق فإن أتعبك شيء من أمر المخلوق فاستعن عليه بالخالق سبحانه، من ذلك قول الله عز وجل (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ﴿١﴾مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴿٢﴾ الفلق) وأمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نستعيذ في بداية القرآءة بصيغة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)

أعوذ: أي أمتنع وألوذ وأكون في حمى الله سبحانه وتعالى.

(من الشيطان) لم يقل ابليس وإنما جاء بلفظ (الشيطان) ولا ينفع أن تأتي كلمة إبليس هنا، لماذا؟ نعلم من هذه الآيات التي وردت في سورة طه ربنا سبحانه وتعالى لما أراد أن يذكر لنا قصة البشرية والصراع بين الخير والشر قال تعالى (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴿١١٥﴾ طه) ليست له همّة، ليست له عزيمة (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) أطلق عليه القرآن هنا إبليس (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى ﴿١١٦﴾ فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴿١١٧﴾ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى ﴿١١٨﴾) عوامل الأمان للكائن البشري في الجنة (وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى ﴿١١٩﴾) ثم قال بعد ذلك (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴿١٢٠﴾ طه). من بضع آيات ذكره باسم إبليس ثم ذكر باسم الشيطان، لماذا؟

لو فتحنا المعاجم وكتب اللغة لوجدنا أن إبليس تعني الرافض الآبي لكن رفضه يكون على نفسه، وشرّه على نفسه لا يتعدى إلى غيره، لا يتجاوز حدود نفسه إلى غيره فهو إبليس. لكن لما بدأ إبليس يغوي غيره بالشر، يغوي غيره بالفساد تحول عن صفة الإبليسية إلى صفة الشيطان فأطلق القرآن عليه شيطان. فكل موضع في كتاب الله ورد فيه (إبليس) فهو موضع كان شره فيه على نفسه لم يبدأ بعد الغواية والإفساد آدم وذريته، يغوي فيها غيره بعد. وكل موضع وكل سياق في القرآن تكون فيه كلمة الشيطان فإنما للدلالة على قيامه بالإغواء والإغراء لذرية آدم بالفساد.

ففي المعجم الشيطان هو كل من يغوي غيره بالشر والفساد حتى ولو كان من الإنس، قال تعالى (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا (112) الأنعام) وقدّم شيطان الإنس على شيطان الجن لأن شيطان الجن لو استعذت بالله منه ينصرف عنك لكن شيطان الإنس متمرد يأتيك من كل جهة. فكل من أغوى غيره بالشر وكل من أغوى غيره بالفساد يطلق عليه شيطان سواء كان من الإنس أو الجن. كلمة (شيطان) في القرآن تدل على أنه بدأ بالغواية والفساد لبني آدم.

الله عز وجل أمرنا أن نستعيذ (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) لفظة (الشيطان) مناسبة هنا لأن الشيطان سيقوم بالوسوسة ويقوم بشغلك وصرفك عن القرآءة أو بشغل ذهنك عن أن تتدبر ما تقرأ من آيات القرآن فكلمة الشيطان هنا تدل دلالة صادقة محكمة دقيقة على هذا المعنى.

وكلمة الشيطان من خصائص لغة القرآن أن أصوات الكلمة تسهم في بيان وتأكيد وتعزيز المعنى الذي تدل عليه الكلمة، الشيطان يقوم بالوسوسة والإغواء والإغراء فيأتي حرف الشين في كلمة الشيطان وهو حرف تفشي وانتشار وهذا مناسب للتعبير عن الوسوسة التي تتسرب شيئًا فشيئًا خفية، ثم تأتي الطاء المفخمة التي تناسب تغليظ أثر الوسوسة في صرف الناس عن هدي الله لتصور حجم الخسارة إذا استجاب الإنسان لهذه الوسوسة واستجاب الإنسان لهذا الشيطان. ومن هنا كانت الحكمة أن يعبّر هنا بالشيطان ولا يعبّر بإبليس، فسبحان من هذا كلامه!

الرجيم: ورد في القرآن الكريم صفات عديدة لهذا الشيطان (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (78) ص) في سورة ص (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ (35) الحجر) لما جاء السياق في سورة ص بما يستحقه الشيطان من كثرة إغوائه وما صنع قال (لعنتي) لتغليظ اللعنة لأن العذاب يكون على قدر عظمة الإله سبحانه وتعالى. وصف الشيطان بهذه اللعنة (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ) (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي) ومع هذا لم تأت الاستعاذة (أعوذ بالله من الشيطان اللعين) وإنما جاءت (الرجيم) لأن الرجيم لا تعني الملعون فقط وإنما  أنه مطرود ومُبعد وأنت تحتاج أيها المؤمن إذا بدأت القرآءة أن يصرف الله تعالى هذا الشيطان وهذا اللعين عنا فقال سبحانه (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) ملعون لكنه مطرود يبتعد عنك وينصرف عنك حتى تخلو إلى قرآن ربك فتتدبر. من الآيات التي جاءت تبين الأمر بالاستعاذة عند القرآءة وعند نزغات الشيطان. الاستعاذة إنما هي أمر عام حينما تواجه خيرًا تبدؤه كقرآءة القرآن فأنت تستعيذ كي تحتمي بالله وتعتصم بالله من أن يفسد عليك هذا الخير.

أو يكون الشيطان قد همّ بنزغاته، بوسوسته يريد أن تقع في الشرّ فربنا سبحانه وتعالى يأمر هنا أيضًا بالاستعاذة (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) فصلت) هذا من بيان الله سبحانه وتعالى. إن جاءك الشيطان يسوّغ لك الخطايا فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.

الكون خالق ومخلوق فإن أتعبك شيء من أمر المخلوق فاستعذ بالله، تعلّم أن تلوذ بالله سبحانه وتعالى ولذلك أمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن نستعيذ بالله إذا أردنا أن نبدأ قرآءة القرآن وأن نستعيذ بالله إذا شعرنا أن الشيطان يوسوس ويزيغ عقولنا وقلوبنا بشيء لا يرضي الله فقال تعالى (وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) فصلت). انظر لهذا الهدي المبارك وإلى حكمة الحكيم سبحانه في تركيب الكلمات أنه يلوذ بالله من الشيطان ولم يقل إبليس لأن الشيطان هو الذي يغوي غيره بالفساد ويغوي غيره بالشر، هو الذي يقوم بالإغواء والإغراء والوسوسة أما إبليس فكان شره على نفسه.

ثم قال بعد ذلك الرجيم ولم يقل اللعين مع أن آيات القرآن في سياقات أخرى أثبتت أن اللعنة عليه من ذلك قوله (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ) (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي) لكن الرجيم مع اللعن يضيف معنى جديدًا ملمحًأ دلاليا جديدا وهو الطرد والإبعاد وقارئ القرآن يريد الله تعالى له أن يستعيذ ليطرد عنه ببركاته وقدرته هذا اللعين وهذا الشر وهذه الوسوسة حتى يخلو لك عقلك وقلبك ليركز ويتدبر ويعيش مع معاني القرآن الكريم. حتى إذا ما جئت تستعيذ تستشعر كل هذه المعاني فتكون الاستعاذة عن وعي وعن قصد وعن نية صالحة (أعوذ بالله) وهذا منهج حياة للمؤمن يعلمنا إياه القرآن الكريم أن الإنسان دائمًا يحتمي بحمى الله عز وجل ولذلك عند قرآءة القرآن أو عندما نستشعر أن الشيطان ينزغ في قلوبنا أو في عقولنا، عندما نريد أن نحصن أنفسنا وأهلينا وأولادنا في الصباح والمساء نقول كما أمرنا الله (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴿١﴾ الناس). أيها المؤمن هذا بيان الله عز وجل لكل مؤمن يعتبر وينال من هذه الخيرات ومن هذه البركات التي أتاحها الله سبحانه وتعالى والتعبير بـ (أعوذ) الفعل المضارع الذي يفيد التجدد والاستمرار أنك دائمًأ أبدًا تلوذ بربك، تعتصم بربك، أنك دائما أبدا في حمى الله عز وجل، هذا هو الحمى وهذا هو الملاذ الذي ينبغي أن نلوذ به ولا نقع ضحية الشيطان الرجيم الذي يأخذ الناس فيعطلهم عن هذا الخير وقمة الخير حين نقرأ القرآن ونتدبر القرآن الكريم.

وحين قال ربنا سبحانه وتعالى (أعوذ بالله) إنما أعوذ باسمه سبحانه وتعالى الذي هو اسم عَلَم على ذات الحق سبحانه وتعالى ما بقي من أسماء الله فهي صفات ارتقت إلى مرتبة الأسماء والاسم الذي هو علم على ذات الحق سبحانه هو (الله). (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) الحمى الحقيقي هو حمى الله سبحانه وتعالى والاعتصام الحقيقي إنما يكون بالله عز وجل وحين نبدأ القرآءة ونستعيذ بهذا الوعي وبهذا الفهم فإنما نستعيذ بالله سبحانه ونلوذ بالله سبحانه وتعالى فيطرد عنا كل الوساوس وكل ما يصنعه الشيطان إذا ما تركنا أنفسنا فريسة سهلة له. فإذا تركنا أنفسنا فريسة سهلة للشيطان يخبرنا القرآن الكريم بالنتيجة في قول الله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ الأعراف) البعد عن الله هلاك وضياع والشيطان يتخذ الإنسان فريسة هو متربص بك، إذا خرجت من حمى الله سبحانه وتعالى أفسد عليك الأمور (فَانْسَلَخَ مِنْهَا) خرج من الحمى (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ) دليل على أنه متربص بك، (فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴿١٧٥﴾ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ) أخلد إلى كل ما هو أرضي إشارة وكناية عن كل الأهواء، وعن كل ما تهوى إليه النفس بعيدا عن طاعة الله عز وجل.

اقتضت حكمة الباري سبحانه وتعالى في أول وصية للبشرية، لأول أسرة نزلت على الكوكب الأرضي قال ربنا سبحانه وتعالى مبينًا سر السعادة وسر الحماية (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴿١٢٣﴾ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ﴿١٢٤﴾ طه) (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٨﴾ البقرة) نحن نحتاج إلى هذا الحمى لنا ولأولادنا ولأهلينا ولأوطاننا (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) نعوذ بالله من الشيطان الرجيم. اللهم حققنا بحقائق القرآن وببركة القرآن أصلح أحوالنا.  



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل