النبأ العظيم - سورة الأعلى - د. أحمد نوفل

سورة الأعلى

برنامج النبأ العظيم – د. أحمد نوفل

تفريغ موقع إسلاميات حصريًا

(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿٢﴾ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴿٣﴾ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥﴾ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴿٧﴾ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴿٨﴾ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿٩﴾ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ﴿١٠﴾ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴿١٢﴾ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿١٣﴾ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴿١٥﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٧﴾ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩﴾)

في أجواء وأنوار سورة الأعلى، هذه السورة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من تلاوتها وبخاصة في صلاة الجمعة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) يكثر من تلاوة هاتين السورتين وفي المغرب وغيره، هذه السورة لها خصوصيتها. عدد آياتها 19 آية، هي السورة العاشرة في الجزء ولكنها السابعة والثمانين في ترتيب المصحف. ليس بعد هذه السورة سورة عدد آياتها 19 آية إلا سورة العلق والرقم 19 له خصوصيته ليس موضوعنا الآن.

ما موضوع سورة الأعلى؟ طبعًا القيامة لا شك، لكن ما منهجها الذي يجعلها شخصية متميزة؟ هذا الذي سنقف عليه.

هذه السورة سورة الأعلى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴿٩٦﴾ الواقعة) هذه آخر السور المسبّحات في القرآن العظيم. المسبحات هي مجموعة السور التي ابتدأت بمادة التسبيح أولها (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا (1) الاسراء) وثانيتها (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ الحديد) ثم (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿١﴾ الحشر) ثم (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴿١﴾ الجمعة) و(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾ التغابن) (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾ الأعلى) هذه السورة هي سابع المسبِّحات. ومن الملاحظ أن أول المسبحات ذكر موسى آية رقم 2 (وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وآخر كلمة في سورة الأعلى (صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩﴾) إذن أول المسبحات ذكر موسى وآخر كلمة في المسبِّحات أي السور المبتدأة بالتسبيح ذكر موسى. ملاحظة ثانية أن الإسراء أولها المصدر (سبحان) ثم الفعل الماضي (سبح) ثم المضارع (يسبح) ثم الأمر (سبِّح)، جاء القرآن منطبق مع اللغة: المصدر هو الأساس ثم الماضي ثم المضارع ثم الأمر، ما هذا الترتيب العظيم!

(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) ما معنى سبِّح؟ سبِّح معناها نزِّه. أصل مادة (سَبَح) التي منها اشتقت سبّح: البُعد، سبح لله بمعنى نزّه الله وأبعد عن الله كل ما لا يليق بالله (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا ﴿٧﴾ المزمل) السبحُ الذهاب بعيدًا. لا نقول سبح لمن وضع رجليه في الماء، إنما سبح الذي ضرب في الماء ثم ابتعد هذا سَبَحَ. ولذلك سبّح فيها معنى الإبعاد عن الله عز وجل وتنزيه جنابه سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق، لا نثبت لمولانا من الأسماء والصفات إلا ما يليق وننفي عنه كل ما لا يليق، الابن: بالله لا يليق، الزوجة: بالله لا تليق، الشريك: لا يليق، (لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ) إثبات النوم أو التعب لمولانا كما يقول بعض الجاهلين أن الله خلق الكون في ستة أيام واستراح في اليوم السابع ومولانا يقول (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ (38) ق) مولانا ما يصيبه النصب والتعب كما نصاب نحن! نحن مخاليق ضعاف وهو الخالق سبحانه! هذا مهم جدًا أن لا نصف ربنا إلا بكل الكمال وأن ننزّه ربنا عن كل صفات النقص.

الآن نسبِّح الله، الآن نسبح اسمه يعني ننزّه أسماءه كلها عما لا يليق بها فلا نصف مولانا إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. التنزيه لله، التنزيه لأسماء الله والتنزيه لأفعال الله، كل أفعال الله حكمة لكن النص هنا (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) كأنه يقول (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا وذروا الذين يلحدون في أسمائه (180) الأعراف) التنزيه هنا منصبّ إلى تنزيه اسمه تعالى، تنزيه أفعاله يعني كل فعل يفعله مولانا وراءه حكمة قطعًا.

(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) ثم ذكر من صفات الرب الجليل اسم (الأعلى) الأعلى، لا شيء أعلى من مولانا مقامًا وقدرًا وقدرة وعلمًا وحكمة سبحانه هو الأعلى المطلق في كل شيء. (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) اسمه الأعلى وهو الأعلى وأفعاله أعلى وصفاته أعلى كل شيء متّصل بمولانا أعلى. ثم زادنا تعريفًا به: أول صفات الألوهية الخلق (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴿١﴾ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿٢﴾) أعظم الدلالات على الخالق الخَلْق، على الإله العظيم الخلْق. لما أراد إبراهيم عليه السلام أن يعرّف بربه قال (إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ (258) البقرة) أدلّ دلائل الألوهية والربوبية الخلق. إذن (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) فورًا (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴿٢﴾ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴿٣﴾) كلمة (فهدى) هل تعني فهدى إلى الإيمان؟ نعم، لكن كلمة (فَهَدَى) مطلقة، من هدى الحيوانات أن تتعرف إلى أعشاشها وإلى أوكارها؟ راقب قطيع غنم من مائتي رأس أو ثلاثمائة رأس ستجد كل رضيع يعرف أمه مباشرة، كيف؟ قدر فهدى سبحانه! تعرف الطيور أعشاشها لا يتوه منها العشّ أبدًا، تسافر الطيور عرشة آلآف ميل وترجع رحلة مماثلة إلى مكان ما انطلقت بالضبط، قدر فهدى! تحناج مجلدات لتشرح هذه الكلمة (وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى)! كلمة لكن وراء الكلمة كثير!

(وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥﴾) من يزرع المراعي؟ لا أحد، إنما المراعي زرع الله جلّ وعلا سبحانه، لا أحد يسقي إلا مولانا، ولا أحد يبذر الحبّ إلا مولانا، ولا أحد يخرجها إلا مولانا، من الذي جعل الحب مختزنًا في باطن الأرض حتى إذا جاء الماء هاج؟ المراعي سرحت فيها الأبقار والمواشي والغنم والإبل، من الذي أخرج المرعى؟ الله عز وجل. كم مساحة الأراضي المزروعة في المراعي؟ مليارات من الدونمات سبحانه! هو الذي بذر بذرها، هو الذي أنبت نباتها، هو الذي سقى هذا النبات سبحانه!.

(وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥﴾) هذه فكرة الآخرة، فكرة الآخرة القدرة، إذن الذي قدر أن يخلق هذا الكون قادر أن يعيد من جديد هذه المخلوقات جميعًا أو بعضًا سبحانه، إن شاء أعاد الحيوانات وإن شاء لم يعد، الأمر إليه، لكن حتمًا سيعيد هذا الإنسان ليحاسب، مستحيل أن يرتكب إنسان مجازر بحق أبرياء ثم انتهت الأمور عند موته والسلام، يكون الكون كارثة، ويكون الكون فوضى، حاشا طبعًا، الكون حق وعدل وقسطاس، مستحيل أن ينجو هؤلاء فيمضوا بلا قصاص والكون قائم على القسطاس (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴿٧﴾ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ ﴿٨﴾ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴿٩﴾ الرحمن). باختصار (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥﴾) التلميح للآخرة، في الشهر الثالث والرابع تجد العشب أخضرًا ثم يبدأ بالاصفرار في الشهر الخامس ثم في الشهر السادس أصبح مصفرًا مائلًا إلى السواد ثم يصبح هشيمًا تذروه الرياح. إذن (وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ) (فجعله) فاء التعقيب والسرعة (فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى) أحوى يعني بدأ يميل أخضر فأصفر فمائل إلى السواد، معناه أنه كما يتغير العشب، هذا الإنسان يصيبه ما أصاب العشب، وفي السنة المقبلة تعاد الدورة من جديد بالنسبة للعشب أما أنت عندنما يحين موعد القيامة ستعاد كما يعاد هذا النبات يُختزن البذر في الأرض ثم ينبت من جديد وأنت كذلك ستختزن في الأرض إلى الأجل الذي حدده الله تعالى (وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ (2) الأنعام) متى شاء مولانا الكل يخرج من القبور.

(وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴿٤﴾ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴿٥﴾ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴿٦﴾) الخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، سنقرئك يا رسول الله فلا تنسى إلا ما شاء الله، هل تعني إلا ما شاء الله أن تنسى؟ لا، (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) هذا استثناء ليؤكد عدم النسيان، هل شاء الله لرسوله أن ينسى؟! أرجوكم دائمًا كما تنتقون الخضار انتقوا الأفكار، لا تنتقي الخضار من النخب الأول وفي الأفكار نأخذ الحثالة! لماذا؟! هل ما يدخل العقل أهون وأقل مما يدخل المعدة؟! يجب أن ننتقي الأفكار! البعض يقول النبي صلى الله عليه وسلم نسي أشياء! يا ناس! هذا قرآن محفوظ. إذن ما معنى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ)؟ ولقد شاء الله أن لا تنسى وأن لا شيء من القرآن يُنسى! انسَ موضوع أن هناك شيء من القرآن قد نُسّيها صلى الله عليه وسلم، هذا الفكرة امسحوها من عقولكم مسحًا! كتابكم هذا كتاب الحفظ والخلود وليس كتاب التعرض للمحو والإثبات والزيادة! لا. حتى يفهم الناس جميعًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم عبد، عدم النسيان ليس خاصية ذاتية فيه وإنما بأمر مولاه لم ينسى (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ﴿٧﴾).

الاستثناء (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ﴿٦﴾ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) هذا استثناء مفرّغ من عمله، جاء ليؤكد أن رسول الله لم ينس شيئا من القرآن وجاء ليؤكد أن عدم النسيان ليس صفة ذاتية في النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وإنما بأمر ربه تبارك وتعالى وقد شاء الله أن لا ينسى هذا النبي. إنه مولانا إنه (يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) وقال (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴿٧﴾ طه) يبدأ من الخفي إلى الأخفى وهنا (يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) بدأ من الجهر وما يخفى بحسب السياق. (يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى) بدأ من الواضح يعلمه، المستتر المتسكنّ يعلمه، الظاهر يعلمه، المختزن المختبئ يعلمه سبحانه.

(وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴿٨﴾) هذا نبي اليسر والتيسير صلى الله عليه وسلم وليت أمته والعلماء من أمته بالذات ينتبهوا أن هذا المنهج قائم على اليسر فلا يفتون الناس إلا بأيسر ما يمكن، ليس تمييعًا للدين معاذ الله لكن لا نضيق على الناس بدعوى "أحوط"، الناس الآن بحاجة إلى التيسير أكثر من حاجتها للأحوط. (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴿٨﴾) القرآن يشرح منهج هذا النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج هذه الأمة ومنهج هذا الكتاب بكلمتين (وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ﴿٨﴾) يعني دائمًا نيسّر لك الطريق لأيسر السبل وكان صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، صلى الله عليه وسلم.

(فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿٩﴾) رسول الله مذكّر فقط وليس منشئاً الهدى في القلوب، هذا عمل الله سبحانه وتعالى، مولانا الكريم هو الذي ينشئ الهدى في القلب أما الرسول صلى الله عليه وسلم فهو مذكّر (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿٢١﴾ الغاشية) وهنا (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿٩﴾) وإن شاء الله في الغالب تنفع. الذكرى لا تنفع إلا في قلب صاحبه قد اتخذ قرارًا أنه لا يريد أن ينتفع أما واحد عادي والله لا بد أن ينتفع لأن فطرته تحب أن تسير على منهج ربنا والمنهج يعانق الفطرة فلو وُجد مذكّر حنون رقيق لا يعامل الناس بجفاء وغلظة وفوقية والله ليستجيبنّ الناس إلا الشاذ المنحرف العنيد الجواظ الغليظ القاسي، هذا ليس موضوعنا! موضوعنا البشر العاديون، البشر العاديون يستجيبون، ثق بمنهجك، ثق بذاتك لكن لا تستخدم مع الناس أسلوب الفظاظة والحوار الفج أو الكلام السطحي! يا شباب الإسلام تثقفوا، هذا دين العلم، اقرأوا كثيرا جدًا. عجبٌ ليَدٍ ليس فيها كتاب، عجبٌ لعين لا تنظر كل يوم في كتاب، عجبٌ لعقل فارغ أجوف! اجعل الكتاب رفيقك حتى إذا ذكّرتَ بدينك تذكّر بحجّة. أصحاب التشنج ما جاءهم التشنج إلا من ضيق العقل، وضيق العقل يأتي من قلة الإطلاع ومن قلة الثقافة لأن مخه اتجاه واحد ولذلك يرى الإسلام العظيم من خرم ابرة، يستحيل أن يعبأ البحر في زجاجة! الإسلام بحر لا ينفع له العقل الضيق، الإسلام واسع، يا عبد الواسع كن أنت واسعًا، هذا منهج واسع ميسر، إله الكون الذي نزّل هذا المنهج من أسمائه الواسع، فكيف عباده ودعاته يكونوا ضيقي العقول؟! لا ينسجم!

(وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ﴿١١﴾) يتجنب الذكرى الشخص الأشقى (الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ﴿١٢﴾ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴿١٣﴾) هذا مخلّد. في الآخرة ليس هناك موت ولذلك بعض أشياخنا ممن يعتقد أن الجنة تدوم ولكن النار لا تدوم، هذا كلام باطل فاسد. الجنة خلود بلا نهاية والنار خلود بلا نهاية أحقابا لا نهائية لا أحقابًا محدودة (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) النبأ)

ختام السورة جامع جليل (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴿١٥﴾) الزكاة زكاة النفوس، هذه النفوس قابلة للتزكية إلى ما لا نهاية، مثال ودليل لهذا عمر بن الخطاب قبل الإسلام وبعده بينهما فرق! سنوات ضوئية ومسافات فضائية هائلة، عمر ما قبل القاسي الغليظ، عمر بعد الإسلام الرقيق الحاني يسمع بكاء طفل فلا ينام الليل! إذن القابلية للتزكية هائلة جدًا، عالية جدًا.

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴿١٥﴾ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾) عقيدة الآخرة تزاحمها الدنيا وتدفعها إلى زاوية ضيقة وتأخذ مساحتها في عقل ناقص العقل وفي فكر ضيق الفكر، الدنيا تزاحم الآخرة فتتراجع الآخرة. هذه عقول، أنت مسؤول عن عقلك، أنت مسؤول عن فكرك، أنت مسؤول عن أمنيك وعن أهوائك، هذه مسؤوليتك. لماذا خلق الله تعالى فينا الأهواء؟ هذا امتحان وينبغي أن تنجح فيه.

 

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴿١٤﴾ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴿١٥﴾) هذه أحسن طرق التزكية: الذكر والصلاة. ما الذي يشغل الإنسان عن الهدف؟ (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿١٦﴾ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴿١٧﴾) خيرٌ مطلقة، المائة دينار خير من الخمسين، هذه خيرية محدودة لكن الآخرة والدنيا، كم الفارق؟ كم الفاصل، كم البون؟ لا قياس، ولا بسنوات ضوئية! الدنيا أقل ضرب ما لا نهاية والآخرة أعلى ضرب ما لا نهاية، القرآن يلخص ويعطينا مركزّات (وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) هذه الحقائق ثوابت الدين (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩﴾) ليس بدعًا من القول ولا محمد بدع من الأنبياء صلى الله عليه وسلم ولا كتابه بدع من الكتب ولا كتابه ولا التعليمات في الكتاب بدع من التعليمات، قد يسأل سائل من أين جئنا بهذا الكلام؟ مولانا الذي نزّل هذا الكتاب سبحانه هو الذي نزّل الكتب السابقة وحقائق هذا الكتاب متطابقة مع حقائق الكتب السابقة ولكنها مختلفة مع المحرف الموجود، هذه الكتب الموجودة محرفة وشيء طبيعي أن يختلف عنها القرآن ويفترق عنها، لو اتفق القرآن مع المحرّف حاشاه! يجب أن يختلف القرآن عن هذا المحرّف الموجود. إذن إن هذا الذي سمعتم من قيم، من ثوابت، من دين، من عقيدة ومن ضمنها موضوع السورة وهو القيامة والبعث (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩﴾) واختار من بين الصحف الأولى نبيين من أعظم أنبياء الله وكتابين من أعظم كتب الله كتاب إبراهيم وكتاب موسى (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩﴾). وقلنا أن أول كلمة في المسبحات (موسى) ولآخر كلمة في المسبحات (موسى) كأن المسبحات ابتُدئت بموسى واختتمت بموسى وفيما بين ذلك تكلمت عن بني إسرائيل والصراع مع بني إسرائيل وسورة الحديد وسورة الحشر حتى تفهم منهجية القرآن ومنهجية سور المسبِّحات بماذا بدأت وبماذا ختمت (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ﴿١٨﴾ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴿١٩﴾). هذه بعض أجواء سورة الأعلى التي بدأت بالتسبيح وانتهت بما سمعت من ذكر الأنبياء الكرام إبراهيم وموسى جعلنا الله وإياكم ممن يسيرون خلف هؤلاء الكرام الأنبياء العظام وأن يلزمنا مولانا نهج الذكر الحكيم إنه سميع قريب مجيب. 

رابط الحلقة

http://www.fawaed.tv/episode/8626



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل