برنامج تبيان - سورة الإنسان - 2

برنامج تبيان

سورة الإنسان - 2


صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).


المقدم: في الحلقة الماضية وقف بنا التفسير إلى قوله جلّ وعلا في وصف عباده المؤمنين (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾ إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴿١٠﴾ فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿١١﴾ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴿١٢﴾).

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. جرى الحديث في الحلقة الماضية عن صفات عباد الله جلّ وعلا الذين كتب الله لهم النجاة والثواب الجزيل في قول الله تبارك وتعالى (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾) وقفنا عند قوله الله جلّ وعلا (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾) وبينا أن هؤلاء يطعمون الطعام وهم يحبونه ولسان حالهم وقلوبهم ممتلئة بأنهم إنما يطعمون لوجه الله لا يريدون من هؤلاء الذين يطعمونهم جزاءا لا شكورا فلا يرجون ثوابهم ولا يرجون مجازاتهم ولا يرجون منهم شكرا وإنما يطعمونهم لوجه الله وهذا يذكرنا كما قلنا في الحلقة الماضية أنه ينبغي للإنسان أن يتصدق وأن ينفق وأن يبذل وهو لا يريد إلا وجه الله لا يريد المجازاة من هذا الذي يتصدق عليه أو يقف معه بأي نوع من أنواع المجازاة. لذلك نجد بعض الناس ربما يقول أعطيته ولم يقل جزاك الله خيرا أو شكراً، هذا الإنسان الذي تصدقت عليه أو أحسنت له في يوم من الأيام رآني ولا سلم علي، رآني ولا أنهى معاملتي، وهذا خطأ، قد يكون يُنقص من أجر الإنسان، أنت تتصدق، هذه عبادة ترجو بها وجه الله ينبغي أن لا تسأل عليها ثوابًا ولا جزاءً ولا أجرًا من أحد أبدًا وإنما ترجو ثواب الله وإذا التفتت نفس الإنسان إلى ثواب الدنيا أو جزاء الدنيا فلربما نقص من أجره بقدر هذا الالتفات فإذا أحسنت أو تصدقت أو أعطيت أو أمضيت فليكن قلبك ممتلئا برجاء موعود الله جلّ وعلا الذي أعدّه لعباده الصالحين، أما جزاء الناس، ثواب الناس فلا تلتف إليه ولا تنتظر منهم جزاء ولا شكورًا فلا تفرح ولا تحزن ولا تبتئس ولا يضيق صدرك إذا رأيت شيئًا من الإعراض من عدم الشكر من عدم الجزاء من عدم الثناء لأنك أنت إنما أعطيت ابتغاء ما عند الله تبارك وتعالى وهذا الفرق بين المؤمن وبين الكافر.

قال جلّ وعلا عن هؤلاء العباد (إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ﴿١٠﴾) أي هؤلاء من صفاتهم أنهم يقولون أننا نخاف من ربنا جلّ وعلا يومًا عبوسًا قمطريرا وهو يوم القيامة هذا اليوم المكفهر الشديد الفظيع الهوْل الذي فيه أيضًا تعبس بعض الوجوه وتتقطّب بعض الجباه نعوذ بالله من حال أهل الضلال! خوفهم من الله جلّ وعلا وخوفهم من هذا اليوم قادهم إلى العمل الصالح الذي كان سببًا لنجاتهم (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281) البقرة)

قال الله تبارك وتعالى (فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا ﴿١١﴾) لما كانوا في الدنيا يعملون بطاعة الله يخافون ربهم ويخافون هذا اليوم جازاهم الله أن وقاهم شر ذلك اليوم، شر يوم القيامة وأثابهم جزاء حسنًا (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) دفع عنهم ما يخافون ومنحهم ما يأملون، دفع عنهم المفسدة والمضرة وجلب لهم المصلحة والمنفعة (وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا) أضحت وأصبحت وجوههم نضرة مستبشرة وأصبحوا أيضًا يعيشون في حالة من السرور (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴿١٢﴾) الباء هنا سببية جزاهم بسبب صبرهم جنة وحريرًا، وهذا إنما بسبب هذا العمل وإلا فإنه قبل هذا وبعده رحمة أرحم الراحمين جلّ وعلا كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: إنه لن يُنجي أحداً منكم عمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل.

ثم قال تبارك وتعالى (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا ﴿١٣﴾ وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا ﴿١٤﴾ وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ ﴿١٥﴾ قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا ﴿١٦﴾ وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا ﴿١٧﴾ عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا ﴿١٨﴾ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا ﴿١٩﴾ وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴿٢٠﴾ عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا ﴿٢١﴾ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴿٢٢﴾)

هذه الآيات في بيان النعيم الذي أعدّه الله جلّ وعلا لهؤلاء الأبرار قال الله جلّ وعلا عنهم أنهم متكئين على الأرائك (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا) ومن تمام النعيم أنهم لا يجدون في الجنة شمسًا تؤذيهم ولا زمهريرًا أي بردًا يؤذيهم ويؤلمهم، وإنما (وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا) أي قد دنت عليهم هذه الظلال التي تظللهم (وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا) أي ما يقتطفون من أنواع الثمار والفواكه التي أينعت نسأل الله الكريم من فضله قد ذللت لهم وأصبحت قريبة دانية كما قال الله جلّ وعلا في الآية الأخرى. ومن تمام النعيم أنه (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآَنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَ) هي فضة ولكنها في صفاء القوارير فهي قد جمعت بين هذا المعدن النفيس الذي هو الفضة وبين صفاء الزجاج. قال الله جلّ وعلا (قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا) أي أن هذا الشراب الذي يسقونه بهذه الآنية قد قدّر لهم تقديرًا فلا يزيد ولا ينقص وإنما على وفق ما يشتهون ووفق ما يريدون نسأل الله الكريم من فضله.

(وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا) هؤلاء الأبرار نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا ووالدينا وأزواجنا وذرياتنا منهم يسقون في الجنة كأسًا مملوءة خمرًا قد مُزجت بالزنجبيل، وهم أيضًا يشربون من عين في الجنة لسلامتها وسلامة شرابها وسهولتها ومساغها الطيب تسمى سلسبيلا نسأل الله الكريم من فضله. قال الله عن هؤلاء في تمام نعيمهم (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) هؤلاء خدم أهل الجنة الولدان وهم مخلدون لا يموتون ولا يفنون قال الله تعالى عنهم (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا) إذا رأيت هؤلاء الغلمان ظننتهم وحسبتهم لؤلؤا منثورا قد نثر هناك وهناك لجمالهم وحسنهم ونظافتهم ونضارتهم كأنهم لؤلؤ متلألئ قد نثر في أنحاء الجنة هنا وهناك. يا عبد الله إذا كان حال خدم أهل الجنة على هذا النحو فما ظنك بالمخدومين؟! إذا كان الخدم إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وهم خدم يدورون ويطوفون على أسيادهم بالطعام والشراب والقداح كأنهم لؤلؤ قد انتثر من الحسن والجمال والصفاء والنظافة والنضارة فا ظنك بأهل الجنة الذين هؤلاء شيء من نعيمهم نسأل الله تبارك وتعالى الكريم من فضله. لذلك فعلاً الجنة كما قال ربنا جلّ وعلا (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) السجدة) (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ما يمكن أن يخطر على بالك فالجنة أعظم منه لا يمكن أن يدور بخلد أحد هذا النعيم إذا كان كذلك فما الذي يحزنك في هذه الدنيا؟! ما الذي تكترث عليه في هذه الدنيا؟! ما الذي تبتئس من أجله؟! ما الذي تتعب وتنصب من أجله؟! إذا كان هذا حال خدم الجنة "لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها" هذه الدنيا إذا لم تكن عتبة للآخرة، إذا لم تستعمل لشراء هذه الجنة، لدخولها، للعودة إليها مرة أخرى فوالله إن الإنسان فيها مغبون ونسأل الله تبارك وتعالى أن لا نكون من هؤلاء. ولذلك يا عبد الله لما تستكثر فيه من الدنيا اِحرص أن يكون طريقك وسبيلك إلى دخول الجنة.

قال جلّ وعلا (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا) إذا رأيت هناك في أرجاء هذه الجنة، في نواحيها، رأيت نعيمًا وملكًا كبيرًا، هكذا بدون تفصيل وإنما قال الله جلّ وعلا عنها خالقها وبارئها إذا رأيت هناك (رَأَيْتَ نَعِيمًا) فقط بهذا التعبير المطلق العام (وَمُلْكًا كَبِيرًا) ملك لهؤلاء الذين كانوا من الأبرار فأنعم الله جلّ وعلا عليهم بأن جعلهم من أهل الجنة وجعل هذا النعيم شيئًأ من ملكهم.

(عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) هؤلاء الأبرار عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق، من أتواع الحرير ألونها خضر (وَحُلُّوا) ومع ذلك فإنهم يحلّون أساور من فضة. ثم بعد ذلك (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا) أي هذا الشراب لا يذهب عقولهم ولا يتعبهم ولا يمرضهم ولا يُنقص شيئًا من صحتهم وهكذا كل نعيم الجنة. كل نعيم الجنة ليس فيه أيّ منغّص، ليس فيه أيّ مزعج، ليس فيه أيّ متعب، في هذه الدنيا الإنسان الضعيف إن جاع تعب ولكنه إن شبع أيضًا تعب وربما مرض لكن كل هذا غير موجود في الجنة فالطعام والشراب والأزواج والنعيم والفرش والقصور وغير ذلك كلها في أعلى درجات النعيم الذي لا يمكن أن يختلط معها أي نوع من أنواع المضرّة، وهي دار السلام كما قال الله تبارك وتعالى عنها (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ (127) الأنعام) فهي سلامة من جميع الآفات التي تعترض الناس في هذه الدنيا. يقول الله جلّ وعلا في شيء من نعيمها (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ ﴿٢٨﴾ وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ ﴿٢٩﴾ الواقعة) ويقول عن الأزواج أنها (لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ (57) النساء) أزواج الدنيا قد يكون فيها شيء من المنغصات ولكن أزواج الآخرة ليست على هذا النحو وصدق الله حين يقول (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ (71) الزخرف). قال الله تبارك وتعالى (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) هذا الذي وصف الله تبارك وتعالى كان لكم جزاءً على عملكم الصالح، على صبركم على طاعة الله تبارك وتعالى وصبركم عن معاصيه وكان سعيكم الذي سعيتموه في هذه الدنيا مشكورا ولذلك من أسماء الله تبارك وتعالى أنه شاكر ومن أسمائه تبارك وتعالى أنه شكور أي أنه يجازي عباده فوق ما يستحقون وفوق ما تستحقه أعمالهم ولكن لفضله وكرمه فإنه يجازيهم بذلك.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: ذكرت شيخنا في الحلقة الماضية عن بعض القصص التي أورها السلف فيما أوردوه عن بعض المغيبات فكيف نتعامل مع هذه القصص؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. سبق ذكر بعض القصص الغيبية والتي تسمى عند بعضهم بالإسرائيليات وذكرنا قصة موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين فما ذكر من أنه كان هناك حجر يرفعه عشرة أشخاص وأنه كان هناك بئر يضعون هذا الحجر عليه فإذا انتهى العشرة وضعوا الحجر حتى يأتي قوم آخرون هذه لا يمكن أن تؤخذ بالعقل وإنما مصدرها الرواية فإذن هي خبر بالنسبة لمن قاله غيبي يحتاج فيه إلى أن يرويه عن غيره. إذا تأملنا هذه القضايا الغيبية فبعضها قد يكون مرتبطًا ببعض القصص السابقة سوءا كانت لبني إسرائيل أو لغيرهم ممن سكن جزيرة العرب كقوم عاد وقوم ثمود ومدين وغيرهم وقد تكون إخبارًا عن قضايا مرتبطة بالسموات أو بالجنة أو بالنار وأحيانًا قد تكون هناك أخبار عن مغيبات ستأتي فيما بعد يكون قد أشار إليها القرآن يفسرها السلف ببعض المغيبات التي ستأتي فيما بعد وبعضهم يسميها بالنبوءات أي ما تُنبئ بوقوعه. فهذه تقريبًا هي أنواع المغيبات التي وردت في القرآن.

يمكن أن نقول من باب القاعدة العامة في باب المغيبات الذي ذكره العلماء وهو أن الأصل في هذه المغيبات إذا رويت عن صحابي ولم يكن فيها شبهة الأخذ عن بني إسرائيل فإن الأصل فيها القبول لأن الصحابي إذا أخبر بخبر على سبيل الجزم في أمر من هذه الأمور فإنه إن لم يكن أخذه من بني إسرائيل وهذا هو الغالب عليهم فإنه سيكون قد تلقاه من النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يقل "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". ومن عرف أحوال الرواية عندهم سيظهر له جلياً هذا الأمر وهم أنهم يذكرون الأمر الغيبي وإن لم ينسبوه للنبي صلى الله عليه وسلم لأن مثل هذا لا يُفهم بالعقل فيفهم السامع منهم أنه مما تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن هذه القضية الأول، أما إذا وردت عن التابعي أو تابع التابعي فإن لها حكم المراسيل أو المقاطيع التي وردت الإشارة عنها بأسباب النزول لأنها مرتبطة بالأخبار فطريقة نقل الأخبار كما هي معلومة عند أهل الحديث مثل هذه القضايا.

من الأمثلة على ذلك في قول الله سبحانه وتعالى (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (24) البقرة) فالله سبحانه وتعالى ذكر هنا الحجارة ولو سألنا أي قارئ للقرآن ما المراد بالحجارة؟ لقال هي الحجارة المعروفة لأن لفظ الحجارة هنا مطلق غير مقيد فدل على أن المراد أي حجارة من الحجارة المتوفرة في الأرض لكن ورد عن ابن مسعود أنه قال: هي حجارة من كبريت، قيّد الحجارة أنها من كبريت، ثم قال الله: خلقها الله يوم خلق السموات والأرض، هذا أيضًا نقطة أخرى ذكرها في هذه الحجارة، قال: في السماء الدنيا يعدّها للكافرين. ذكر لنا قيدان في هذه الحجارة أنها من كبريت وأنها خُلقت يوم خلق السموات والأرض في السماء الدنيا. فهذه الأخبار عن نوع الحجارة وهو نوع من التخصيص لا يمكن إدراكه إلا بالخبر. وهذا أيضًا ورد في رواية السدّي المشهورة عن الشافعي عن ابن مسعود وعن ابن عباس وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا: أما الحجارة فهي حجارة في النار من كبريت أسود يعذَّبون به في النار. فإذن تقييد الحجارة بأنها هذا النوع من الحجارة لا يكن أن يُدرك إلا بخبر عن معصوم وما دام ورد عن ابن عباس وابن مسعود فإنه يدل على أنه متلقّ من النبي صلى الله عليه وسلم إن لم يعد هذا من أخبار بني إسرائيل.

مثال آخر أيضًا في قوله سبحانه وتعالى (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) الرحمن) فقد ورد عن عمر وابن مسعود أن الخيام الدرّ المجوف، حور مقصورات في الخيام أن أن هذه الخيام درّ مجوّف فإذن لو تصورت أن هذه الخيمة التي ذكرها الله سبحانه وتعالى في هذه الاية هي در مجوف، تصور شكل الخيمة بدل أن يكون من القماش هو من الدر وهو مجوف كالخية. ورد عن ابن عباس أن قال: الخيمة لؤلؤ – وليس هناك فرق بين در ولؤلؤ - أربعة فراسخ في أربعة فراسخ لها أربع آلآف مصراع من ذهب, لاحظ هذه التفاصيل الدقيقة عن الخيمة هذه لا يمكن أن تدرك بالعقل ولا بالقياس وإنما مجالها الخبر ولو رجعنا إلى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة في هذا الموضوع فقد ورد عن البخاري وهو ليس في مقام التفسير أنه صلى الله عليه وسلم يقول عن نعيم الجنة في غير مقام التفسير قال: الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ثلاثون ميلًا، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون، وهذا رواه البخاري وغيره. هذا يدلنا على أن ما قاله السلف الذين ذكرنا قولهم ابن عباس وعمر بن الخطاب وابن مسعود أن له أصلًا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فالخيمة درة مجوفة قال الرسول صلى الله عليه وسلم هذا ما ورد الخيام الدر المجوف. ثم لو تأملنا ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم من أن طولها في السماء ثلاثون ميلًا ولم يذكر العرض الذي ذكره ابن عباس لكن كونه ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذه الإشارات فما قاله هؤلاء لا يمكن أن يكون متلق إلا من جهته صلى الله عليه وسلم. فإذا ورد مثل هذا الأمر عن الصحابة فالأصل فيه القبول لأن الغيبيات لا يمكن إدراكها بالقياس والعقل وإنما تُدرك بالخبر وعادة الصحابة رضي الله عنهم في هذا المقام أن يرووا عن النبي صلى الله عليه وسلم إما مباشرة بنسبها إليه وإما ألا ينسبوا إليه لمعرفتهم أن السامع يعلم أنه إنما تُلقّيَ من جهة النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا لا يمكن أن يتلقى بقياس ولا بعقل.

التابعون وأتباع التابعين كانوا مصل الصحابة يروون مثل هذه الغيبيات ولا ينسبونها ولكن كما قلنا ليس حكم ما روي عن التابعي وتابعي التابعي كحكم ما روي عن الصحابي رضي الله عنهم. مثال ذلك ما ذكره الطبري في قوله (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ (38) النبأ) حيث اختلف أهل العلم في معنى الروح على أقوال كثيرة منها:

·         المراد بالروح جبريل عليه السلام وهذا هو المهشور وهذا ورد عن الضحاك والشعبي.

·         والثاني أنهم خلقٌ من خلق الله في صورة بني آدم، لاحظ التحديد، إذن ليسوا بني آدم، وليسوا ملائكة وليسوا جنّ، يفهم منها أنهم صنف آخر وهذا قاله مجاهد.

·         وقول آخر أن المراد بهم بنو آدم وهذا روي عن الحسن البصري.

 

نحن يعنينا في القول الثاني أنهم خلق من خلق الله في صورة بني آدم الذي روي عن مجاهد وهو من كبار علماء التابعين في التفسير إلا أن هذا خبر غيبي فيتوقف فيه حتى يُسند إلى صحابي فيُثبَت. ولذا نقول في مثل هذا المقام أن مثل هذه الأخبار التي ترد عن التابعين يحسن أن يرد فيها السؤال من أين تلقاها هؤلاء التابعون؟ فليس عندنا في تلقيهم لها إلا أن يكون من جهة الصحابة والاحتمال كبير وقوي وإذا كان من جهة الصحابة سيكون الاحتمال الذي ذكرناه أن يكون الصحابة قد تلقوه عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هذه الأخبار كثيرة واردة في التفسير فالقارئ للتفسير إذا قرأ هذه الأمور لا يجعل عنده حكم بأن الأصل في هذه عدم القبول المطلق وإنما هي مرتبطة بأحوال هذه الأخبار وما يمكن أن يناقش من خلال الأمثلة الموجودة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل