برنامج تبيان - سورة الإنسان - 1

برنامج تبيان

سورة الإنسان - 1


صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)


المقدم: في هذه الحلقة سنبدأ في تفسير سورة الإنسان. قال الباري جلّ وعلا (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٢﴾ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ﴿٤﴾) هدايات الآيات وقبل ذلك تنزلة السورة.

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. سورة الإنسان سورة عظيمة وهي من السور المكية وعدد آي هذه السورة واحد وثلاثون آية. قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه السورة في صلاة الفجر من يوم الجمعة فيقرأ في الركعة الأولى سورة السجدة وفي الركعة الثانية سورة هل أتى على الإنسان وما ذاك والله أعلم إلا لما اشتملت على على المعاني العظيمة الجليلة التي يحسن بالإنسان أن يتذكرها دائمًا وأبدًا. وموضوع السورة كما يشير إليه بداية السورة حيث يقول الله تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) فموضوعها عن الإنسان مبدأ الإنسان ومنتهاه وما يتوسط ذلك من قصة حياة الإنسان، ولذلك والله أعلم لهذا ولغيره كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها مذكّرين المسلمين في صلاة الفجر من يوم الجمعة.

يقول الله تعالى (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا) يبيّن الله جلّ وعلا أنه قد مر حين وزمن طويل على الإنسان وفترة من الدهر لم يكن هذا الإنسان يُذكر ولا يُعرف وليس له أثر لم يكن شيئا مذكورا، فلم يتجبر الإنسان ولم يتكبر ولم يبتعد عن طاعة الله تبارك وتعالى وعن توحيده والإيمان به؟!. (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ) ثم بعد ذلك، بعد أن لم يكن الإنسان شيئًا مذكورًا خلق الله تبارك وتعالى هذا الإنسان ابتداء من خلق آدم ثم تناسلت ذريته بعد ذلك يُخلقون من النُطف الأمشاج المختلطة من ماء الرجل وماء المرأة وسبب هذا الخلق وسبب هذا الإيجاد ليبتليهم جلّ وعلا كما قال جلّ وعلا في أول سورة تبارك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴿٢﴾) وكذلك خلق الله تبارك وتعالى الإنسان هنا من نطفة أمشاج لنبتليه.

قال الله (فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) أي أننا زودناه وهيأنا له السمع والبصر حتى يكون معينًا له بعد ذلك لعلى القيام بالمهمة التي خُلق لأجلها، والله تبارك وتعالى قد هيأ الإنسان وركّب فيه من الطاقات القوة والعقل، والقلب والفؤاد والسمع والبصر والقوى التي تعينه على ما خلق من أجله وهو طاعة الله وعبادته (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾ الذاريات) وعلى التعرف على هذه العبادة والوصول إلى الحقيقة والغاية العظمى.

(إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) أي أننا وضحنا له الدلائل وأقمنا له البينات والعلامات ووضحنا له السبيل فانقسم الناس بعد ذلك إما شاكر مؤمن بالله جلّ وعلا قائم بما خلق من أجله أو كافر بربه وكافر بنعمة الله جلّ وعلا. هؤلاء الذين انقسموا إلى قسمين شاكر وكفور قال الله تبارك وتعالى مفصلًا هذا الإجمال (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا) هؤلاء الذين كفروا نعمة الله جلّ وعلا أعدّ الله لهم سلاسل وأغلال وسعيرا يصلونها يوم القيامة والعياذ بالله! السلاسل يقيّدون بها، تقيد بها أرجلهم والأغلال تغلّ أيديهم إلى أعناقهم والسعير نعوذ بالله من حال أهل السعير وأهل النار، هي النار التي تستعر عليهم ويلتظي عليهم حرّها ويشتد. هذا هو الفريق الأول الذي أجمله الله جلّ وعلا بقوله (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ثم جاء التفصيل وهذا ما يسمى عند علماء البلاغة "اللفّ والنشر" اللف هو الإجمال والنشر بعد ذلك هو فالله عز وجل قال (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) ثم بين بالتفصيل حال هؤلاء الشاكرين أو الكافرين. واللفّ والنشر عند علماء البلاغة إما أن يكون مرتبًا أي يأتي التفصيل على نفس ترتيب الإجمال أن يكون غير مرتب وهو أن يًبدأ بالتفصيل على غير ما جاء في الإجمال وهو الوارد في الآية.

ثم قال تبارك وتعالى (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ﴿٤﴾ إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴿٥﴾ عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا ﴿٦﴾ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ﴿٧﴾ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾)

هذا هو القسم الثاني من عباد الله جلّ وعلا وهم الشاكرون قال الله تبارك وتعالى عن جزائهم يوم القيامة (إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) هؤلاء الذين برّت قلوبهم وبرّت أعمالهم وأخلاقهم اي استقامت على أمر الله جلّ وعلا هؤلاء في الجنة (يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا) أي يشربون من كأس خمر قد مُزجت بالكافور ولكن كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الأسماء أما الحقائق فإنها تختلف اختلافًا كبيرًا وإنما تتشابه الأسماء ففي الجنة خمر ولكن ليس كخمر الدنيا، فيها كافور ولكن ليس ككافور الدنيا وإنما الاشتباه في الأسماء. قال الله جلّ وعلا (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) أي هذا الشراب الذي مُزج من الكافور هو ما يشرب منه عباد الله جلّ وعلا ويفجّرون هذه العين تفجيرًا أي أنهم يجرونها ويصرّفونها حيث شاؤوا لا يصعب هذا عليهم ولا يثقلهم وإنما هو إجراء سهل. هؤلاء الذين أنعم الله عليهم كانوا في الدنيا يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرا، هذه صفاتهم: الصفة الأولى أنهم يوفون بالنذر والنذر هو ما يلزم الإنسان به نفسه مما لا يكون في الأصل واجبًا عليه، والنذر في الأصل ليس بواجب ولكن الواجب هو الوفاء به. وما يحسن الإشارة إليه هنا هو أن النذر في مبتدئه ليس بمستحب وإنما كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يأتي بخير إنما يستخرج به من البخيل لكن إذا نذر الإنسان فإنه يجب عليه أن يوفي بنذره استجابة لأمر الله جلّ وعلا. هؤلاء يوفون بالنذر وصفتهم الثانية أنهم يخافون يوما كان شره مستطيرًا أي شره فاشيًا منتشرًا وهو يوم القيامة نعوذ بالله من هذا اليوم!. هذا الخوف يُثمر على سلوكهم وعلى أخلاقهم وعلى أعمالهم القيام بما أمر الله جلّ وعلا فهو ليس خوفًا مجردًا ينكفئون به على أنفسهم وإنما هو خوف يستتبعه العمل ولذلك قال من قال من أهل العلم: الخوف الذي تحتاج إليه هو ما حجزك عن المحرمات ودفعك إلى الطاعات، هذا هو الخوف الحقيقي الذي كان عليه سلف الأمة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن بعدهم.

صفة هؤلاء الأبرار الثالثة أنهم كانوا (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ﴿٨﴾) يطعمون الطعام وهم يحبونه كما قال الله تبارك وتعالى (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (92) آل عمران) وهذا أعلى درجات الإنفاق أن ينفق الإنسان من الشيء الذي يحبه الذي يحتاجه، الغالي عليه، أن تصدق وأنت صحيح شحيح وأما الصدقة والنفقة فهي مستحبة على كل أحوالها ولذلك إذا الإنسان استجد له ثوب يستحب له أن يتصدق له بالثوب الخلِق، إذا اشتجد أثاثًا أو متاعًا استحب له أن يتصدق بالقديم، هذا حسن ولكن الأحسن أن يتصدق الإنسان بما يحبه، بالشيء النفيس الغالي عليه ولذلك امتدح الله عباده بهذه الصفة أنهم يطعمون الطعام وهم يحبونه، ويطعمون المسكين واليتيم والأسير يطعمون وهم في أنفسهم ولسان حالهم يقول (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴿٩﴾) لا يطلبون من هؤلاء المساكين والأيتام والأسارى لا يطلبون منهم أي شيء وإنما ينفقون ويتصدقون عليهم ابتغاء وجه الله جلّ وعلا لا يريدون منهم لا نقير ولا قطمير، لا ثناء ولا جزاء ولا أن يجازوهم حتى بمجرد الدعاء. ولذلك قال بعض أهل العلم أنه حتى الفقير والمسكين لا تحرص أن تطلب منه الدعاء إذا أحسنت إليه إنما تصدق لوجه الله تبارك وتعالى والله تبارك وتعالى هو الذي يتولاك. ولذلك كان من أعظم رُتب الصدقة أن يتصدق الإنسان بالصدقة حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: ما شأن القصص التي يحكيها الصحابة والتابعون وأتباعهم في تفسير الآيات؟ هل هي من الرأي أو المنقول؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. هذا هو القسم الثالث من التفسير بالرأي وهو ما يربطون الآية به بالقصص وهي في التفصيل من قبيل الرأي فهي من اجتهاد المفسر سواء كان من الصحابة أو من التابعين أو من أتباع التابعين. وبعض هذه الأحداث قد تكون مصاحبة لوقت النزول أو تكون قبل النبوة. وأيضًا نلاحظ أن بعض أسباب النزول لا تخلو أن تكون من قصص الآية فتجتمع فيها أنها قصة آية وسبب نزول مثال ذلك ما ورد عن ابن عباس في تفسير قوله سبحانه وتعالى (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ (223) البقرة) فقد أورد قصة في هذا من شأنها نزلت هذه الآية وهذا يكون في وقت النزول. أيضًا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل التفسير أن ذكر قصصًا في بيان بعض الآيات مثل قوله صلى الله عليه وسلم في تفسير الآيات (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا ۚ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69) الأحزاب) فقد أخرج البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال: إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا، لا يُرى من جلدِه شيءٌ استحياءً منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيلَ، فقالوا: ما يستترُ هذا التسترَ، إلا من عيبٍ بجلدِه: إما برصٌ وإما أدرةٌ، وإما آفةٌ، وإن اللهَ أراد أن يُبَرئَه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابَه على الحجرِ، ثم اغتسل، فلما فرغَ أقبل إلى ثيابِه ليأخذَها، وإن الحجرَ عدا بثوبِه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجرَ، فجعل يقولُ : ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ، حتى انتهى إلى ملأٍ من بني إسرائيلَ، فرأوه عريانًا أحسنَ ما خلق اللهُ، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجرُ، فأخذ ثوبَه فلبسه، وطفقَ بالحجرِ ضربًا بعصاه، فواللهِ إن بالحجرِ لنُدَبًا من أثرِ ضربِه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قولُه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا} الراوي: أبو هريرة المحدث: البخاري،المصدر: صحيح البخاري - الصفحة أو الرقم: 3404 - خلاصة حكم المحدث: [صحيح]

·         فإذن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر قصة تحت هذه الآية ولا شك أن هذا من قبيل المنقول الذي يجب قبوله، والصحابة رضي الله تعالى عنهم سلكوا هذا المسلك فاجتهدوا في ربط هذا القصص التي لم ترد عنه صلى الله عليه وسلم بالقرآن وكذلك تبعهم أتباع التابعين. فمثل هذا المقام وهو مقام ربط بعض القصص بالقرآن كان منهجًا مسلوكًا عند الصحابة والتابعين وأتباعهم وكان له ضروب:

·         ضرب منه أتى بذكر الخبر مُجملًا

·         وضرب منه ذكر ما ورد من الخبر الذي جاء في القرآن وزاد عليه تفاصيل

·         وضرب منه حمله على قصص معروفة في كتب السابقين وقد يقع فيه منازعة في كونها هل هي المعنية بما ورد في القرآن أو لا.

من الأمثلة في ذلك ما ورد في تفسير قوله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) الأعراف) فقد ورد عن ابن مسعود أنه قال: رجل من بني إسرائيل يقال له بلعم بن أبر وكذلك ورد عن ابن عباس وزاد أنه أوتي كتابا فأخلد إلى شهوات الأرض ولذاتها وأموالها ولم ينتفع بما جاءه من الكتاب. ولم يرد عنهم تفاصيل قصة هذا الرجل وهي موجودة في كتب التفسير وغيرها. فهذا مما ورد عنهم مجملًا وإن كان الآية فيها خلاف من المقصود بها ولكن ذكروا أن المراد بها بلعم بن باعر أو بن باعوراء أو ابن أبر على حسب قرآءة هذا الاسم الذي هو موجود كتب بني إسرائيل وقصته مشهورة. ومنها أيضًا ما ورد في تفسير قوله تعالى (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴿٢٣﴾ القصص) فقد ورد عن الصحابة في تفسير هذه الآية تفاصيل منها ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون فلما فرغوا أعادوا الصخرة على البئر ولا يطيق رفعها إلا عشرة رجال فوجد من دونهما امرأتين تذودان قال ما خطبكما فحدثتاه فأتى الحجر فرفعه ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا حتى رويت الغنم، فهذا فيه تفاصيل من عمر رضي الله عنه وكذلك وردت تفاصيل أخرى من ابن عباس وابن مسعود ذكرها المفسرون تتابع السلف على ذكرها في قصة المرأتين وموسى عليه السلام. كذلك ايضًا ما ورد في تفسير (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) الحشر) فقد روى الطبري عن أمير المؤمنين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن راهبًا تعبّد ستين سنة وإن الشيطان أراده فأعياه فعمدت إلى امرأة فأجنّها من الاجتنان أي أصابها بالجنون ولها إخوة أي أنهم جاؤوا بها وأخفوها عنده فقال لإخوتها عليكم بهذا القسّ فيداويها فداواها وكانت عندهم فبينما هو يومًا عندها إذ أعجبته فأتاها فحملت فعمد إليها فقتلها فجاء إخوتها وجاء الشيطان إلى الراهب فقال إنك أعييتني وأنا صنعت بك هذا فأطعني أنجك مما صنعت بك فسجد له فلما سجد له قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين فذلك قوله (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (16) الحشر). وقد وردت هذه القصة كذلك عن ابن مسعود وابن عباس وان اختلفت التفاصيل التي ذكروها في هذه القصة. وهذه القصة كما يلاحظ أن هؤلاء الكرام لم يسندوها إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول ابن كثير في هذا: وقد ذكر بعضهم هاهنا قصة لبعض عبّاد بني إسرائيل هي كالمثال بهذا المثل لا أنها المرادة وحدها بالمثل بل هي منه مع غيرها من الوقائع المشاكلة لها وهي بناء على ذلك فإن مثل هذه القصة تحكى وتقبل لأنها قصة لا تحمل أمرا يُنكر وقد تتابع عليها عدد من الصحابة رضي الله عنهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن عباس وهم يحكون بعض القصص على هذه الطريقة.

 

مما يلاحظ أيضًا في بعض المروي عنهم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين بعض الغرائب الموجودة في القصص وقد يرد هذا كثيرًا عند السدي وابن اسحق وابن منبه والكلبي ومقاتل بن سليمان وليس هذا مقام حكاية قبول هذا من عدمه لأنه سيأتي تفصيله بإذن الله تعالى. ولعلي أكتفي بذكر بعض أمثلة في هذا المقام في قوله (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) وقد سبق ذكر خبر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقد أورد ابن جريج قال: حجرًا كان لا يطيقه إلا عشرة رهط وشريح قال: انتهى إلى حجر لا يرفعه إلا عشرة رجال فرفعه وحده والسدي قال: رحمهما موسى حين قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء فاقتلع صخرة عن البئر كان النفر من أهل مدين يجتمعون عليها حتى يرفعوها فسقى لهما موسى دلوا فأروتا غنمها فرجعتا سريعًا وكانتا إنما تسقيان من فضول الحياض. قال قتادة: تصدّق عليهما نبي الله صلى الله عليه وسلم فسقى لهما فلم يلبث أن أروى غنمها وابن اسحق قال: وموسى ثم تقدّم إلى السقا بفضل قوته فزاحم القوم على الماء حتى أخرهم عنه ثم سقى لهما. وفي هذه الرواية التي ذكروها قصة كونه يحمل صخرة لا يطيقها عشرة رجال فيها شيء من الغرابة ومع ذلك رووها وتتابعت روايتهم عليها كما لاحظنا الصحابة والتابعين وأتباع التابعين فهي كلها قصص ربطت ببعض آيات القرآن وهي تدخل من قبيل التفسير بالرأي والله الموفق. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل