النبأ العظيم - سورة الغاشية - د. أحمد نوفل

سورة الغاشية

د. أحمد نوفل

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

مع سورة الغاشية، هذه السورة التي كان الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلوات يكثر من تلاوتها وبخاصة في أيام الجمعة، الأعلى والغاشية كثيرًا ما كان يقرن بينهما صلى الله عليه وسلم لأن فيها التذكير بالعقيدة العظيمة "عقيدة القيامة"، إذن موضوع السورة القيامة لكن كما كررنا ونكرر لكل سورة منهجها، لكل سورة أسلوبها، مفرداتها، شخصيتها، تميّزها، وإن كانت تطرح موضوع القيامة ولكن بتفنن عجيب لا يستطيعه إلا القرآن لأنه كلام الرحمن سبحانه! هذا الكتاب المجيد يحتاج إلى فهم منهجيته بالتأمل (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (24) محمد) نحن نحاول أن نتدبر.

ماذا في سورة الغاشية؟ ما معنى الغاشية؟ قضايا كثيرة نحاول أن نستجليها في هذه الدقائق المحدودة المعدودة إن شاء الله.

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴿١﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴿٢﴾ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴿٣﴾ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴿٤﴾ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ ﴿٥﴾ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴿٦﴾ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴿٧﴾ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴿٨﴾ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴿٩﴾ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿١٠﴾ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴿١١﴾ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴿١٢﴾ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴿١٣﴾ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴿١٤﴾ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴿١٥﴾ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴿١٦﴾ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١٨﴾ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿١٩﴾ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴿٢٠﴾ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿٢١﴾ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴿٢٢﴾ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴿٢٣﴾ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴿٢٤﴾ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴿٢٥﴾ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴿٢٦﴾)

هذه السورة سورة الغاشية من سور الاستفهام (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ). سور الاستفهام ست سور (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴿١﴾ الإنسان) (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿١﴾ النبأ) (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) (أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ﴿١﴾ الشرح) (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴿١﴾ الفيل) (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ﴿١﴾ الماعون) هذه ثالث سورة من سور الاستفهام في القرآن الكريم المبدوءة والمفتتحة بالاستفهام (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ). هذه السورة رقم 11 بترتيب جزء عم رقم 88 بترتيب المصحف الشريف. اسمها الغاشية، واحد من أسماء القيامة، لم ترد كلمة الغاشية إلا مرتين هنا باسم القيامة محددًا (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) وفي آخر سورة يوسف (أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٠٧﴾ يوسف) ربما لا تعني القيامة أو غاشية من عذاب الله في الدنيا، لكن هنا الغاشية اسم من أسماء القيامة. القرآن يسأل في فاتحة السورة سؤالًا ليثير الانتباه والتركيز، هذا القرآن يحتاج إلى تركيز ذهني وتفتُّح مَلَكات لا تستقبل القرآن ونوافذ العقل مغلقة والستائر السوداء على النوافذ أيضًا مطبقة فتجتمع علينا الظلمة والحجب من كل جهة، لا، افتح النوافذ والستائر ودع نور القرآن ينفذ وشعاعه يخترق وينير ظلمات القلب والنفس.

(هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) المخاطَب سيد المخاطبين ثم من بعده كل من يصلح منه الخطاب (هل أتاك) يا سيد المخاطبين ثم يا أيها الناس جميعا، (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) الحديث الخبر الذي يتحدث به لأهميته نقول عنه حديثًا، الناس عندهم اهتمامات، النشرة الجوية خبر مهم لأن فيه تقلبات في الجو فالناس تهتم بالخبر، حدث زلزلال، هذا خبر يتحدث به الناس (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) (يَغْشَى النَّاسَ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) الدخان) غاشية تعم الوجود، تعم الخلق أجمعين لذلك فهي غاشية تغشى الناس، تغطيهم وتشملهم جميعًا.

فورًا بعد هذا الاستفهام المثير بدأ في أجزية الناس (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴿٢﴾) خاشعة من الذل، الخشوع الانكسار، الخشوع الذل، الذل بين يدي العزيز منتهى العزة إنما الذل أمام عبد ذليل هذا الذل، لكن الذل أمام الإله العزيز منتهى العزة لكن هناك ذلّ انكسار، ذلّ الذنب، ذلّ الخطأ، ذلّ الاعتراف بعد الاقتراف إذن (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ﴿٢﴾) من الذلّ. (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ﴿٣﴾) كلمتين: عاملة ناصبة يمكن أن تُفهم بطريقتين: عمر بن الخطاب رضي الله عنه له كلمة لا ندري مدى ثبوت نسبيتها له رأى أحد راهب زاهد وملابسه مقطعه ومعتكف في غار في حالة مزرية فبكى عمر وتذكر الآية وطبقها على الراهب قال (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تصلى نارا حامية)، هذا فهم، إن صحت الرواية والمعنى سليم. لكن فيما أرى لو ثبت الكلام ونسبته صحيحة لعمر نسكت لكن هذه الرواية مروية إلى عمر والله أعلم. أرى أن الفهم الأقرب إلى روح النص عاملة ناصبة يوم القيامة تصلى نارًا حامية يوم القيامة نسأل الله السلامة! القيامة أشغال شاقة مع العذاب، تعذيب وأشغال شاقة (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) المدثر) بعض المساجين يسجونه ويرسلونه إلى الجبال يكسر حجارة أو يحفر طرق يقال (سجن مع أشغال شاقة) ليس فقط عذاب (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) يصعد قمة جبل في جهنم وينزل فوق العذاب نسأل الله السلامة! فيا إنسان حاذر أن يكون مصيرك مثل هذا المصير. (تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴿٤﴾) حامية مطلقًا، عندما تضع يدك على فرن أطفئ منذ قليل تحرق يدك وتلتصق بالحديد والحرارة 60 أو 70 أما جهنم فحرارتها بالملايين 30، 40 مليون الله أعلم، لا نعلم، كل حرارة الدنيا وأعلى ما يعرفه البشر بسبعين ضعفًا، هذه نار جهنم نسأل الله العافية والسلامة! حرارة الشمس عشرين مليون اضرب بسبعين إذن شيء لا يحتمل ولا في الخيال! فيا أيها الإنسان ماذا يرسلك لهذا؟! يقول وما أدرانا؟ إذا أخبرك أصدق الخلق عن إله الكون ومن أصدق من الله حديثا والعقل والفطرة تتقبله لأن وراءه حجة وبينة وكتاب معجز لا مجال للمجادلة لأن على نفسك تجني أيها الإنسان فانتبه لنفسك ولا ترديها في أودية الهلاك.

(لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ﴿٦﴾) شوك، لاحظ جرس الكلمة يصوّر معناها، الضاد في أول الكلمة والعين في آخرها، ألفاظ وحروف قوية (ضَرِيعٍ) شديدة لكي تصور شدة الموقف (لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴿٧﴾) يا رب سلّم!! الآن تصور نفسك لا تأكل عشر ساعات متواصلة، ماذا يحصل لك؟ إذا لم تأكل ستة وثلاثين ساعة ماذا يحصل لك؟ تصور وأنت جائع أسبوع بطوله توشك على الانهيار والألم يقطع أمعاءك من شدة الجوع! تصور واحد مليون سنة لم يتذوق ذواقًا ولم يشرب ماء باردًا قط! كم يكون ألمه؟! لماذا؟ يا إنسان عمرك كله خمسين ستين سنة فاقضيه بالعبادة لتنجو غدًا من هذا الموقف الرهيب، يا أيها الإنسان ما يشغلك عن الرحمن؟ ما يشغلك عن الجنان؟ استيقظ أخي المؤمن ولا تدع الشياطين تقودك في أودية الهوى والردى والهلاك.

بدأ بالمعذّبين ثم ثنّى بالمنعمّين (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ﴿٨﴾ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ﴿٩﴾) كيف طالب مُجدّ قضى السنة كلها دراسة وتلخيص ومتابعة وشروح ومراجعات فلما جاءت النتيجة 97.5%، الله! يا رب لك الحكمة أن وفقتني للاجتهاد لم يضع وقتي ولا جهدي سدى، لك الحمد ما حرمتني ثمرة تعبي، كم يكون سرور هذا الإنسان؟!.

(فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿١٠﴾ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴿١١﴾ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴿١٢﴾ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴿١٣﴾ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴿١٤﴾ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴿١٥﴾ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴿١٦﴾) انتهى بهذا المقطع الأول بهذه الكلمات. نهاية المقطع الأول نعيم أهل الجنة ذكرت الآيات الكريمة بعض المفردات تحتاج إلى تجلية بسيطة: (فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ﴿١٠﴾ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ﴿١١﴾) الصوت واللغو الذي ليس له معنى، لا صوت مزعج ولا لغو فارغ (فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ﴿١٢﴾) ليست عينًا واحدة وإنما جنس العيون جارية متدفقة، (فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ﴿١٣﴾) عالية لتكون مشرفة ذات إطلالة على الأنهار والجنان والأزهار والثمار، شيء هائل عجيب! (وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ﴿١٤﴾) تحت الطلب أنواع من الشراب أنواع من المأكولات أنواع من الزجاج، أنواع من الذهب والفضة. (وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ﴿١٥﴾) الوسائد (وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴿١٦﴾) في المغرب لغاية الآن يسمون السجاد الذي يفرش على الأرض زرابي.

المقطع الأخير في هذه السورة الكريمة (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾) الإبل هذه معجزة من معجزات الخلق، أولًا هذا الشكل الهرمي السنام الذي يختزن الدهن تحت هذا الهرم يكفيه لو لم يشرب ولم يأكل إلى سبعة أيام مع بذل الجهد، خالد بن الوليد رضي الله عنها قطع صحراء السماوة أسبوع بأكمله عطّش الإبل وسار بها من العراق إلى اليرموك! هذه الإبل معجزة في التحمل معجزة في الخلق. لاحظ الدعاسات الموجودة عند الركب وعند البطن عندما يهبط الجمل على الحصى والرمل الساخن والخشن عنده وسادات واقية في الركب وفي الأيدي والأذرع. الخفّ لما تكون السيارة في الرمل أو الجليد تنفّس هواء الإطارات لتخرجها من الرمل، لو كان خف الجمل كحافر الحصان كان غاص في الرمل لكن الخفّ يفرد على الرمل. الشفة المشقوقة حتى يأكل الشوك، التبخير بأقل ما يمكن لأن سطحه المعرض للشمس أقل ما يمكن، المشافر، الأنف الذي ينغلق أمام العواصف الرملية، الجفون كل ما في الجمل معجز. (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾) وحليبه ولبنه غذاء كامل ومحلّى طبيعي ويبقى صالحًا في الحر الشديد معجزة بكامل الكلمة ومعناها.

(وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١٨﴾) كيف رفعت، عجيب، ذكر الإبل قبل السماء لأن الإبل أقرب إلى العربي البدوي الذي نزل في بيئته القرآن الكريم من موضوع السماء، لو قلنا له السماء والأجرام والمجرات، هم يعرفون النجوم لكن الإبل أقرب لهم من حديث النجوم، بدأ القرآن بالقريب (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾) ثم ثنّى بالبعيد (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ﴿١٨﴾) و(وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿١٩﴾) الجمال، السماء، الجبال، الأرض كيف سطحت (وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴿٢٠﴾)، البناء الهرمي، الجمال كالجبال فيما بينهما السماء، السماء كيف رفعت والأرض كيف سطحت، توزيع وتقسيم هندسي عجيب!!. الوقت أضيق من الحديث عن الجبال!

(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿٢١﴾) أكثر من أمر صدر لهذا النبي العظيم أن يذكّر (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴿٩﴾ الأعلى) (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ﴿٢١﴾) "إنما أنت" حصر وقصر، أنت يا رسول الله وظيفتك شيء واحد تتلخص في كلمة واحدة أنك مذكِّر، إذا أردت أن تمارس وظيفتك فذكر إنما أنت فقط شيء واحد: مذكِّر (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴿٢٢﴾) مدهش هذا القرآن نقولها ولا نملّ! بعض علمائنا مع المحبة والاحترام يقول هذه الآية منسوخة، لا، هذه الآية أصلًا لا تقبل النسخ معنى منسوخة أن النبي مسيطر، لا، النبي ليس مسيطرًا على الخلق، النبي مذكّر للخلق، معلّم للخلق هذا شيء ومسيطر على الخلق شيء آخر. (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴿٢٢﴾) الآية أصلًا لا تقبل النسخ قطعًا. (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴿٢٣﴾) قضية الاستثناء، هل هذا الاستثناء استثناء حقيقي على ظاهره؟ لا، ليس على ظاهر الاستثناء ولكن هنا (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴿٢٣﴾) بمعنى لكن من تولى وكفر فحسابه عليّ ومرجعه إليّ كما يقول مولانا الكريم. أنت يا رسول الله بكل الأحوال لست مسيطرًا على أحد لكن يا رسول الله -(معنى إلا) ليس استثناء، الاستثناء هنا مفرّغ من عمله- إلا من تولى وكفر دعه لي أنا أتولى أمره (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴿٢٣﴾ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴿٢٤﴾) يا ربّ سلِّم! العذاب الأكبر، ليس هناك عذاب مثل عذاب الله عز وجل فعذابه هو العذاب والأكبر. (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ﴿٢٥﴾) مرجع الخلق كله إلى الله عز وجل (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴿٢٦﴾) علينا يعني أنا ملتزم بحسابهم وجزائهم، المسيء سأجزيه مقابل إساءته والمحسن سأجزيه مقابل إحسانه.

 

هذا هو جو سورة الغاشية بدأت في مقطعها الأول بالاستفهام (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴿١﴾) وبدأت في مقطعها الثاني بالاستفهام (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴿١٧﴾) حرف الاستفهام الهمزة (أ) ثم (فاء) العطف والتعقيب ثم (لا) النفي (أفلا) همزة الاستفهام ثم فاء العطف والتعقيب ثم لا النفي كأنها ثلاث كلمات في أربعة حروف فقط! (أ) الاستفهام وفاء التعقيب هذا أشد التحضيض على النظر وهذه أعلى الصيغ (أفلا) أقل منها (أولا) أقل منها (ألا) ثلاث مراتب أعلاها جميعًا في التحفيز والتحضيض (أَفَلَا يَنْظُرُونَ) إذن هذه دعوة للنظر في الكون القريب منك ثم البعيد عنك تحاول أن تستجلي آيات الله وترى آثار ما صنع المليك سبحانه ترى آثار القدرة وإن غاب عنك وجه القدرة كيف يغيب عنك وجه النعمة في هذه الآيات؟! الإبل وغير الإبل فيها وجهان: وجه يدل على قدرة الله الذي خلق هذا الخلق المدهش المعجز، نتخذ من أوبارها وأشعارها واصوافها أثاثًا ومتاعًا خيمنا وملابسنا كله من أوبار هذه الجمال خيامنا التي نستخفّها يوم الظعن ويوم الإقامة كلها من أوبار هذه الجِمال، من خلقها؟ سبحانه، منها نأكل وعليها نركب ونسافر. إذن فيها وجه القدرة ووجه النعمة التي تدلنا في النهاية على الله لنعمل ليوم نلقى فيه الله، هذا جو سورة الغاشية.

http://www.fawaed.tv/episode/8628



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل