آية غيرتني - (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٤﴾ آل عمران)

آية غيّرتني – (يسارعون في الخيرات)

د. رقية العلواني

(تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا)

(يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٤﴾ آل عمران)

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمد الشاكرين والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

يوصف الزمان الذي نعيش فيه بأنه عصر السرعة، سرعة في كل شيء، ولكن السرعة التي يحدثنا عنها القرآن سرعة مختلفة ومن زاوية مختلفة. القرآن يحدثنا عن السرعة ويعني بها المبادرة إلى الطاعات والسبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم الإبطاء أو التأخير فيها أبدًا. وتأملوا معي هذه الآيات العظيمة يقول الله عز وجل (يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٤﴾ آل عمران) ويقول (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ آل عمران) ويقول في صفة المؤمنين (أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴿٦١ المؤمنون﴾) ويقول (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴿١٤٨ البقرة﴾) ما هو ذاك السباق الذي يتحدث عنه القرآن؟ وهل الإنسان يعيش في الدنيا في سباق؟ السباق الذي يحدثنا القرآن عنه سباق الإنسان مع الزمن الذي ينقضي أحيانًا كثيرة دون أن نشعر بمروره، الشهر والشهران والأشهر والسنة والأعوام تمر هكذا تباعًا فإذا لم يتيقظ الإنسان لمرور الزمن ويستشعر بسرعة انقضاء الأيام ويبارد بالأعمال والطاعات والصالحات ويتزود منها فهو حتمًا من الخاسرين في ذاك السباق. الدنيا بأسرها سباق ولكن الناس يختلفون في فهم ذلك السباق، منهم من يراه سباقًا لجمع الأموال ومنهم من يراه سباقاً في تحصيل اللذات العاجلة من لذات الدنيا ولو كان بتفويت ملذات الآخرة الباقية، منهم من يسابق نفسه وحياته في سبيل إدراك شهرة أو حيازة منصب أو ما شابه وهكذا يختلفون في السباق! ولكن منهم من أيقظ الله سبحانه وتعالى بصيرته فأدرك معنى السباق الحقيقي، السباق إلى الآخرة، ذلك السباق الذي يحدثنا القرآن عنه ويحدثنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم حين يقول: لا تنافس بينكم إلا في اثنتين رجل أعطاه الله عز وجل القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ويتّبع ما فيه، فيقول رجل آخر ينظر إلى هذا الرجل الأول: لو أن الله تعالى أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأقوم به كما يقوم به، ورجل أعطاه الله مالًا فهو ينفق ويتصدق فيقول رجل لو أن الله أعطاني مثل ما أعطى فلانًا فأتصدق به. إذن هذا هو السباق ليس الذي نعرفه ذاك السباق المحموم الذي يصوّر الذنيا وكأنها سباقًا لتحصيل الملذات الحسية فحسب، إنه سباق من نوع آخر سباق يتنافس فيه المتنافسون في عمل الخير والمبادرة به، سباق يرى فيه العاملون أن كل لحظة من لحظات العمر التي تمر لا بد أن يسجلوا فيها طاعة سجدة لله سبحانه وتعالى كلمة ذكر أو تسبيحة أو استغفار أو عمل صالح أو باب خير يفتح لهم أو آية في كتاب الله يقرأونها يتدبرون فيها يبادرونها يبادرون بتطبيقها في حياتهم، يبادرون في تعليم الخير للآخرين. هب أنك سمعت كلامًا طيبًأ فأعجبك، أين التنافس في نقل هذه المعلومة؟ أين التنافس في تعليم الخير والبر والمعروف والإحسان للناس؟ أين التنافس في أعمال البر (وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴿٢٦المطففين﴾)؟ أين التنافس؟ وأين ذلك التنافس في أعمال الخير والمبادرة بها من ذلك التنافس المشؤوم المحموم الذي يولد الصراع والنزاع والشقاق والفرةق بين الناس على الدنيا؟ الدنيا تفرّق، أما التنافس على الآخرة فهو الذي يجمع. انظر إلى حال المتنافسين على سبيل المثال في حفظ آيات الكتاب العظيم، انظر لهم كيف يتساءلون فيما بينهم: أين وصلت في السورة الفلانية؟ أين وصلت في تلك الآية؟ أنا فعلت كذا، ليس من باب التباهي ولا من باب التفاخر ولكن من باب التنافس المحمود. انظر إلى تلك المواقع الطيبة تلك المواقع العطرة في الأعمال الصالحة، انظر إلى ذلك الدال على الخير فالدالّ على الخير كفاعله، انظر إلى ذلك الذي ينشر الخير ويعلمه للآخرين كم من الأجر والثواب يسابق فيه، انظر إلى هذا النوع من السباق وتأمل في حال المتسابقين، من هو الرابح فيهم؟ هل الرابح هو ذلك الحريص على الملذات العاجلة؟ القرآن لا يريد منا أن نعيش للآخرة وننسى الدنيا، أبدًا، القرآن يعطيني نظرة متوازنة القرآن يعلمني أن أعيش للدنيا كأني أعيش أبدا وأن أعيش للآخرة كأني أموت غدا. القرآن يعلمني التوازن في حياتي القرآن كما رأينا في تلك الآيات وفي حديث النبي صلى الله عليه وسلم رجل آتاه الله مالًا، فتح الله عليه فضل المال ولكن اين ينفق هذا المال؟ أين وجوه الخير؟ أين الطاعات؟ أين المبادرة؟ أين الدخول في سباق مع الآخرين في أعمال البر والخير والإعمار والزراعة والغرس وكفالة الأيتام ورعاية الفقراء وبناء المدارس وتشييد المستشفيات وأعمال الخير وحفر الآبار وترميم البيوت وغير ذلك من أعمال الخير التي هي معروضة أمام أعيننا اليوم. بادروا بالأعمال بادروا بها واستبقوها لأنك لا تدري ما الذي يعرض لك بعد قليل، لا تدري ما الذي يلهيك بعد قليل، لا تدري ما الذي يصرفك ويشغلك بعد قليل  العاقب الفطن الكيس هو الذي يستغل اللحظة التي يعيشها الآن يعيشها بكل ما فيها من معاني البر والخير، أينما سمع عن عمل خير أو لم يسمع في بعض الأحيان المتسابق في الخير يبحث عن فرص العمل الخيري، يبحث عن فرص العمل الصالح بكل أشكاله وأنواعه. العمل الصالح لا ينحصر فقط في إعطاء مسكين لمال، أبدا، العمل الصالح يأتي بكل ما هو نافع للبشرية، بكل ما هو فيه خير ويدفع كل ما فيه ضرر على الآخرين، العمل الصالح يمكن أن يكون إماطة الأذى عن الطريق العمل الصالح يمكن أن يكون كلمة خير أقوم بإيصالها للآخرين، كلمة بر، العمل الصالح يمكن أن يكون في أشياء بسيطة متواضعة لا ننتبه إليها، كأس من الماء أقوم بإيصاله لمن يحتاج إليه، تيسير طريق، فتح طريق مرور، إعطاء فسحة طريق أمام الآخرين، شخص ربما يقف ويريد أن يعرف طريقه وهو لا يعرف بالضبط أين يذهب هنا أو هناك وتأتي أنت وتدله ترشده إلى ذلك الطريق الصح، هذا من أعمال الخير والبر. إرشاد الناس، إرشاد الضالّ إلى الطريق الصح، هذا من أعمال البر، أعمال البر غير متناهية على الإطلاق، أعمارنا تتنتهي ولكن أعمال البر والخير لا تنتهي. العاقل هو الذي يستبق تلك الأعماليبادر بأخذ الفرص، يقتنص الفرص كلما جاءته فرصة، بل لا ينتظر إلى أن تأتيه الفرصة يبادر ويذهب لأخذ تلك الفرصة ويسارع للقيام لها، سمع المؤذن فإذا به يبادر بالصلاة قبل أن يشعر بفتور أو كسل أو ما شابه، يبادر بهذه الأعمال الطيبة قبل الآخرين ويدل الآخرين عليها فيشاركهم في الأجر والثواب والعطاء، يساعد ويرفع ويدفع ويعطي ويأخذ ولكنه يجد نفسه وذاته في العطاء أكثر من الأخذ لا يبتغي من الناس ثوابًا ولا مدحًا ولا ثناءً ولكن كل ما يتمناه ويريده أن يحصل على رضى الرحمن وأن يكون من السابقين وأن يكون من المقربين (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ﴿١٠﴾ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴿١١﴾ الواقعة).



التعليقات

  1. islamiyyat علق :

    وجزاك خيرا مثله على المتابعة

  2. احمد علق :

    جزاك الله خيرا

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل