برنامج تبيان - الحلقة 17 - سورة المعارج - 3

سورة المعارج - 3

الحلقة 17

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة المعارج - 3

المقدّم: وقف بنا الكلام في الحلقة الماضية عند قوله جلّ وعلا (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴿٣٦﴾)

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. يقول ربنا جلّ وعلا في ختم سورة المعارج (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ ﴿٣٦﴾ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ ﴿٣٧﴾ أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ ﴿٣٨﴾ كَلَّا) الإهطاع هو مدّ العنق عند السير، فربنا جلّ وعلا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم ما لهؤلاء الذين كفروا قبلك أي عندك وتجاهك مهطعين قد مدّوا أعناقهم وهم جماعات والعزين جمع عزا وهي الفرقة من الناس فهؤلاء فرق عن يمينك وعن شمالك وهم مهطعون إليك. قال المفسرون: كان المشركون يجتمعون أحيانًا حول النبي صلى الله عليه وسلم يستمعون كلامه استماع تكذيب واستهزاء واعتراض وصدّ عن سبيل الله جلّ وعلا، ويقولون في أثناء ذلك: إن كان ما يقوله حقًا من أمر الجنة فإنا ندخل الجنة قبل هؤلاء. قال الله جلّ وعلا ردًا على هؤلاء: أيطمع كل امرئ منهم كل واحد من هؤلاء المشركين أن يُدخل جنة نعيم؟! جاء الجواب من ربنا جلّ وعلا: (كَلَّا) هو ردع لهؤلاء وزجر لهم ونفي لما قد يزعمونه. ولذلك والخطاب وإن كان في ظاهره للنبي صلى الله عليه وسلم (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ) إلا أنه في الحقيقة لهؤلاء المشركين كما يدل عليه حرف الردع والزجر (كلا).

ثم قال الله جلّ وعلا (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ ﴿٣٩﴾) ليس الأمر كما يزعمون وكما يشتهون.

ثم انتقل السياق للحديث عن إثبات البعث الذي ينكره المشركون ويكذبون به وهو أسّ البلاء عندهم فلإنكارهم البعث وعدم الإيمان به صدّوا عن سبيل الله وكذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يستجيبوا لما أمرهم الله جلّ وعلا به. ولذلك قال الله (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ) هذا استدلال بالمبدأ على المعاد فلأنهم خُلقوا مما يعلمونه فالله جلّ وعلا قادر مررة أخرى على إعادتهم بل هو كما قال في الآية الأخرى (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ (27) الروم) فإنه معلوم ببداهة العقول أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه أول مرة كما قال سبحانه (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ (104) الأنبياء) وقال سبحانه (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَىٰ (62) الواقعة) وقال سبحانه كما في سورة يس ردا على من كذّب البعث فقال له سبحانه وتعالى (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ (79) يس) لأنه من يحيي العظام وهي رميم؟ (قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ) وهذا أحد الأدلة العقلية التي استدل بها القرآن لاثبات البعث. وقد جاء القرآن بعدد من الأدلة العقلية التي لا يمكن لأحد أن ينكرها إذا من كان منصفًا. وهذا بالمناسبة ألفت النظر إلى أن القرآن جاء بدلائل عقلية وقطعية في القضايا المهمة مثل إثبات الرسالة، إثبات البعث، إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم، إثبات التوحيد، هذه عليها دلائل عقلية يقينية من تدبرها في القرآن فإنه لا يستطيع إلا أن يؤمن بها مثلًا في قضية البعث القرآن استدل بالمبدأ على المعاد وبالخلق الأول على إعادة الخلق مرة أخرى.

ثانياً: من أدلة القرآن على إثبات البعث: الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها. في سورة ق بعد أن ذكر الله جلّ وعلا إحياء الأرض فقال (وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) ق) إلى أن قال (رِّزْقًا لِّلْعِبَادِ ۖ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ۚ كَذَٰلِكَ الْخُرُوجُ (11)) كما أحيينا هذه الأرض بعد أن كانت ميتة كذلك تُحيَون من قبوركم وتخرجون.

من دلائل القرآن العقلية على إثبات البعث الاستدلال بخلق المخلوقات العظيمة التي هي أكبر من خلق الناس وأعظم وأشد فإذا كانوا يعترفون أن الله هو الخالق لها فلخلقها أكبر من خلق الناس. ولذلك يقول الله جلّ وعلا كما في سورة الأحقاف (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَىٰ ۚ بَلَىٰ إِنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33)) إنه على كل شيء قدير جلّ وعلا.

ولذلك في الآية التي تليها قال جلّ وعلا (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴿٤٠﴾ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴿٤١﴾) هذا إثبات لعظمة الله جلّ وعلا وعموم ملكه وتدبيره وأنه لا يغيب عنه شيء في الأرض ولا في السماء. فأقسم ربنا جلّ وعلا بربّ المشارق والمغارب الذي هو جلّ وعلا، ذاته العلية. وهذه الصيغة مرت معنا (لا أقسم) وذكرنا أقوال المفسرين فيها وأن أظهر الأقوال فيها أن (لا) لتأكيد القسم وذكر بعض المفسرين أنها نافية وأن المقصود "لا أقسم" فالأمر من الوضوح والظهور أن لا أقسم. وذكر بعض المفسرين قولًا ثالثًا وهو أن (لا) لنفي الكلام من سابق أو مقدّر ثم جملة مستأنفة: أقسم برب المشارق.

يقول الله جلّ وعلا (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) والمقصود مشارق الشمس ومغاربها وفي الآية الأخرى (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17) الرحمن) وفي آية ثالثة (قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا (28) الشعراء) الشمس لها مشرقين تشرق منه وهو جهة المشرق وتغرب منه وهو جهة المغرب ولها مشرقين هما مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغرب الصيف ومغرب الشتاء ولها مشارق ومغارب كما هو معروف عند أهل الفلك أن في كل يوم تنتقل مرحلة في الفلك وتتغير من حين إلى آخر ولذلك جاء الجمع هنا (فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ) فالجمع باعتبار تعدد المطالع والمغارب في فصول السنة وأيامها. وهذا قسم من الله جلّ وعلا عظيم ولذلك قال ابن عاشور عليه رحمة الله في التحرير والتنوير: معناه ربوبيته العالم كله لأن العالم منحصر في جهات شروق الشمس وغروبها.

ثم جاء جواب القسم (إِنَّا لَقَادِرُونَ ﴿٤٠﴾ عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ﴿٤١﴾) لسنا مغلوبين لأن المسبوق مغلوب في الحقيقة، فالله جلّ وعلا قادر على تبديل هؤلاء بمن هو خير منهم وما هو بمغلوب جلّ وعلا.

قال جلّ وعلا (فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ ﴿٤٢﴾) دع هؤلاء ولا تكترث بهم ولا تهتم لشأنهم اتركهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون الذي هو يوم القيامة. ولاحظ كيف جاء التعبير القرآني قال (ذرهم) وكلمة (ذر) مكونة من حرفين وهي خفيفة وسريعة على اللسان، فهؤلاء ذرهم، اتركهم، لا تكترث بهم، لا يشغلونك عما خُلقت من أجله وعما أُمرت به من الدعوة والبلاغ. والخوض جاء التعبير به إشارة إلى ما هم عليه من الولوغ في الدنيا ومن النزول فيها والخوض إنما يكون في الوحل والاتساخ والأماكن غير المرغوب فيها وكذلك صنيع الإنسان حينما يخوض في أمر الدنيا ويخوض فيما نُهي عنه. واللعب هو ضد الجد والحزم وضد العمل النافع فحينما ينشغل الإنسان بمثل هذه الترّهات عما خُلق من أجله فهذه صفة من صفات الكفار التي ذكرها جلّ وعلا عنهم لأنهم لا يؤمنون بالبعث ولا يرجونه كما قال سبحانه (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ (12) محمد) نعوذ بالله من ذلك.

ثم قال جلّ وعلا (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴿٤٣﴾) الأجداث جمع جَدَث وهو القبر كما هو معروف في لغة العربو منه قول الشاعر 

حتى يقولوا إذا مروا على جدثي        يا أرشد الله من غازٍ وقد رشدا

فالله تبارك وتعالى يذكر حال هؤلاء القوم إذا خرجوا يوم القيامة من قبورهم مسرعين كأنهم إلى نُصب، إلى علم، النصب هو ما ينصب ويتجه إليه ومنه قيل للنصب التي هي الأصنام، نصب لهذا الاعتبار. فهؤلاء يخرجون مجيبين للداعي مسرعين كأنهم متجهين وقاصدين إلى هذا النصب

ثم ختم الباري جلّ وعلا هذه السورة المباركة (خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ ﴿٤٤﴾) هذا اليوم الذي يخرجون فيه من الأجداث سراعًا وهم يوفضون أي يسرعون وترهقهم تعلوهم وتغشاهم الذلة وأبصارهم قد خشعت وخشوع الأبصار هو خضوعها ونظرها إلى أسفل والسبب في ذلك هو ما بينته الآية بقوله جلّ وعلا (ترهقهم ذلة). الناس في هذا اليوم العصيب يوم القيامة الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم إنما هو الحسنات والسيئات ينقسمون إلى قسمين: فريق تعلوهم النضرة والنعيم والاستبشار (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ﴿٣٨﴾ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴿٣٩﴾ عبس) ووجوه يومئذ نعوذ بالله من هذه الوجوه عليها غبرة ترهقها أي تعلوها وتغشاها قترة خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة، في هذا اليوم، هذا اليوم الذي كانوا يوعدون. وختم السورة بهذا الختام هو في الحقيقة رد لآخرها على أولها، هم في أولها سألوا بعذاب واقع كما قال سبحانه (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴿١﴾ لِلْكَافِرينَ) فجاء الجواب في آخرها (ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ).

صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، وعضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: ما مصادر التفسير التي يرجع إليها المفسرون؟.

د. مساعد بن سليمان الطيار: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين. مصادر التفسير كمصطلح يتنازعه نوعان من المصادر الموجودة في تراث المفسرين. الأول وهو غير مقصود كتب التفسير فتسمى مصادر، وإذا قلنا مثلًا من مصادر التفسير كتاب جامع البيان من تأويل آي القرآن لابن جرير الطبري من مصادر التفسير، المحرر الوجيز لابن عطية، هذه تعتبر مصادر. فإذن مصدر يساوي كتاب، وهذا ليس مرادًا في حديثنا هنا لأن هذا النوع من المصادر وهي كتب التفسير أو ما يتعلق بالتفسير وإن كانت مصادر يُرجع إليها ليست هي المرادة في حديثنا هنا.

النوع الثاني مما يطلق عليه مصادر التفسير هو المراد بحديثنا هنا وما يمكن أن نقول عنه المراجع الأولية التي يرجع إليها المفسر عند تفسير القرآن كائنًأ من كان هذا المفسر. ولهذا هذه المصادر التي يرجع إليها المفسر سيكون عندنا مصادر كلية ومصادر نسبية. بمعنى أن هناك مصادر يتفق الجميع من المفسرين بدءًا من الصحابة إلى المفسر المعاصر يتفقون بالرجوع إليها وهناك مصادر نسبية وهي أن السابق يكون مصدرًا لللاحق. فالمصادر الكلية يمكن تقسيمها بطرائق أو بأنواع متعددة.

·         فمثلاً عندنا من المصادر القرآن نفسه وهذا النوع من المصادر لا يمكن لأحد من المفسرين سواء من الصحابة ومن جاء بعدهم إغفال هذا المصدر وهم يتفقون جميعًا في الرجوع إليه.

·         كذلك من المصادر السنة النبوية –وسيأتي في ذلك تفصيلات إن شاء الله فيما يتعلق بهذا المصدر- ولكن جميع المفسرين يرجع إليه من الصحابة ومن جاء بعدهم.

·         كذلك اللغة هي مصدر أيضًا يرجع إليها المفسرون من الصحابة ومن جاء بعدهم.

·         وكذلك الأحوال المتعلقة بالنزول مثل سبب النزول، قصص الآية، مكان نزول الآية، من نزل فيه الخطاب، وهي وإن كانت منقولة - كاللغة أيضًا منقولة - إلا أن إعمال هذا المصدر أيضًا يتفق فيه الجميع، لأننا إذا قلنا إن قصة الإفك نزلت في عائشة رضي الله تعالى عنها فهذا لا يمكن أن يختلف فيه الصحابة عمن جاء بعدهم والصحابة ومن جاء بعدهم إنما هو ناقل عن الصحابة لكن لا بد من الإشارة إلى أن الأحوال المتعلقة بالنزول قد يدخلها الاجتهاد كما ستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك.

هذه مصادر يمكن أن نقول عنها هي مصادر أولية.

المصادر النسبية عندنا أهم مصدر وهو الذي يُرجع إليه ويُعتمد وسنتحدث عنه إن شاء الله هو تفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين يصطلح عليهم عندنا في مصادر التفسير "بتفسير السلف" وهؤلاء حينما نقول الصحابة والتابعين وأتباعهم -سيأتي إن شاء الله الحديث عن ذلك مفصًلًا- لماذا نقول الصحابة والتابعين وأتباعهم ونقف عند هذا؟ ولماذا خصصناهم بأنهم مصدر وتوقفنا عندهم؟ كل هذا سيأتي تفصيله لاحقاً بإذن الله تعالى. هذه المصادر أو ما نسميه مصادر التفسير المتقدمون من علمائنا لهم تسميات سموا بها هذه المصادر، بعضهم سماها طرق التفسير مثل شيخ الاسلام ابن تيمية في رسالته التي سميت بمقدمة في أصول التفسير. قال: فإن قال قائل فما أحسن طرق التفسير ثم سرد أربعة طرق وهي القرآن والسنة وأقوال الصحابة وأقوال التابعين. الزركشي في البرهان في علوم القرآن سماها مآخذ التفسير كأنه من أين يؤخذ التفسير وذكر الرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم والرجوع إلى اللغة وغيرها. من القريبين منا الطاهر بن عاشور توفي 1393 هـ في مقدمة تفسيره التحرير والتنوير سماها استمداد علم التفسير. هذه المصطلحات التي ذكرها العلماء وقد يكون هناك غيرها هي التي نريدها ونحن نتكلم عن مصادر التفسير. فقولنا مصادر التفسير كما قلنا إما أن تكون المصادر التي يرجع إليها كل مفسر كائنًا من كان أو المصادر النسبية التي بالنسبة لقائلها تعتبر قولًا وبالنسبة لناقلها تعتبر نقلًا فهذه هي تفاسير الصحابة والتابعين وأتباعهم.

المصادر التي ذكرناها الآن وهي المصادر الكلية سيأتي إن شاء الله تفصيلها مع ما ذكرنا من تفسيرات الصحابة والتابعين وأتباعهم.

لنبدأ بأول مصدر من هذه المصادر وهو تفسير القرآن بالقرآن. ولعلنا قبل أن نبدأ به ننبه على أمور متعلقة بهذه المصادر وهي أن هذه المصادر من جهة اعتماد المفسرين لها تختلف من مفسر إلى مفسر من جهة كثرة الاستعمال وقلته وأيضًا من مدى اعتماد المفسر عليه وهما أمران متقاربان فبعض المفسرين قد يعتمد على نوع من أنواع هذه المصادر ويكثر استعمالها عنده وقد يكون غيره أقل منه. فمثلًا إذا تأملنا هذه المصادر عند السلف واستقرأنا تفسيرهم سيظهر لنا نتيجة وهي أن أكثر هذه المصادر استعمالًا عندهم هو مصدر اللغة أو ما نقول عنه التفسير اللغوي أو بيان مفردات القرآن وأساليب القرآن العربية هذا هو الأكثر في تفسير الصحابة والتابعين. وهذا له حقيقة مهمة جداً سيأتي الإشارة إليها حين نتكلم عن هذه المصادر وهي أن القرآن نزل بلغة العرب فإذن كل تفسير فلا بد أن يكون داخلًا ضمن إطار عربية القرآن ولكن هذه التفاسير تحدد المراد من المعنى اللغوي الوارد في هذه الاية دون غيره من المعاني التي قد تحتملها ولكنها ليست مرادة. فإذن هذه قضية مهمة ينبغي أن نلتفت إليها في موضوع ما هو الأغلب والأكثر من هذه المصادر.

نأتي إلى القرآن وهو مصدر من أهم المصادر وقال بعض العلماء إن أحسن طرق التفسير كما قال شيخ الإسلام هو تفسير القرآن بالقرآن وقال ابن القيم إنه أبلغ التفاسير وهذا الكلام منهما رحمهما الله تعالى كلام صحيح ولكن في نوع منه وليس في جميعه كما سيأتي إن شاء الله تفصيله. فما المراد بقولنا تفسير القرآن بالقرآن وأن القرآن يكون مصدرًا لنا؟ المراد بيان معنى آية بدلالة آية أخرى فإذن يكون عندنا آية فنحتاج لفهم معناها لآية أخرى وهذا قد يكون من بيان المفردة الغامضة، قد يكون عندنا مفردة غامضة في سياق فتبينها آية أخرى أو يكون المعنى مجملًا فتبينه آية أخرى أو تكون الآية عامة فتخصصها آية أخرى فهذا يدخل ضمن البيان أو يمكن أن يكون من باب بيان المعنى. وإذا تأملنا في ربط المفسرين آية بآية فإنه لا يخرج عن نوعين:

·         النوع الأول أن يكون من باب التصريح المباشر بمعنى أننا نفهم معنى الآية التي نفسرها بالآية الأخرى، فهذا يكون من باب التفسير.

·         والنوع الثاني ربط آية بآية بأي نوع من أنواع الارتباط سوى التفسير قد يكون جمع نظائر، قد يكون بيان أحوال تقع في موضوع ما، قد يكون جمع لفوائد موضوع ما وهو أشبه ما يكون بالتفسير الموضوعي، هذه في الحقيقة ليس فيها بيان مباشر وإنما هي جمع لآيات في موضوع واحد مثل ما نقول آيات الحمد في القرآن أنه بدأ بالحمد في الفاتحة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿٢﴾) وبدأ بالحمد في سورة الكهف (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا ﴿١﴾) وبدأ بالحمد في سورة فاطر فقال (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١﴾) هذا جمع الآيات ولكنه في حقيقته ليس بيانًا لمعنى وإنما هو له فائدة مرتبطة بما يمكن أن نقول من علوم الآية ولكنه ليس تفسيرًا.

 

هذه فكرة موجزة ومختصرة عن تعريف هذه المصادر ثم تعريف تفسير القرآن بالقرآن والمراد به ثم أنواع ربط الآية بالآية إذا كان تفسيرًا وإذا كان غير تفسير، ولعلنا إن شاء الله في الحلقة القادمة نكمل ما تبقى من هذا المصدر إن شاء الله تعالى. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل