برنامج تبيان - سورة النازعات - 4

سورة النازعات

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة النازعات – 4

المقدم:  في الحلقة الماضية وقف بنا الكلام عند قوله جل وعلا من سورة النازعات الآية الرابعة والثلاثون قال جل وعلا: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ ﴿٣٤﴾يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَاسَعَىٰ ﴿٣٥﴾وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ﴿٣٦﴾فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ﴿٣٧﴾وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٣٨﴾فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴿٣٩﴾وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٤٠﴾فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴿٤١﴾﴾ ماذا عن هدايات وأنوار هذه الآيات فضيلة الشيخ محمد؟

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. هذه الآيات في ختام سورة النازعات وهي في الحديث عن مقصد من مقاصد القرآن وخصوصاً في القرآن المكي وهو تقرير القيامة والاستعداد لها. فقال جل وعلا: ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَىٰ ﴿٣٤﴾﴾ والطامة الكبرى المراد بها القيامة وسُمّيت بذلك لأنها تطمّ على كل أمر هائل عظيم، تذهل له القلوب وتشخص له الأبصار، ولذلك قال الله جل وعلا عن هذا اليوم: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَىٰ وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ اللَّـهِ شَدِيدٌ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم في الحديث أنه يُحشر الناس يوم القيامة حُفاة عُراة غُرلاً بُهماً ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها كما في بعض ألفاظ الحديث: يا رسول الله الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! فقال: "الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك". فإنهم في كرب شديد وهول عظيم قد ذهل كل إنسان بما يرى، وبما يستقبل من هذه الأهوال العظيمة. ولذلك في هذا اليوم يفرّ المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وأخيه، يفرّ من كل أحد لأنه يريد النجاة بنفسه من هول ما يرى. ولذلك قال الله جل وعلا في آية أخرى: ﴿ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ﴾ أي أنها أشد هولاً والعياذ بالله. قال الله جل وعلا عن ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَاسَعَىٰ ﴿٣٥﴾﴾ الإنسان جنس الإنسان، كل إنسان في ذلك اليوم يتذكر سعيه سواء كان خيراً أو شراً، وهنيئاً ثم هنيئاً لمن كانت ذكراه في ذلك اليوم ذكرى خير وفضل فإنه سيسعد سعادة لا شقاء بعدها، والويل ثم الويل لمن كان ما يتذكره في ذلك اليوم هو الشر والفجور والطغيان نعوذ بالله من ذلك، نسأل الله جل وعلا أن يتداركنا وإياكم برحمته وفضله.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ ﴿٣٦﴾﴾ أي أنها جُعلت بارزة ظاهرة لكل مُبصِر لكل من يرى في ذلك الوقت يراها الناس عياناً ظاهرة. هنا ينقسم الناس إلى قسمين من طغى ومن خاف مقام ربه. ولاحظ معي أيضاً التعبير مرة أخرى بالطغيان الذي مرّ ذكره في قصة فرعون ﴿اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾ وأيضاً في تلك القصة أمر الله تبارك وتعالى موسى أن يدعوه إلى ربه لعله يتذكر أو يخشى، وهنا في آخر السورة سيذكر الخشية فقال تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴿٤٥﴾﴾ الطغيان يمنع من خشية الله جل وعلا، وخشية الله إذا وقعت في القلب فإنها تحجزه عن كثير من الفجور والطغيان، ولذلك ما وعظنا الله جل وعلا في القرآن بأعظم من توحيده والإيمان به والإيمان باليوم الآخر، وما وقر في قلب عبد إلا كان له واعظٌ عن كل شر وفساد وانحراف والعياذ بالله.

يقول جل وعلا: ﴿ فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ﴿٣٧﴾﴾ أي تجاوز الحد في الفجور والمعاصي وارتكب كبارها ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٣٨﴾﴾ ليس المقصود أنه عمل في الحياة الدنيا؛ لا، وإنما المقصود أنه آثرها أي قدّمها على أمور الدين وعلى ما خُلق من أجله، ولذلك الدنيا ليست مذمومة بكل الأحوال وإنما هي مذمومة إذا وقع الإنسان في الحرام أو آثرها وقدّمها على طاعة الله جل وعلا، والله تبارك وتعالى يمدح المؤمنين بأنهم ﴿لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّـهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾. وهنا في هذه الآية كما هو معروف عند المفسرين ﴿لَّا تُلْهِيهِمْ﴾ يحتمل أنه ليس لهم تجارة فتلهيهم، والاحتمال الثاني أن لهم تجارة ولكنها لا تقوى أن تلهيهم عن ذكر الله، والاحتمال الثاني هو الأقوى والأجدر في مدح هؤلاء الصالحين، أنهم مهما كانت تجاراتهم وبيعهم وما هم عليه من الحياة الدنيا فإنها لا تقوى ولا تستطيع أن تلهيهم عن ذكر الله وعن الصلاة، لأنه قد وقع في قلوبهم وتمكّن حتى كان أعظم في نفوسهم من كل شيء.

يقول الله جل وعلا: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ ﴿٣٧﴾وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴿٣٨﴾﴾ فإن نتيجته ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴿٣٩﴾﴾ والعياذ بالله! الجحيم هي مصيره ومأواه الذي يصير ويأوي إليه. وهذا التعبير في هذه الآية الكريمة حيث قدّم الجحيم ما قال فإن مأواه إلى الجحيم وإنما قال: ﴿ فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَىٰ ﴿٣٩﴾﴾ فلا مأوى له إلا الجحيم وتقديم اللفظ أيضاً يفيد ما فيه من الزجر حيث قدّم له والعياذ بالله ما يسوؤه

الفريق الثاني ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ ﴿٤٠﴾﴾ خاف قيامه بين يدي ربه جل وعلا ومولاه، ونهى نفسه عن الهوى الذي يهوي بهذه النفس في هذه الدنيا إلى السفاسف، ويهوي بها في القيامة في النار والعياذ بالله وكما قلنا قبل قليل ليس المراد من المؤمن في هذه الدنيا أن يُعرض عن كل متاعها ولا أن يترك طيباتها، ولكن المراد هو أن يبتعد عما حرّم الله جل وعلا عليه وما يكون فيه ضرر عليه في الدنيا أو في الآخرة. من كان على هذا النحو من الخوف من ربه ونهي النفس عن الهوى فإن الجنة هي مأواه ومصيره. ولاحظ هذان الصنفان المتقابلان: الطغيان والخوف من الله جل وعلا كما قلنا قبل قليل إذا تمكّن خوف الله من العبد كان حاجزاً عن الطغيان والفجور والمعاصي.

إذا مـا خلـوت بريـــــبة في ظـلــمة         والـنـــــفــس داعــيــــــــة إلى الـطـغـيــــــــــان

فاستحي من نظر الإله وقل لها        إن الذي خلق الظلام يراني

لا واعظ للعبد أعظم من واعظ الإيمان في قلبه وإلا فإن كل أحد يستطيع إذا خلا بمعاصي الله جل وعلا أن يرتكبها ولكن من كان خوفه من الله أعظم كان ذلك زاجراً له عن ارتكاب المعاصي.

ثم قال تبارك وتعالى في ختام هذه السورة المباركة: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴿٤٢﴾فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴿٤٣﴾إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴿٤٤﴾إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴿٤٥﴾كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿٤٦﴾﴾.

في هذه الآية يقول جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ متى وقوعها؟ ومتى نزول هذه الساعة؟ جاء الجواب في قوله جل وعلا: ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴿٤٣﴾﴾ ما الفائدة لك ولهم في معرفة وقت مجيئها فإن هذا من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا. ولذلك قال الله: ﴿ إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴿٤٤﴾﴾ أنت ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴿٤٥﴾﴾ وأمر الساعة من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله جل وعلا، ولذلك قال الله تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي ۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ۚ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ فمن ادّعى علم الساعة بأي طريقة كان فقد كذب، ولا يمكن لأحد كائناً من كان أن يعلم وقت وقوع الساعة فإن علمها عند الله جل وعلا، كما هو دلائل ذلك شاهرة وظاهرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال الله تعالى: ﴿ فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا ﴿٤٣﴾إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَاهَا ﴿٤٤﴾﴾ ولذلك لما جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمر الطويل وسأله عن وقت الساعة قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما المسئول عنها بأعلم من السائل" أي لا أنا ولا أنت نعلم وقت الساعة، إذاً عليك يا عبد الله المطلوب منك أن تنشغل بما ينفعك وليس وقت الساعة، فإن من مات قامت قيامته ولكن انشغل بالعمل لها ولذلك لما سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، قال له: "ما أعددت لها؟ "ما قال له أن وقتها كذا وإلا كذا، فصرفه للشيء الذي ينفعه وهو الاستعداد ليوم القيامة.

قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا ﴿٤٥﴾﴾ هذا أسلوب حصر، ما أنت يا محمد صلى الله عليه وسلم إلا مجرد منذر من يخشى هذه الساعة، أنت منذر لكل البشر ولكن الذين يستجيبون لنذارتك هم من يخشون الله تعالى ويستعدون ليوم القيامة.

﴿ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ أي القيامة ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ﴿٤٦﴾﴾ من استقصارهم لما لبثوا في هذه الدنيا كأنهم لم يلبثوا إلا وقت عشية أو وقت ضحى أو ساعة من نهار كما قال جل وعلا في آية أخرى. وقَلّ أن تجد أحداً في آخر عمره تسأله عن مكثه ولبثه في هذه الدنيا إلا وقال: كأنها أحلام ليل أو سحابة صيف أو نحو ذلك. وقد جاء في الأثر أنه لما سئل نوح عن مقامه في الدنيا قال كأني دخلت هذه الدار من باب وخرجت من باب أخرى، وما يقوله الناس في القيامة أعظم وأعظم مما يقولونه في هذه الدنيا. إذا كان ذلك كذلك فعلى اللبيب المُوفّق الذي يعرف شأن الدنيا ألا يغتّر بها، وألا يَركن إليها، وأن يحرص فيها على الاستكثار من طاعة الله ومرضاته.

زادك الله من فضله يا شيخنا ونفع بك وبعلمك.

صفحة أصول التفسير - فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر، أستاذ الدراسات العليا بكلية أصول الدين قسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: فضيلة الشيخ في الحلقة الماضية شرفنا بسماع مقدمة جميلة جداً في موضوع اختلاف المفسرين، وقد وقفنا على معنى الاختلاف لغة، وأخذنا شيئاً من الفرق بين الخلاف والاختلاف، فما هو الحديث بعد ذلك بصدد الفرق بين الخلاف والاختلاف، وما أنواع الاختلاف أيضاً؟

د. بدر بن ناصر البدر: الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. أيها الإخوة والأخوات؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، كان آخر الحديث في الحلقة السابقة عن بيان معنى الاختلاف في اللغة قلت إنه ضد الاتفاق والاختلاف أن يأخذ كل شخص طريقاً ومنهجاً ومسلكاً ضد الآخر. وقلت إن من اللغويين من ذكروا فروقاً بين الخلاف والاختلاف والكلام في هذا كثير الحقيقة جداً لكن أقربها قولان:

·         القول الأول: أن الاختلاف يشمل الممدوح والمذموم، أما الخلاف ففي الغالب أنه في المذموم.

·         الأمر الثاني: أن الاختلاف ما بُني على دليل، ما قام على دليل، أنت تتكلم بدليل وصاحبك الذي أمامك أو في مكان آخر يتكلم بدليل، أما الخلاف فهو ما لم يُبنى على دليل وإنما هو مجرد جدل وخصومة ونزاع والله المستعان.

بعد ذلك كما قلتم إن الفقرة التي بعدها أو نزدلف بعدها إلى الكلام عن الاختلاف حتى نُعرّفه لا بد أن نعرف نوعيه الممدوح والمذموم، فالاختلاف قالوا في التفسير على نوعين:

·         اختلاف تنوع وهو الاختلاف المحمود،

·         واختلاف تضاد وهو المذموم.

فالاختلاف المذموم قالوا- وقد ذكر هذا السيوطي رحمه الله في الإتقان- بأنه ما يدعو فيه شيئين إلى خلاف الآخر، أن يخالف الشخص الثاني مخالفة مقصودة ليست على دليل، فهذا هو اختلاف التضاد لأنه فيما لا مجال فيه للاختلاف كاختلاف الفرق الضالة المنحرفة عن أهل السنة والجماعة حيث فسروا القرآن بما يتوافق مع أهوائهم ومعتقداتهم الفاسدة مخالفين ما ورد في تفاسير أهل السنة والجماعة. والأمثلة على هذا كثيرة، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ذكر من هذا الاختلاف المضاد المذموم حمل الآيات وتفسير الآيات تفسيراً باطنياً غير صحيح مثل ما فسّرته الباطنية والرافضة فسّروا قول الله عز وجل ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ قالوا علي وفاطمة، و﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ الحسن أو الحسين، وفي قول الله عز وجل ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ قالوا إن المقصود علي رضي الله عنه، وتفاسير هذه بعيدة وغير صحيحة، وهي مضادة لكلام السلف رحمهم الله.

نعم من الهداة علي رضي الله عنه أرضاه، وقبله وأفضل منه الصحابة على فضل وخير ولكن منهم السابق والمُقدّم كأبي بكر رضي الله عنه. أما تفسير﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾ بأنه علي وفاطمة هذا تفسير بعيد ولا يمكن أن يُقبل، التين هو الشجر المعروف، والزيتون هو الشجر المعروف، الله عز وجل امتنّ علينا بهاتين النعمتين التين والزيتون، والله عز وجل يُقسم بما شاء من خلقه وإقسامه بهذه الأشياء يدل على قيمتها وعلى علو قدرها. كما أن من المفسّرين من قال: إن التين والزيتون يرمز إلى الشام وهناك كان عيسى عليه السلام، وطور سينين إلى مصر وبعثة موسى عليه السلام، و﴿وَهَـٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ يشير إلى بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

هناك أيضاً من الاختلاف المذموم ما نهجه من أوّل الصفات ونفى ما يستحق الله عز وجل وما هو موصوف به من صفات الكمال والجلال جل وعلا، ففسّروا قول الله عز وجل ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ -المعتزلة والجهمية- فسّروها بأن المراد النعمة أو القدرة. أيضاً تعسّفوا في تأويل آيات إثبات النظر إلى الله عز وجل في يوم القيامة في الجنة وهذا أعظم نعيم لأهل الجنة وهو النظر إلى وجه الله تبارك وتعالى، قال تبارك وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ تعسّفوا في هذا وأوّلوها بأن المقصود أنها مُترقّبة ومُنتظرة كما تقول أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي ونحو ذلك، وهذا ولا شك أنه من التأويلات الباطلة التي لا تصح. ومنها أيضاً تأويلهم آيات الاستواء وهي سبع جاءت في كتاب الله عز وجل استواء الله على عرشه استواء يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، أوّلوها بالاستيلاء استولى، وهذا كلام باطل وإن استدلوا ببيت الأخطل:

استوى بشر على العراق       من غير سيف ولا دم مهراق

قالوا إن استوى بمعنى استولى وهذا كلام باطل ولا يصح، والأخطل نصراني وقد تأثر كما قالوا بالعُجمة أو بمن حوله، على كل حال قوله لا يعارض به كلام الله سبحانه وتعالى. ثم إذا قلنا استولى يعني معناه -وحاشا لله وتعالى الله عما يقولون علواً كبيراً- أنه كان هناك من سبقه من الملوك أو شيء فاستولى جل وعلا بعد ذلك عليه وهذا كلام باطل لا يصح، بل كما قال ابن القيم رحمه الله:

نون اليهود ولام جهميّ هما              في وحي رب العرش زائدتان

هذا في النونية، يعني نون اليهود لما قيل قولوا حطّة قالوا حنطة استهزاء بموسى عليه السلام، ولام جهمي التي هي اللام في استولى، استوى أوّلوها أنها الاستيلاء، فهذا بلا شك الحقيقة أن سببه هو المعتقدات الضالة الزائفة، والأمثلة على هذا كثيرة كم وكم أوّلوا من صفات الله عز وجل! بل حكوا عن بشر المرّيسي من أئمة المعتزلة وينسب هذا إلى عمرو بن عبيد أنه قال: وددت أن لو حككت آية من كتاب الله عز وجل أعوذ بالله، يقصد قول الله عز وجل في سورة الشورى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فإن هذه الآية رد على الطائفتين ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رد على المُشبّههة والمُمثّلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رد على المعتزلة والجهمية ومن نحى نحوهم في تأويل آيات الصفات.،

هذا يتبين لنا أن سبب من أسباب الاختلاف المذموم الذي هو الانطلاق من الفرق الضالة من المعتقدات الزائفة الباطلة.

أيضاً من أسبابه اعتماد بعض المفسرين على الموضوعات والإسرائيليات التي تخالف العقل والنقل واعتبارها أصلاً في التفسير مما يتناقض مع الصحيح الوارد في تفسير الآيات، ولذلك قال العلماء

وليس كل خلاف جاء معتبرا                    إلا خلاف له حظ من النظر

الحقيقة ليس كل خلاف يقال، نعم يأتي مثلاً أحدهم في قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَـٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ نعاج، وهذا طلب منه الزيادة إلى آخر القصة المعروفة. يأتيك بعض المفسرين يُحاجّك بإسرائيليات ويقولون -أعوذ بالله وهذه تهمة لا تجوز في حق نبي من أنبياء الله عز وجل - أن داود كان يحب النساء، وكان عنده نساء كثير، وأنه فُتن بامرأة أحد الجنود، فقال لرئيس الجنود اجعل هذا الجندي في أول المعركة حتى يُقتل فيأخذ زوجته فيضمها إلى التسعة والتسعون فتكون عنده مائة امرأة، وأن الله عز وجل بعث إليه صاحب الغنم ليتذكر أو ليكون رمزًا له  فيعود أو نحو من هذا الكلام الباطل، هذا الكلام لا يصح أعوذ بالله ولا يجوز أن يُنسب إلى نبي من أنبياء الله عز وجل أنه يريد أن يقتل! فهذا الخلاف لا عبرة به  ولو قاله من قاله هذا مردود على صاحبه ولا يُقبل البتة.

هناك الإسرائيليات والموضوعات في كتاب الله عز وجل العلماء حذّروا منها، ونبّهوا عليها، ومنهم من أفردها بالتصنيف والتعريف ككتاب الشيخ أبي زهرة  في حول الإسرائيليات والموضوعات في القرآن الكريم.

أيضاً من أسباب الخلاف اعتماد بعضهم على مجرد معرفته باللغة والمسارعة إلى تفسير القرآن بظاهر العربية دون الرجوع إلى أصول التفسير وأدواته مما يؤدي إلى كثرة الغلط. وهذا أيضاً حق بعضهم يعتمد على اللغة فتجده يخالف في توجيه قراءة أو كذا، أو قد يرد قراءة قرآنية بسبب هذا الأمر مثل ما حصل للمُبرِّد وجملة من البصريين حين ردوا قراءة حمزة في قول الله عز وجل: ﴿وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ هو قرأها بالجرّ حيث عُطف الاسم على الضمير المجرور بحرف الجر وهذا لا يصح وكيف يصح؟ وهذا كلام باطل ومردود ورد عليه أبو حيان في هذا وبيّن أن خلافهم لا يُعتبر، وتحكيم اللغة على كلام الله لا يُقبل. ومثل رد الزمخشري لقراءة ابن عامر في قول الله عز وجل:﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْالكلام في هذا يطول، المهم أننا نقول قد يكون من الخلاف والاختلاف المذموم الاتكاء على قواعد اللغة وتحكيمها على كلام الله سبحانه وتعالى وهذا لا يجوز، مع أن هاتين القراءتين على ضرب المثال قراءة حمزة هناك وقراءة ابن عامر هنا لها شواهد في اللغة أيضاً وأبو حيان رحمه الله ذكر عشرات الشواهد على أنه يصّح هذا ويصّح هذا، بل جاء هذا في كتاب الله تبارك وتعالى ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ﴾ على كل حال هذا جاء في كتاب الله سبحانه وتعالى.

أيضاً من أسباب الاختلاف المذموم من يترك المعنى الظاهر ويُعوّل على معاني لا أصل لها ولا ارتباط لها بالآية مثل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ فابن عربي وهو معروف من أئمة الصوفية ومن يقول بوحدة الوجود حرّف الآية عن معناها فيقول واذكر اسم ربك الذي هو أنت أي اِعرف نفسك ولا تنسها فينسك الله، أعوذ بالله!! يعني الآن هو يقول بالوحدة أن الله عز وجل يحلّ في عبده، يعني يقول اذكر اسم نفسك أنت، هو يرى أن الله يحل في خلقه، تعالى الله عن هذا القول علواً كبيرا.

وعلى كل حال هذه جملة من أسباب الاختلاف المذموم الذي حذّر منه علماؤنا وسلفنا الصالح، وهناك جملة من الأسباب لعلنا إن شاء الله نؤجّلها إلى لقاء قادم بإذن الله.

 

نفع الله بك يا شيخنا الدكتور بدر بن ناصر البدر ونفع بعلمك.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل