برنامج تبيان - سورة النازعات - 3

سورة النازعات

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة النازعات – 3

المقدم: وقف بنا التفسير في الحلقة الماضية في سورة النازعات عند قوله جل وعلا: ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ﴿٢٧﴾رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴿٢٨﴾وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿٢٩﴾وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا ﴿٣٠﴾أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴿٣١﴾وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿٣٢﴾ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٣.  الآية السابعة والعشرون من سورة النازعات ماذا عن هدايات وأنوار هذه الآية فضيلة الشيخ محمد؟

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

هذه السورة العظيمة –سورة النازعات- هي أنموذج من للسور المكية التي عُنيت بأصول الإيمان والاستشهاد والاستدلال عليها وذكر شيء من القصص فيما يتعلق بالدعوة إلى التوحيد والنزاع بين الحق والباطل فافتتحت السورة كما مرّ معنا بالقسم العظيم ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا ﴿١﴾ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا ﴿٢﴾﴾ ثم بعد ذلك حديث عن القيامة واليوم الآخر في قوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴿٦﴾تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴿٧﴾قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ﴿٨﴾أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ ﴿٩﴾﴾ إلى آخر الآيات، ثم بعد ذلك انتقل السياق إلى الحديث عن دعوة موسى عليه السلام لفرعون إلى الإيمان والتوحيد وترك الطغيان، والقصص في القرآن كثير، وهو في القرآن المكي أكثر وخصوصاً فيما يتعلق بدعوة الرسل لأقوامهم، والمراد من هذا القصة تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم وبيان منهج الدعوة إلى الله جل وعلا، ثم جاء هذا المقطع الثالث بقوله جل وعلا: ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚبَنَاهَا ﴿٢٧﴾رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴿٢٨﴾وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿٢٩﴾﴾ نتحدّث أولاً عن معاني هذه الآيات ثم نتحدّث عن المراد منها في هذا السياق.

يقول ربنا جل وعلا لعباده أأنتم أيها البشر الضعفاء أشد خلْقاً أم هذه السماء ذات الجرم العظيم الهائل الذي ترونه فوقكم؟ فقد بناها الله جل وعلا ومن بنيانه وإحكامه أنه رفع سمكها رفع جرمها فنحن نراها فوقنا عالية تظللنا، وسوّاها جل وعلا بالخلْق القوي المتماسك نراها فوقنا من غير عمد تبارك الله أحسن الخالقين.

﴿ وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿٢٩﴾﴾ أي أنه أغطش أي أظلم ليلها وجعل الليل مُظلماً لحكمة بيّنها جل وعلا ليكون الليل لباس والنوم سبات، ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿٢٩﴾﴾ أي أظهر نوره، وجعل الضحى هو مكان النور لينتشر الناس ويبتغوا الرزق في هذا الوقت، وهذا كما مرّ معنا في مناسبة سلفت هذا من رحمة الله جل وعلا بعباده أن جعل الليل لباساً وجعل النوم سباتاً وجعل النهار معاشاً ولو أن الدنيا كانت على سيرة واحدة أو على طريقة واحدة لملّها الناس من جهة، وأيضاً لأوجد فيهم الأمراض والأسقام ولكنه جعلها على هذه الأحوال من رحمته جل وعلا وتدبيره بخلقه.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا ﴿٣٠﴾﴾ أي أنه جل وعلا دحى هذه الأرض، وفسّر معنى الدحي للأرض فقال: ﴿ أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا ﴿٣١﴾﴾ فأخرج من هذه الأرض الماء وأخرج منها المرعى ونحن نشاهد هذه الأرض قد امتلأت من فضل الله جل وعلا بالعيون والأنهار وأخرج منها المرعى جل وعلا ليستفيد منه البشر ولتستفيد منه البهائم أيضاً ، وهذا كما قلنا هو من رحمة الله جل وعلا وفضله على خلقه.

يقول جل وعلا: ﴿ وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا ﴿٣٢﴾﴾ أي جعلها ثابتة كالأوتاد ترسو بها الأرض وتثبت ولا تميد بنا ولا تهتز.

قال سبحانه: ﴿ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ ﴿٣٣﴾﴾أي أن ما سلف مما ذكره الله جل وعلا من حال الليل والنهار، والظلمة والضياء، ودحي الأرض، وإخراج الماء منها والمرعى إنما هو متاع تتمتعون به أنتم وأنعامكم فتأكلون وتشربون، فما خلقه الله جل وعلا في هذا الكون إنما هو لمنفعة ابن آدم وبيّن له الحلال من الحرام، خلق الله ما في الأرض له، وخلقه لعبادة الله جل وعلا، فيا ويح من اشتغل بما خُلق له عمّا خُلق من أجله فينشغل الإنسان أحياناً بهذا الشيء المتاع الذي هو خُلق من أجلك حتى يكون متاعاً لك تنشغل عما خلقت أنت من أجله من طاعة الله جل وعلا ومرضاته.

هذه الآيات يا شيخ محمد وما كان مثلها سيقت في القرآن مع أنه لا أحد يُنكر أن الله جل وعلا هو خالق السموات والأرض وهو المحيي المميت المُدبر، والذين اُبتعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يؤمنون بذلك ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ﴾ ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّـهُ ﴾ ونحو ذلك من الآيات الكثيرة، ولكن هذه الآيات والمشاهد والعظات والعبر سيقت ليُستدل بها على وجوب إفراده جل وعلا بالعبادة فمن كان مُتفرداً بالخلق فيجب إفراده بعد ذلك بالعبادة ولا يصح عقلاً ولا شرعاً ولا فطرة أن يُشرك معه غيره ممن لا يَخْلق، وإنما يُخْلَق ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّـهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴿٢٠﴾أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ۖ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ﴿٢١﴾﴾،فببداهة العقول لا يسوغ ولا يجوز أن تُصرف العبادة لمن لا يستحقها الذي لم يخلق ولم يرزق ولم يحيي ولم يميت ولذلك يكثر في القرآن الاستدلال بمشاهد الربوبية التي يعترف بها كل أحد التي هي من مقتضيات ربوببيته التي هي أفعاله سبحانه وتعالى الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتدبير ونحو ذلك يُستدل بها على وجوب إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة وألا يُشرك معه غيره.

كما ذكر أهل العلم قرّر ذلك شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله في كشف الشبهات وكثير من كتبه ورسائله أنه لم تكن الخصومة مع القوم الذين بُعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم في أنهم لا يعبدون الله ولكن كانت الخصومة في أنهم يعبدونه ويُشركون معه غيره، ولذلك كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكاً هو لك؛ تملكه، وما ملك.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستمع إلى تلبيتهم إذا بلغوا تلك الجملة الأخيرة يقول: قط قط، يعني حسبكم حسبكم يكفي ولكنهم يذكرون التوحيد ثم يُشركون بعد ذلك، ولذلك كلمة التوحيد  لا إله إلا الله نفي العبادة عن كل ما سوى الله، وإثباتها لله جل وعلا دون غيره، وهذه المشاهد أكرر أقول هذه المشاهد التي تُذكر في القرآن كثيراً مع أن الخلق يعترفون بها ولكن يُراد منها الاستدلال على ما يُنكرونه وما يجحدونه.

بقي يا شيخ محمد إن أذنت لي مسألة أخيرة وهي في ترتيب خلق السموات والأرض قد بيّن الله جل وعلا في كتابه كيف كان خلق السموات والأرض ومنها هذا الموضع الذي نحن فيه، في هذا الموضع يقول الله جل وعلا: ﴿ أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚبَنَاهَا ﴿٢٧﴾رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴿٢٨﴾وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا ﴿٢٩﴾﴾ ثم قال: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا ﴿٣٠﴾﴾ فهذا يشير إلى أن دحي الأرض كان بعد خلق السماء، في الآية الأخرى يقول جل وعلا:﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ثم قال بعد ذلك: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ﴾ فهذا يفيد أن خلق السموات كان بعد خلق الأرض، والجمع بين هاتين الآيتين أن الأرض خُلقت أولاً ثم خُلقت السماء ثم دُحيت الأرض بعد ذلك أي أنه أخرج منها ماءها ومرعاها وتفاصيل ما فيها والله أعلم.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر، أستاذ الدراسات العليا بكلية أصول الدين بقسم القرآن وعلومه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه تبيان.

المقدم: فضيلة الشيخ في موضوعنا لهذه الصفحة بمشيئة الله تعالى سنأتي إلى عنوان اختلاف المفسرين، اختلاف المفسرين لاشك أنه من الاهتمامات التي تطرأ على طالب علم القرآن وتفسيره وغير ذلك فما تفاصيل هذا الموضوع؟ وما نقاط الحديث فيه؟

د. بدر بن ناصر البدر: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الأمين، المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: أيها الإخوة وأيتها الأخوات؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقاء مبارك واجتماع سعيد على مائدة القرآن الكريم، مأدبة الله في أرضه كما قال ابن مسعود رضي الله عنه، وهذا البرنامج المبارك الذي تتنوع موضوعاته، ويقدم فيه الزملاء الأفاضل في هذا التخصص المبارك الذي شرُف بالعناية بكتاب الله عز وجل برنامج يعتني به من هو متخصص في القرآن وعلومه وفي التفسير والقراءات وغيرها، ومن هو في خارج التخصص حتى يُلم ولو بشيء من موضوعاته وإلا فإن الموضوعات المرتبطة بالقرآن موضوعات متنوعة شيقة وجميلة، توقف كل مسلم على هدايات القرآن وعلى التأمل وعلى التدبر في آياته ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّـهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ثم إن التأمل في هذه الموضوعات مُعين ولا شك على العمل بالقرآن والاستجابة لهداياته ودلالاته ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّـهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ وقال جلا وعلا: ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّـهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥1﴾ وَمَن يُطِعِ اللَّـهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّـهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ﴾ وهذا الموضوع أخي محمد والكلام للإخوة والأخوات الذين يسمعوننا عبر أثير إذاعة القرآن الإذاعة المباركة النافعة الماتعة، هذا الموضوع اختلاف المفسرين موضوع مهم إذ كل من يقرأ في كتب التفسير يطّلع على شيء من اختلافهم سواء في مفردات الآيات، أو في أسباب النزول، أو في الأحكام المستنبطة من الآية سواء الأحكام الفقهية أو حتى الأحكام النحوية والاستدلال بها في المذاهب النحوية وحتى أيضاً في التوجيه سواء في توجيهات القراءات أو في توجيه بُنية بعض الكلمات وما يتصل بها أو في المراد بالآية ماذا عُني بها وماذا يُقصد؟ لاشك أن هذا علم في غاية الأهمية وأنا أضم صوتي إلى صوت أخي محمد إلى أن هذا الموضوع موضوع واسع ولا يمكن الحقيقة أن نلم شتاته ولو في خمس حلقات ولو في عشر حلقات أو أكثر، لكن لعلنا إن شاء الله نأتي عبر محاور وعناصر ننطلق على ضوئها لأن الكلام إذا كان هكذا سبهللا لا يمكن أن نأتي بشيء وأظنك يا أخ محمد توافقني على هذا أنه لابد هناك محاور وعناصر ننطلق من خلالها لعلنا أولاً نحن نستفيد ولعل من يستمع إلينا إن شاء الله يستفيد من كلام أهل العلم ومن نصوص ومن الوقوف على الآيات والهدايات والدلالات، أسأل الله عز وجل أن يجعلني وإياكم من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.

المقدم: أحسن الله إليكم استهلال جيد ورائع. إذاً شيخنا ما أهمية هذا الموضوع موضوع اختلاف المفسرين وما الحاجة إليه؟

د. بدر بن ناصر البدر: كما ذكرتم موضوع اختلاف المفسرين هذا موضوع مهم للغاية؛ إذ ما من مسلم يقرأ القرآن ويحب أن يطلع على تفسيره إلا وسيقف في كتب التفسير على هذه الاختلافات، وهذه الاختلافات منها ما هو يثري معاني الآيات ويفيد العبد ويجعله يطلع على رحاب لأن كلام الله عز وجل لا يُحد حتى ولو جاء في الآية قولين أو ثلاثة قد يكون ما هو أكثر وهو إن شاء الله حسب الشروط والضوابط التي سنتكلم عنها عن شاء الله، لكن نحن نقول أن هذا يعطي معنى أرحب وأوسع، والمؤمن كلما تبحر وكلما ازداد قراءة كلما ازداد تعلقاً وتمسكاً بكلام الله سبحانه وتعالى ولذلك الله جل وعلا قال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ لماذا؟

لأن العلماء يطّلعون في تفسير القرآن، وفي شرح كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لا يطّلع عليه الآخرون، وهذا الحقيقة مما يزيد الإيمان ومما يقوي الرغبة في الخير ومما يزيد العبد انطلاقاً في الأعمال الصالحة، فلا شك أن دراسة هذا الموضوع من الأهمية بمكان، يجب على كل شخص منا أن يعلم ما هي أنواع هذا الاختلاف؟ هل كل اختلاف مقبول أو مذموم ، وما الأسباب التي جعلت المفسرين يختلفون، وعندما نقول المفسرين أيها الإخوة والأخوات نحن لا نقصر كلامنا على من كتبوا في التفسير أو بدايات الكتابة في التفسير ، نقصد أيضاً الصحابة رضي الله عنهم، لهم استنباطات في الآية الواحدة منهم من يستدل بها لكذا وهذا لكذا، وكلاهما على حق مثلاً، فالاختلاف قديم وأيضاً نريد أن نعرفه في القرون الأولى القرن الثالث والرابع والخامس وإلى أيامنا هذه ما الأسباب، فالحقيقة الموضوع في غاية الأهمية، ولا يمكن أن يستغني عنه سواء متخصص في الدراسات القرآنية، او من هو محب لكلام الله وكل مسلم نحسبه كذلك والله حسيبه، كل مؤمن وكل مسلم يحب كلام الله.

إذاً هو لا محالة سيفتح كتب التفسير وسيقرأ في كلام المفسرين وسيجد اختلافاً بينهم. إذاً لابد أن يعرف ما سبب هذا الاختلاف، ما نوعه، أهو محمود أو مذموم، كل هذا الحقيقة مما يجعل الموضوع من الأهمية بمكان.

المقدم: أحسن الله إليك شيخنا. ماذا عن ارتباط هذا العلم بالتفسير من أي ناحية يرتبط اختلاف المفسرين بالتفسير وعلوم القرآن؟

د. بدر بن ناصر البدر: الحقيقة يا أخ محمد والكلام للإخوة والأخوات جميعاً ارتباط هذا العلم ليس الحقيقة بالتفسير فقط، نعم هو يعد علماً أو فناً أو قل ما شئت في التعبير هذا في أصول التفسير، نعم هو يُدرس في أصول التفسير اختلاف المفسرين، هذا الموضوع مرتبط بعدة جهات، مرتبط بأصول التفسير، مرتبط بالتفسير ذاته، مرتبط بعلوم القرآن أيضاً وغير ذلك، حتى من العلوم المتفرعة القراءات وغيرها ، كلها اختلاف المفسرين ينطلق من جميع هذه الاتجاهات إن جئنا إلى أصول التفسير فلا شك أنه أحد الموضوعات المهمة في أصول التفسير ولا يمكن لشخص أن يقرأ في أصول التفسير إلا ولابد أن يُلم ولو بشيء يسير عن اختلاف المفسرين ولا أدل على ذلك من أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مقدمته الماتعة في أصول التفسير ضمن الفتاوى وقد طبعت مستقلة عدة طبعات تكلم عن اختلاف المفسرين وتكلم عن المحمود والمذموم منه وما السبب الذي جعلهم وما المدارس التي للتفسير كل ذلك تكلم عنه شيخ الإسلام، ففي أصول التفسير هذا مهم، أيضاً في التفسير هو انطلاقته جاءت من كتب التفسير ومآله إلى كتب التفسير فنحن عن أي شيء نتحدث؟

نحن نتحدث عن اختلاف المفسرين لا نتحدث عن اختلاف الفقهاء ولا عن اختلاف المحدثين، لأن هذا كل شيء في تخصصه، نحن نتكلم عن اختلاف المفسرين لنراه ونجده سواء طويلاً والحديث فيه واسع عند بعض الآيات أو أن نجده مقتضب مختصر خلاف في بيان مفردة أو كذا.

الأمر الثالث هو مرتبط بعلوم القرآن فاختلاف المفسرين المفسر أصلاً ما جاء وأتى برأيه وهو إن شاء الله في حدود الشرع وفي حدود الضوابط العلمية ومع المفسر الآخر إلا لأنه مرتبط بعلوم القرآن إما بأسباب النزول مرتبط بالمكي والمدني، مرتبط بدلالات حروف المعاني حرف يدل عن وحرف من وهذا له عدة معاني في هذا الموضع بهذا المعنى، وفي موضع آخر بمعنى آخر. إذاً هو الحقيقة في حاجة ماسة إلى علوم القرآن، بل حتى علوم أخرى علم المناسبات ، علم مقاصد القرآن كل هذه العلوم الحقيقة اختلاف المفسرين أجدني أقولها بصريح العبارة هو متربع ومتعلق بجميع هذه العلوم وكل شيء بحسبه المسألة بالتوازن من هنا ومن هنا شيء لكن هي الحقيقة منظومة واحدة تجتمع في خدمة كتاب الله عز وجل والعناية به.

المقدم: إذاً يا شيخنا لعلنا في هذه الحلقة ندخل إلى معنى الاختلاف لغة.

د. بدر بن ناصر البدر: نعم لعلنا نستفتح ولو أننا اقتربنا من نهاية الوقت ولو بتعريف الخلاف في اللغة.

الاختلاف لغة ضد الاتفاق، والاختلاف والمخالفة أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله، هذا معناه هو ضد الاتفاق وأن يأخذ كل إنسان طريق أو منهج أو مسلك خلاف صاحبه.

هناك من العلماء من ذكر فروقاً بين الخلاف والاختلاف منهم من يرى أن الاختلاف أعم من الخلاف، فالاختلاف قد يشتمل على المحمود والمذموم، والخلاف ما لا يكون إلا في المذموم فقط، هذا قول.

القول الثاني: من يرى أن الاختلاف يستعمل في كل قول بُني على دليل، أما الخلاف ففي ما لا دليل عليه.

إذا اختلفت مع فلان معناه أن معي دليل وهو معه دليل، لكن الخلاف في الغالب أنه يكون فيما ليس فيه دليل، كلاهما بس مجرد جدل، ومجرد نقاش عقيم لا فائدة منه.

إذاً هما فرقان:

الفرق الأول: أن الاختلاف يشمل الممدوح والمذموم، والخلاف في المذموم، هذا قول.

 القول الآخر: أن الاختلاف فيما له دليل سواء أنا أو صاحبي الذي أمامي، والخلاف هو الذي لا يُبنى على دليل وإنما مجرد خصومة ونزاع والله أعلم.

 

نفع الله بك وبعلمك يا فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور بدر بن ناصر البدر.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل