برنامج تبيان - سورة النازعات - 2

سورة النازعات

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة النازعات - 2

المقدم: وقف بنا الكلام في الحلقة الماضية عند قوله جل وعلا: (﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴿١٥﴾ إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٦﴾ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿١٧﴾ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴿١٩﴾ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ ﴿٢٠﴾ فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ ﴿٢١﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ ﴿٢٢﴾) هذه الآيات من سورة النازعات، بدايتها من الآية الخامسة عشرة ، تفضل يا شيخنا.

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. في هذه السورة الكريمة –سورة النازعات- قصّ الله جل وعلا علينا نبأ موسى عليه السلام وما صنع مع فرعون حين ذهب لإنذاره ودعوته إلى الله جل وعلا. يقول ربنا جل وعلا: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴿١٥﴾) هذا استفهام المراد منه تعظيم هذا الأمر الذي سيخبر عنه جل وعلا والتشويق له. ونبأ موسى أي خبر موسى وحديثه وما صنع في أمر دعوته فرعون يقول الله جل وعلا: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٦﴾) هذا تفصيل لنبأ موسى وحديث موسى، وموسى بالمناسبة هو أحد أنبياء الله ورسله الكرام وهو أحد أولي العزم من الرسل الذين أُمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتدي بهم وأن يصبر صبرهم ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِوقد ذكرهم الله جل وعلا كما هو الراجح من أقوال المفسرين في آيتين في آية الشورى وفي آية الأحزاب، قد بعثه الله جل وعلا لبني إسرائيل حتى يدعوهم إلى الله جل وعلا، وأيضاً بعثه ليستنقذهم من رِقّ وعبودية فرعون الذي طغى وتجبّر وأرسله دعوة إلى فرعون ليتعبّد لله جل وعلا.

يقول الله جل وعلا: (إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٦﴾) أي إذ نادى الله جل وعلا موسى عليه السلام بالواد المقدّس أي المُطهر وهذا الوادي المقدس كما أخبر الله جل وعلا عنه إن اسمه طوى، وهذا الوادي لا شك أن له شرف ومنزلة وتكريم حيث أخبر الله تبارك وتعالى أنه واد مقدّس وأوحى الله تبارك وتعالى فيه بالرسالة إلى موسى عليه السلام آمراً له بقوله: (اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿١٧﴾) وفرعون هو المُتملك على الأقباط في مصر. وأخبر الله جل وعلا عن الغاية من الرسالة بقوله: (إِنَّهُ طَغَىٰ) أي اذهب إليه لأنه طغى، والطغيان في اللغة هو تجاوز الحد، يقال طغى الوادي إذا تجاوز الحد وفاض، والإنسان إذا تجاوز حدّه وتجبّر وعصى الله جل وعلا وفعل ما ليس له أن يفعله فإن هذا ضرب من ضروب الطغيان، وفرعون -نعوذ بالله من حاله- طغى في حق الله جل وعلا، وطغى في حق عباده. أما في حق الله جل وعلا فكما أخبر الله جل وعلا أنه وصل به الأمر إلى أن قال أنا ربكم الأعلى وقال ما علمت لكم من إله غيري، وأما في حق عباد الله فإنه استعبد بني إسرائيل واسترقّهم وقتل رجالهم واستحيا نساءهم وهذا لا شك أنه ضربٌ من ضروب الطغيان عظيم. والعبد -سبحان الله- ابن آدم إذا تملّكته النعمة والصحة والقوة نسي حاله ونسي مآله، نسي مبتدأه ونسي منتهاه فجاشت نفسه بالطغيان والتجبر إلا من عصم الله جل وعلا، وربما يكونون قليلٌ ما هم. قد أخبر الله جل وعلا عن هذا الأمر في سورة "اقرأ" حين قال الله جل وعلا عن هذا الإنسان ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ﴿٦﴾ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ فسبب الطغيان أنه حين يرى نفسه قد استغنى بقوته وماله وحاله عن الله جل وعلا فيحصل منه هذا الأمر. وهذا فرعون ضربٌ من ضروب الطغيان طغى كما قلنا في حق الله جل وعلا، وفي حق عباد الله.

قال الله تعالى: ﴿ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴿١٧﴾ فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ ﴿١٨﴾﴾ أي هل لك يا فرعون أن تُزكي نفسك بطاعة الله جل وعلا وعبادته والأوبة إليه، وتُزكيها أيضاً بالصفات الطيبة والأخلاق الحميدة وتُطهر نفسك من الدنس والكفر والطغيان؟.

﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴿١٩﴾﴾ الهداية على نوعين:

·         هداية توفيق وإلهام وهذه مختصة بالله جل وعلا فإنه لا يمكن أن يُوجِد الإيمان في قلب عبد إلا الله جل وعلا.

·         والنوع الثاني من أنواع الهداية هداية الدلالة والإرشاد وهي التي يقوم بها الرسل والعلماء وأتباعهم كما قال الله جل وعلا عن نبيه: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍوقال: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. وقال عن هداية التوفيق والإلهام لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ مع أنه أثبت له الهداية ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍأي باعتبار الدلالة ولكنه قال: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أي لا تقوى على إيجاد الإيمان في قلبه ولكن الله يهدي من يشاء جل وعلا.

وهذا التقسيم للهداية كما هو معلوم مأخوذ من خلال استقراء النصوص فإننا إذا نظرنا في نصوص الكتاب والسنة وجدناها تطلق الهداية على ما يمكن أن يُسمى هداية التوفيق والإلهام التي هي مختصة بالباري جل وعلا، وما يمكن أن يطلق عليه هداية الدلالة والإرشاد التي يقوم بها الأنبياء والرسل وأتباعهم عليهم من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم.

وبالمناسبة من الفوائد أن لفظ الهداية يُعدّى في القرآن كما في لغة العرب على ثلاثة أحوال:

·         الحالة الأولى: أن يتعدّى بنفسه دون الحاجة إلى حرف الجر. كما في قوله جل وعلا في سورة الفاتحة:﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾.

·         وقد يعدّى بـ (إلى) كثيراً كما في هذه الآية ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴿١٩﴾﴾.

·         والحالة الثالثة: أن يُعدّى باللام كما في قوله جل وعلا: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّـهُ﴾.

قال الله جل وعلا: ﴿ وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ ﴿١٩﴾﴾ أي أنك إذا سلكت الطريق إلى الله جل وعلا وعرفت ما له من الحقوق سبحانه وبحمده فإن هذا يُوجِد في قلبك الخشية منه. وهل العلم والعمل إلا مراد منه خشية الله جل وعلا، ولذلك بالمناسبة أهل العلم نصّوا على أن المراد كما دل على ذلك كتاب الله جل وعلا أن المراد من العلم هو تحقيق خشية الله جل وعلا ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّـهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ فما يراد بالعلم معرفة آحاد المسائل ولا الاستكثار من التفاصيل وإنما المراد هو معرفة أمر الله جل وعلا الذي يتحقق معه خشيته جل وعلا في الغيب والشهادة.

قال الله جل وعلا: ﴿ فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ ﴿٢٠﴾﴾ أي أن موسى عليه السلام أرى فرعون الآية الكبرى، الآية العظيمة الشاهدة الدالة على صدق ما جاء به ككون العصا حية، وأن يده تخرج بيضاء من غير سوء ونحو ذلك ولكن فرعون كعادة الطغاة كذّب وعصى. كذّب الأخبار التي جاء بها موسى، وعصى الأوامر التي جاء بها من عند الله جل وعلا وزاد على ذلك أن أدبر يسعى. (تولى) وهذه الصيغة صيغة (أدبر) وإن كان المراد بها الإدبار الحسي الذي يتَضَمّن أن يولّي الإنسان ظهره ودبره للمتكلم ولمن يدعوه إلا أنها أيضاً تعني الإدبار المعنوي وهو أن يتنكّب الإنسان عن الحق ويُعرض عنه ولا يستجيب له ولا يعمل بما فيه. فرعون نعوذ بالله من حاله أدبر وهو يجتهد، يسعى، يحرص وكان من حرصه أن حشر الناس وقال لهم: أنا ربكم الأعلى نعوذ بالله من هذه المقولة الشنيعة! فجاء العقاب مباشرة ﴿ فَأَخَذَهُ اللَّـهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ﴿٢٥﴾﴾ نكّل به جل وعلا في الدنيا وفي الآخرة.

ثم قال سبحانه: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴿٢٦﴾﴾ ما حصل لفرعون هو عبرة لكل أحد ولكن الذي يعتبر على وجه الحقيقة هو من يخشى الله جل وعلا، ولاحظ كيف أنه جاء لفظ الخشية مرتين في هذه الآيات فموسى عليه السلام جاء داعياً إلى فرعون لعله يخشى ثم قال جل وعلا في ختام قصته: ﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لموعظة ﴿ لِّمَن يَخْشَىٰ﴿٢٦﴾﴾ وأما الذي لا يخشى الله جل وعلا فإنه تمر﴿ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾﴾. وفرعون -نعوذ بالله من حاله- ما كان له أن يطغى ويتجبّر لولا أنه وجد من قومه أهلية وأرضية للاستجابة لمثل هذه الدعوات التي لا يمكن أن يتقبلها العقل ولذلك قال الله جل وعلا عنه في آية أخرى: ﴿ فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾ ولولا أن قوم فرعون كانوا قومًا يستحقون الاستخفاف لما أن يملي عليهم مثل هذه الترهات، وإلا فكيف لعبد خُلق من تراب ويصير إلى التراب وهو فيما بينهما يحمل الأذى والقذر ويمرض ويجوع ويعرى ومع ذلك يقول أنا ربكم؟! لا، أنا ربكم الأعلى أيضاً! فلا يمكن لمن كان عنده مَسْكة من العقل أن يُصدّق مثل هذه الترهات ولكن مثل هؤلاء الضُلال -نعوذ بالله من حالهم- قد يُلبّس عليهم أحياناً وقد يستجيبون من أجل مغريات مادية فيستجيبون لدعوته ولقوله ويصدّقونه في ما قال.

نسأل الله عز وجل الهداية لما يحب ويرضى. زادك الله علماً وفضلاً يا شيخنا الدكتور محمد ونفع بك.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: شيخنا حفظك الله ترد مسائل في تفسير القرآن باللغة فبودنا أن تُطْلعونا والإخوة المستمعين على أبرز تلك المسائل.

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله. من المسائل المرتبطة بموضوع تفسير القرآن باللغة أن الاختيار والترجيح بين تفسيرات السلف اللغوية لا يعني رد المعنى من جهة اللغة، وسبق الإشارة إلى هذا. فإذا قام مفسّر بالترجيح بين أقوال السلف المُعْتمِدة على اللغة ورجّح هذه المعاني على غيره فهذا الترجيح لا يعني أنه يردّ المعنى الآخر، فمثلاً في قوله:﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ ورد عن السلف أنه ممزوج ومخلوط بالمسك، وورد قول آخر أن آخر شرابهم مسك يعني كأنه خاتمته، وورد أن طينته مسك يعني الغطاء مطيّن بالطينة مثل الشمع الذي يوضع على بعض المظاريف وغيره وتسمى طينة أو تشميع، فهذه ثلاث معاني كلها لغوية. فلو نحن اخترنا أحد هذه الأقوال قلنا أن الصواب أن آخر شربهم مسك لأن هذا هو المشهور من معنى مادة "ختم" فلا يعني ذلك أننا نقول إن القول الأول غير صحيح في اللغة والقول الثالث غير صحيح في اللغة إنما نحن نقدم قولاً على قول فقط، ولهذا لا يصح أن نقول إن أحد هذه الأقوال ليس على اللغة وإنما نقول أن المُقدَّم في التفسير هو هذا.

هذه قضية، القضية الثانية أو المسألة الثانية أنه قد يكون تفسير السلف غير مطابق للمعنى اللغوي لأنهم لا يحرصون في بعض الأحيان على بيان اللفظ من جهة اللغة لأنه واضح عندهم. فإذاً الناظر يحتاج إلى أن يضم إلى كلامهم ما تقتضيه لغة العرب وما يقتضيه هذ اللفظ من لوازم ومستتبعات، ويكون ذلك بأمور:

الأمر الأول: أنه يلزم من أراد أن يفسر القرآن باللغة أن يحرر معنى اللفظ في اللغة وهذا يكون بالاستعانة بكتب اللغة التي سبق أن ذكرنا بعضها مثل كتاب العين المنسوب للخليل، كتاب الجمهرة لابن دريد، تهذيب اللغة للأزهري والمجمل لابن فارس، ومقاييس اللغة لابن فارس وغيرها من كتب اللغة بحيث يتبين المعنى اللغوي للفظة. يمكن أيضاً أن يرجع في هذا إلى كتب غريب القرآن لأنها أقرب إلى المعاني اللغوية مثل مجالس القرآن لأبي عبيدة وغريب القرآن لابن قتيبة، ومفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني وغيرها من كتب اللغة. كما يمكن أن يستعين بتحريرات محققي المفسرين مثل الطبري وابن عطية ومن المتأخرين مثل أبي حيان والطاهر بن عاشور من القريبين منا في عصرنا.

الثاني: البحث في العلاقة بين تفسير اللفظة عند السلف ومعناها المطابق في اللغة بمعنى أني الآن أنظر ماذا قال السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم، هل هم فسروا اللفظة بما يطابقها مثل ما هو موجود في كتب اللغة أو أنهم فسروها بأمر آخر؟ فإذا نظرنا أنهم فسروها بأمر آخر ليس مطابقاً للغة فمعنى ذلك إذاً أننا نحتاج إلى أن نعرف ما هي العلاقة بين ذلك المعنى اللغوي الذي أخذناه من كتب اللغة وبين ما يذكره السلف.

من أمثلة ذلك: في قوله: ﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ﴾ يقول القرطبي: اختُلف في تأويل المراغم؛ فقال مجاهد: المراغم المتزحزح. وقال ابن عباس والضحاك والربيع وغيرهم: المراغم المتحول والمذهب. وقال ابن زيد: والمراغم المهاجَر؛ وقاله أبو عبيدة. قال النحاس: فهذه الأقوال متفقة المعاني، فالمراغم المذهب والمتحول في حال هجرته، وهو اسم الموضع الذي يراغم فيه، وهو مشتق من الرَغام، ورغم أنف فلان أي لصق بالتراب. وأرغمت فلانا هجرته وعاديته، ولم أبال إن رغم أنفه. وقيل: إنما سمي مهاجراً ومراغماً لأن الرجل إذا أسلم عادى قومه وهجرهم، فسمي خروجه مراغماً، وسمي مسيره إلى النبي صلى الله عليه وسلم هجرة. وقال السدي: المراغم المبتغى للمعيشة. وقال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: المراغم الذهاب في الأرض. وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده. فكأن كفار قريش أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. ومنه قول النابغة:

كطود يلاذ بأركانه           عزيز المراغم والمهرب

إذاً لاحظ هذا التحرير الذي ذكره القرطبي واستعان به على اللغة بيّن لنا هذا الترابط بين أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم عمن ذكرها منهم، فبهذا التحرير يتبين لنا المعنى المطابق والمعاني القريبة منه التي يذكرها السلف.

الثالثة: أنه قد يرد التفسير لبيان المراد باللفظة في السياق وهذا أمر مهم جداً جداً لمن يُفسّر القرآن، أو يقرأ في التفسير. فكأنه يكون مراد المفسر هو بيان المراد باللفظة في هذا السياق وليس بيان معناها في اللغة وهذا يكثر في كتب الوجوه والنظائر بالذات ولهذا مثلاً نجد عند مقاتل بن سليمان في كتاب الوجوه والنظائر له يقول في تفسير الطغيان أربعة وجوه:

·         فوجه منها الطغيان، يعني: الضلالة. قوله في البقرة: ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يعني: في ضلالتهم. نظيرها في يونس: ﴿ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ يعني: في ضلالتهم. وقال في ق: ﴿ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَـٰكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾ يعني: ما أضللته. إلى أن ذكر مجموعة من الآيات.

·         ثم قال: الوجه الثاني: طغيان، يعني: عصيان. فذلك قوله: ﴿ اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ﴾ ثم أورد أمثلة غيرها.

·         الوجه الثالث: قال الطغيان بمعنى: الارتفاع والكثرة. ﴿ إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ يعني: لما كثر الماء وارتفع.

·         والوجه الرابع: الطغيان يعني الظلم. فذلك قوله في النجم: ﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ﴾ وقال في الرحمن: ﴿ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾.

نحن لو تأملنا التفسيرات التي ذكرها مقاتل هي في الحقيقة تفسيرات سياقية فيريد أن يبين معنى الطغيان في هذا السياق وليس من باب تفسير الطغيان في اللغة، لأن الطغيان في اللغة معناه التجاوز، طغى بمعنى تجاوز الحد، لكن ما هو تجاوز الحد في هذا؟ ما هو تجاوز الحد في الآية الأخرى؟ هذا يسمى تفسيرًا سياقيًا فيجب أن نفرق بين التفسير السياقي والتفسير اللغوي.

المسألة الثالثة: الاعتماد على كتب اللغة للتفسير في المحتملات الحادثة وهذا الحقيقة منهج غير سليم وسلوكه من بعض المعاصرين فيه خلل وخطأ كبير لأنهم يظنون أنه ما دام ثابتاً في اللغة فإنه يصح التفسير به دون نظر إلى أي أصل من أصول التفسير الأخرى. وإذا رجعنا إلى علماء اللغة الذين جمعوا معاني الألفاظ التي نطق بها العرب كانوا حريصين على تقييد هذه المعاني بقيود حدّية تبين الدلالة الدقيقة للفظ والفرق بينها وبين الألفاظ المقاربة لها في كثير مما كتبوه.

فهذه إذن الحقيقة هي عون لكشف معنى اللفظ، لكن القول الحادث بعد جيل السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم لا بد أن يكون:

أولاً: صحيح المعنى في اللغة بحيث نقول إن هذا مما نطقت به لغة العرب، أو أنه على الأقل يدل كلامها عليه أي كلام العرب يدل عليه وإن لم ينطقوا به مطابقة. مثال ذلك في قوله: ﴿ وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَاالدحو هنا بمعنى جعلها كرة لم تنطق العرب به ولم تصف الأرض بهذا وبعض المعاصرين أراد أن يثبت كُرّية الأرض وأنها كروية بهذه الآية وأن الأرض تشبه البيضة وبدأ يرجع إلى كتب اللغة فوجد أن بيض النعام يسمى الأدحيّة والمدحاة لعبة يلعب بها أهل مكة، ويقول الأسدي هي المداحي والمسادي وهي أحجار مثل القِرَصة. وذكروا بعض المعاني اللغوية التي وردت عن العرب يستوحى من هذه اللفظة في هذه السياقات التي ذكرها العرب أن دحاها تشير إلى معنى الكروية. طبعاً ليس المراد هنا إثبات كروية الأرض أو غيرها ولكن أن المقصود أن مثل هذا على الأقل نقول إن له أصل في لغة العرب فيمكن أن يحتمل ولكن ليس لازماً أو ملزماً في القبول.

ولهذا نقول هذا مسلك دقيق جداً جداً يحتاج فيه الناظر أن يكون فقيهاً بصيراً بطريقة التعامل مع ألفاظ العرب، بصيراً في تنزيل ألفاظ العرب على القرآن، بصيراً بأن هذا القول الذي نزّله لا يكون مُبطلاً لأقوال السلف، فإذاً أمامه مراحل متعددة في هذا المجال.

القضية الرابعة: التحرير اللغوي لمعنى اللفظة في لغة العرب يفيد في معنى اللفظ وتثبيته في الذهن ثم في معرفة علاقته بالمعنى السياقي الذي ورد في الآية. وسبق أن أشرنا إليه فحينما نقول ما هو أصل هذه اللفظة التي يجتمع عليها المعنى؟ مثل:﴿ يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ ﴾ الحافرة عند بعض المفسرين أنه البعث بعد الموت وبعضهم قال الحافرة الأرض، وبعضهم قال الحافرة  النار. لو رجعنا إلى تأصيل اللفظة بلغة العرب نقول الحاء والفاء والراء مثل ما يقول ابن فارس: أصلان أحدهما حفر الشيء وهو قلعه سُفلاً، والآخر أول الأمر، ثم بدأ يذكر المعاني. فإذا عرفنا هذا الأصل وهو أن الحفر يرجع إلى هذا أو إلى هذا فإننا يمكن أن نقول أن من فسّر البعث بعد الموت فإنه يكون من الأصل الثاني وهو الآخر أو أول الأمر أي رجع إلى أول أمره. ومن قال إنها الأرض فإنها بمعنى حفر الشيء وهو قلعه سُفلاً، أو يجوز أن يكون الرجوع إلى الأرض بعد أن كانوا فيها، أو النار لأن النار أيضاً محفورة، فكأننا نقول الأصل اللغوي لمادة حفر موجود في هذه المعاني الثلاثة التي ذكرها السلف.

فإذاً معرفة اللغة تفيدنا كثيراً وتحرير لفظ بالذات بهذه الطريقة تفيدنا كثيراً في معرفة العلاقة بين الأصل الاشتقاقي والمعنى السياقي الذي يذكره السلف. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه المسائل ونختم به ما يتعلق به هذا المصدر وهو تفسير القرآن بلغة العرب.

 

نفع الله بك وبعلمك يا فضيلة الشيخ وأسعدك في الدنيا والآخرة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل