برنامج تبيان - سورة المدثر - 3

سورة المدّثر

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة المدثر - 3

المقدّم: وقف بنا الكلام في تفسير سورة المدثر في الصفحة الماضية إلى قول الباري جلّ وعلا (كَلَّا وَالْقَمَرِ ﴿٣٢﴾ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ﴿٣٣﴾ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ﴿٣٤﴾ إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ ﴿٣٥﴾ نَذِيرًا لِلْبَشَرِ ﴿٣٦﴾ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ ﴿٣٧﴾).

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. هذا قَسَم من الباري جلّ وعلا بالقمر وقَسَم بالليل إذ أدبر يعني إذا ولّى وبالصبح إذا أقبل وأسفر وأشرق، وجواب القسم (إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ) أي النار التي سبق ذكرها في الآيات السابقة، إنها لإحدى الأمور العظيمة وهي نذيرٌ للبشر. في هذا الأمر الذي ذكره الله جلّ وعلا نذارة لهؤلاء البشر وهذه النذارة (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ) لمن قبِلها فإنه يكون من الفائزين ومن تركها فإنه يكون من الخاسرين. وفي هذا إشارة كما قال أهل العلم أن الحياة ليس فيها وقوف البتة وإنما فيها تقدم أو تأخر والوقوف على وجه الحقيقة هو تأخر. في العمل الصالح الإنسان الذي يوقف هو الذي يتراجع لأن الأيام والسنون تطوي وهو واقف. ولذلك يا عبد الله انظر إلى نفسك إذا لم يكن في حالك وقلبك تقدّم وقُرب من الله جلّ وعلا فأنت في الحقيقة في تأخر.

قال الباري جلّ وعلا (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴿٣٨﴾ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ ﴿٣٩﴾ فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴿٤٠﴾ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ﴿٤١﴾ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿٤٢﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿٤٣﴾ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ ﴿٤٤﴾ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ ﴿٤٥﴾ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ﴿٤٦﴾ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ ﴿٤٧﴾ فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴿٤٨﴾)

يقول الله جلّ وعلا مخبرًا عن أحوال البشر أن كل نفس مرتَهنة ومعتَقلة بما كسبته وما عملته في هذه الدنيا إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. ثم قال جلّ وعلا لكن أصحاب اليمين وهم الموفقون الفائزون (فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ) مكانهم أنهم في جنات والجنات جمع جنة من الاجتنان وهي البستان كثير الأشجار ملتف الأشجار لأنه يستر ما بداخله سمي جنة لهذا الأمر. ومن حال هؤلاء أصحاب اليمين أنهم يتساءلون عن المجرمين نعوذ بالله من حال المجرمين، وقد حكى الله تبارك وتعالى قصة تساؤل أهل الجنة عن المشركين في أكثر من موضع كما في سورة المدثر هنا وكما في سورة الصافات (قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴿٥١﴾ يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ ﴿٥٢﴾ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ﴿٥٣﴾) إلى آخر الآيات، فهم يتساءلون عن المجرمين يتساءلون (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ) ما الذي أوقعكم وجعلكم من أهل النار والعياذ بالله؟! فأجاب أهل النار: السبب:

(لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ)

ثانياً (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ)

ثالثًا (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ)

رابعًا (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)

وهذه الأمور الأربعة التي ذكروها: أولًا لم يكونوا على صلة مع الله جلّ وعلا أي ما عبدوا الله ولا أحسنوا إلى خلق الله (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ). والأمر الثالث أن حقائق الإيمان غير موجودة عندهم (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) دائمًا في آيات القرآن إذا ذكر الله جلّ وعلا حال المشركين، إذا ذكر تكذيبهم وعنادهم وإعراضهم ذكر في كثير من الآيات تركهم للصلاة وهذا إذا دل على شيء فإنما يدل على عظم شأنها وأن ترك الصلاة أحد الأسباب المؤثرة  في ضلال هؤلاء الكفار وفي دخولهم النار والعياذ بالله! وإلا مجرد الكفر - ليس بعد الكفر ذنب – ولكن مع ذلك لكنهم ذكروا في أول ما ذكروا أنهم لم يكونوا من المصلين. وأيضًا (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) أعظم ما يحتاجه الإنسان أن يتصل بالله وأن يحسن لخلق الله وليس المقصود هو كثرة ما تنفق ولا عظم ما تبذل ولكن المقصود هو وجود الإحسان والبذل، ولذلك جاء في الحديث الحسن: سبق درهم مئة ألف درهم، والله تبارك وتعالى حين أمرنا بالإحسان وبالنفقة ما أمرنا ليستكثر من قلة حاشاه جلّ وعلا ولا ليستقوي من ضعف وإنما أمرنا ليبلونا (وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ (38) محمد). ولذلك يا عبد الله لا تبخل على نفسك بالقليل فإن الحرمان أقل منه، نعوذ بالله من الحرمان. (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) وهذا تحذير إذا رأيت مجالس اللعب والخوض والاستهزاء بآيات الله فأعرض عنها (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (68) الأنعام) (إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ  (140) النساء) لماذا؟ (إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ) من جلس مع هؤلاء الخائضين ولم يُنكر ولم يغادر المجلس فحُكمه حكمهم لأن هذا معبّر عن رضاه بما قالوا. (وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) الدين الجزاء والحساب ويوم الدين يوم القيامة (حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ) اليقين هو الموت كما قال الله جلّ وعلا (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) الحجر) كانت نتيجتهم (فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) لأن الأصل الذي يبنى عليه غير موجود وهو الإيمان فلما لم يكن موجودا لا تنفعهم شفاعة الشافعين ومنه يُفهم أن أهل الإيمان تنفعهم شفاعة الشافعين كما هو معتقد أهل السنة والجماعة.

ثم قال تبارك وتعالى (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ ﴿٤٩﴾ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ ﴿٥٠﴾ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴿٥١﴾ بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً ﴿٥٢﴾ كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ ﴿٥٣﴾ كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ ﴿٥٤﴾ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿٥٥﴾ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴿٥٦﴾)

قال الله جلّ وعلا عن هؤلاء الكافرين المعرضين (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ) ما هو الأمر الذي دعاهم حتى يعرضوا عن هذه التذكرة؟ وفي هذا تحذير حتى للمؤمنين: الإعراض عن مواضع الذكر والتذكر ليس من صفات المؤمنين يا عبد الله مهما وقعنا في شيء من الخطأ من الزلل في المعصية لنجعل الحبل ممدودا أن لا نقطعه، ليتذكر الإنسان (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (114) هود) الكافر هو الذي ليس عنده إلا مجرد السيئات، المؤمن حتى لو فعل شيئًا من السيئات يحاول أن يغالبها في شيء من الحسنات. (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ) حُمُر جمع حمار والمقصود بها حُمر الوحش، (مُسْتَنْفِرَةٌ) أي أنها تنفر من قسورة، (فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) والقسورة يدخل فيه الأسد ويدخل فيه الرامي كما ورد عن السلف وهي كلها تدخل في عموم اللفظ. قال الله جلّ وعلا (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً) هؤلاء المشركين المعرضين المكذبين ما يريد الواحد منهم إلا أن ينزل عليه كتابًا من السماء كما قال الله تبارك وتعالى عنهم (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُّؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ۘ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ (124) الأنعام) ليس الأمر إليكم. (كَلَّا) يعني الأمر الحقيقي، السبب الحقيقي في إعراضهم (كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآَخِرَةَ) سبحان الله! تأمل نجد في القرآن الكريم الإكثار من ذكر أن التكذيب بالآخرة، عدم الإيمان بها، عدم استشعارها هو سبب من اسباب الكفر والإعراض وقسرة القلب، وسبب للخذلان في هذه الدنيا. حتى في صفوف المؤمنين كلما كان الإنسان أكثر استشعارا للآخرة وتذكرا لها وعيشا معها وخوفا منها بإذن الله تعالى كان أقرب إلى الله وأبعد عن المعاصي والآخرة محرّك دائم وواعظ للإنسان يقربه إلى الأوامر ويزجره عن المعاصي.

قال الله جلّ وعلا بعد ذلك (كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ) أي أن القرآن الذي جاء محمد صلى الله عليه وسلم هو تذكرة لكنه تذكرة  لمن شاء الله له أن يتذكر. (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ ﴿٥٥﴾ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ) نعم لك يا عبد الله مشيئة لا أحد يمنعك عن الهداية ولا أحد يحول بينك وبينها، إذا أذن المؤدن تستطيع أن تقوم إلى المسجد وتصلي، والبعيد نعوذ بالله من حاله هو الذي يجلس بإرادته ومشيئته، ولكن هذه الإرادة والمشيئة هي لا تخرج عن مشيئة الله جلّ وعلا وإرادته الذي هو أهل التقوى جلّ وعلا وأهل المغفرة أي أنه هو أهل أن يتقى وأن يُخاف وهو جلّ وعلا أهل أن يغفر ذنوب من استغفره وأقبل عليه وانطرح ببابه. ولذلك هو أهل أن يخاف منه وهو أهل أن يغفر الذنب جلّ وعلا وما اجتمع هذان الأمران في قلب مؤمن إلا كان هذا علامة خير وعلامة نجاة في الآخرة بإذن الله إذا اجتمع خوفه من الله جلّ وعلا وكثرة استغفاره منه فهو يعترف بذنبه وهو يقبل على ربه جلّ وعلا نسأل الله جلّ وعلا أن يجعلنا منهم.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: انتهينا من معرفة وجه اعتبار أقوال الصحابة مصدرًا في التفسير ولا يزال حديثنا متصلًا باعتبارات أقوال التابعين وأتباعهم مصدرًا في التفسير، فماذا بقي لديكم بهذا الشأن؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. تكلمنا في اللقاء السابق عن وجه اعتبار أقوال الصحابة مصدرًا في التفسير وننتقل إلى موضوع يعتبر من الأهمية بمكان لوجود من ينازع في هذا المصدر ويدّعي أنه غير لازم وهو أقوال التابعين وأتباع التابعين. ويمكن أن نُجمل الكلام عن هذا المصدر في الأمور الآتية:

·         أولًا: أن التابعين وأتباع التابعين وعاء لتفسيرات الصحابة فالتابعون وأتباعهم هم الطريق إلى تفسير الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين. ثم إنهم حملوا تفاسير الصحابة ولا يلزم أن يذكروا في كل رواية يروونها أن هذا قول فلان، بمعنى أنه قد يقول حينما يُسأل يقول بالمعنى الذي تلقفه من الصحابي وإن لم ينسبه إليه. وإذا فهمنا أن هذا يكون من عملهم فإن احتمال أن يكون ما قاله التابعون وأتباع التابعين متلقى عن الصحابة يكون احتمالًا قويًا. ويدل على ذلك بعض الآثار التي وردت عن التابعين فمن ذلك ما ذكره الترمذي في سننه عند قوله صلى الله عليه وسلم من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ أو من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار وهما حديثان فيهما كلام وذكر الترمذي هذا لكنه قال معلّقا وشارحًا: وأما الذي روي عن مجاهد وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنهم فسروا القرآن فليس الظن بهم أنهم قالوا في القرآن أو فسروه بغير علم أو من قبل أنفسهم وقد روي عنهم ما يدل على أنهم لم يقولوا من قبل أنفسهم بغير علم، ثم ذكر الرواية بسنده عن قتادة قال: ما في القرآن آية إلا وقد سمعت فيها شيئاً. وكذلك روى الطبري بسنده عن الشعبي قال: والله ما من آية إلا قد سألت عنها ولكنها الرواية عن الله. هناك آثار أخرى إذا تألناها نجد أن هؤلاء يتحرجون من القول في التفسير وأنهم لا يقولون إلا بالمعلوم والمقصود بالمعلوم أي ما بلغهم علمه عمن سبقهم، فإذا أخذنا بهذا الاعتبار وجعلناه قرينة فإنه يجعل أقوال هؤلاء الكرام من التابعين وأتباع التابعين محلًا للقبول مثل أقوال الصحابة، وإن كانت لا تكون كأقوال الصحابة قطعًا لطن على الأقل تكون بمرتبة دون وهي أعلى ممن جاء بعدهم.

·         ثانيًا: وهي قضية ناشئة عن الأولى أن المنهج الذي سلكه الصحابة في التفسير والمصادر التي اعتمدوها لم تتغير عند التابعين ولا عند أتباع التابعين فهم لم يبدلوا ولم يغيروا ولم يزيدوا في ذلك فلم يظهر عندهم مصادر أخرى غير التي عند الصحابة وهذا لا شك يعزز ويقوي ما جاء عنهم. بخلاف ما سنراه لو تتبعنا تاريخ التفسير من تغير المناهج التي صارت في التفسير فسنجد مناهج أخرى غير منهج الصحابة رضي الله عنهم، أما في جيل التابعين واتباع التابعين فالتفسير المنقول عنهم هو عين التفسير المنقول عن الصحابة والتابعين لم يختلف أبدًا من جهة المنهج.

·         ثالثًا: أن عدم اعتماد أقوالهم واجتهاداتهم يلزم منه انقطاع حلقة من حلقات التفسير. وه ذا الانقطاع يلزم منه أن فهم القرآن قد انقطع على الأمة فيكون العصر الذي عاشه هؤلاء حلقة فرغ فيها فهم شيء من القرآن ولم يكن من يتصدى له في هذه الفترة. هذا مع كونه خلاف الواقع لأن المتصدين للتفسير في هاتين الطبقتين كثير إلا أننا نجد من يهون من تفسير علماء هاتين الطبقتين ويرى أنه غير ملزم بأقوالهم. ومعنى ذلك لو لم نعتبر فهم هؤلاء فإنه سيلزم من ذلك أن نأتي بفهم غير فهمهم وندعي أنه هو المراد ويلزم من ذلك أن التابعين وأتباع التابعين لم يتلقوا العلم عن الصحابة وصار علم التفسير ناقصًا وهذه لا شك دعوى باطلة لا يقبلها المنطق العلمي كما يعرفه من يناقش موضوع العلم سواء كان في الفقه أو كان في السلوك أو كان في التفسير أو كان في غيرها.

·         رابعًا: أن العلماء الذين دونوا التفسير المأثور كما ذكرنا سابقًا بعضهم مثل ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر وغيرهم قد اعتمدوا النقل عن هذه الطبقات الثلاث وتتابعهم على هذا العمل إيناس بحجية هاتين الطبقتين مع الصحابة بمعنى أن عمل علماء الآثار وكل من عالج الآثار نجد أنهم يعتمدون هذه الطبقات الثلاث طبقة الصحابة والتابعين وأتباع التابعين فذكر أقوال التابعين واتباع التابعين مع أقوال الصحابة لا شك أنه يؤنس بأن أقوالهم في الحجية مقاربة لأقوال الصحابة رضي الله عنهم مع الاعتبارات التي ذكرتها قبل.

·         وأخيرًا نقول وهي خامسًا: أن التابعين وأتباعهم في عصر الاحتجاج اللغوي وكثير من التابعين ممن كان يُحتج بكلامهم في اللغة، وأما من لم يذكره من احتج باللغة، لم يذكر أقوالهم، فإنا نقول أنه لم يُعهد منهم عجمة حتى ولو كانوا من الموالي، فالذين كانوا من الموالي وفسروا القرآن مثل عكرمة البربري فإنا لا نجد أن أحدًا من اللغويين لم يعتد بهم أو لم يعتبرهم بل قد ينقلون أقوالهم ويحتجون بهم. فالذين اعتنوا بجمع اللغة كالخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب العين أو غيره نجد أنهم كانوا في طبقة أتباع التابعين وسيكون قصارى الأمر في ذلك أن يكون أتباع التابعين في هذا نَقَلَة إن لم يكونوا حجة بذاتهم كالخليل بن أحمد سواء بسواء فالخليل بن أحمد ناقل للغة العرب وهم ناقلون للغة العرب وهم يعالجون تفسير القرآن.

 

فإذا نظرنا إلى هذه القضايا الخمس التي ذكرتها فإنها تعطينا في النهاية مع استقراء تفسيرهم والنظر فيه تعطينا في النهاية أن أقوالهم على سبيل الإجمال حُجة، وهناك تفصيلات ستأتي فيما يتعلق بهذا لكن كلامنا الآن لماذا اعتبرناه مصدرًا؟ فلا شك أن اعتبار أقوال التابعين وأتباع التابعين من مصادر التفسير أمر لا يصلح الاعتراض عليه لأن عمل علماء الأمة مضى على ذلك جيلا بعد جيل لم يتوقف في ذلك أحد وإن كان يروى عن شعبة أنه كان يخالف في الاحتجاج بأقوال التابعين ولكن هذا القول فيه كلام وتفصيل لعله يأتي إن شاء الله الكلام عنه لاحقًا، ولعلنا نتوقف عند هذا ونكمل إن شاء الله بقية ما يتعلق بتفسير التابعين وأتباع التابعين بإذن الله تعالى. 


تفريغ موقع إسلاميات حصريًا



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل