برنامج تبيان - سورة المدثر - 2

سورة المدّثر

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة المدثر - 2

المقدّم: في الحلقة الماضية وقف بنا التفسير إلى قول الله جلّ وعلا (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾ وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾ وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾ ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾) هذه الآيات من سورة المدثر.

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. هذه الآيات نزلت في الوليد بن المغيرة في قصة ذكرها جمع من السلف ونقلها أئمة أهل التفسير وقد جاء في ملخّص هذه القصة أن الوليد بن المغيرة المخزومي وهو معروف أحد صناديد قريش وأحد رؤوسائهم في الجاهلية وكان من أمره أنه سمع شيئًا من القرآن وكان صاحب معرفة باللسان وكان رجلًا عاقلًا راجح العقل فلما سمع شيئًا من القرآن علم أن هذا القرآن ليس بسحر ولا كهانة ولا شعر ولذلك قال: والله ما هو بشعر ولا بسحر ولا بهذي من الجنون وإن قوله لمن كلام الله. لما سمع بذلك نفر من قريش خافوا أن يدخل هذا العظيم من عظمائهم في الإسلام حتى قالوا: والله لئن صبا الوليد لتصبونّ قريش فلما سمع فرعون هذه الأمة أبو جهل بالخبر قال أنا أكفيكم شأنه فانطلق حتى دخل على الوليد في بيته فقال له متحايلا عليه: ألم تروا قومك قد جمعوا لك الصدقة، فغضب الوليد قال: ألست أكثرهم مالًأ وولدا؟ فقال له أبو جهل: يتحدثون أنك إنما تدخل على ابن أبي قحافة (يقصد أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه لتصيب من طعامه) فقال الوليد: أتحدَّث الناس بذلك؟ فلا والله لا أقرب ابن أبي قحافة ولا محمدًا وما قوله إلا سحر يؤثر، فأنزل الله جلّ وعلا هذه الآيات.

يقول الله جلّ وعلا فيها متهددًا هذا الكافر (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ﴿١١﴾) خلقه الله جلّ وعلا وأخرجه من بطن أمه وحيدًا (وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ﴿١٢﴾) جعلت له مالًا متنوعًا من أصناف كثيرة، (وَبَنِينَ شُهُودًا ﴿١٣﴾) أي جعلت له بنين لا يغيبون عنه وإنما يحضرون معه وهذا من أعظم النعيم في هذه الدنيا وأيضًا من أعظم ما يستقوي به الإنسان حين يكون بنوه من حوله. (وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ﴿١٤﴾) أي أن الله جلّ وعلا مكّن له من صنوف المال ومن صنوف الخير في هذه الدنيا وأراحه فيها ثم هو مع ذلك يطمع أن يزيده الله جلّ وعلا من هذا النعيم الدنيوي ومن هذا الخير (ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ﴿١٥﴾). قال الله جلّ وعلا (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾) (كلا) كلمة ردع وزجر أي ليس الأمر كذلك (إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦﴾) أي معاندًا لها مكذّبًا لما فيها. (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ﴿١٧﴾) وهذه إشارة إلى شدة العذاب الذي سيناله هذا الإنسان الكافر في نار جهنم والعياذ بالله وأنه سينال عذابًا لا راحة فيه سواء كان سيكلف صعود شيء في نار جهنم لا يستطيع صعوده أو كان إشارة إلى شدة العذاب وتكالبه عليه. (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿١٨﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾) لماذا هذا العذاب؟ لأنه فكر وقدر، فقتل كيف قدر، أي فكر فيما يقول عن القرآن وقدر وزور في نفسه كلامًا يقوله عنه وهم يعلم أنه كذب وليس بحق. قال الله جلّ وعلا عنه (فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿١٩﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿٢٠﴾) هذا دعاء عليه بأن يُبعد من رحمة الله جلّ وعلا وأن يناله العذاب والخزي في الدنيا والآخرة جراء ما قدره وما زوره في نفسه من الكلام الذي يعلم أنه ليس بحق ولا حقيقة.

قال الله جلّ وعلا عنه بعد ذلك (ثُمَّ نَظَرَ ﴿٢١﴾) أي أنه نظر في أمره وما ينوي أن يقوله عن كتاب الله جلّ وعلا وعن كلامه. ثم قال سبحانه (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿٢٢﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿٢٣﴾) هذه حالة من حالات المشركين المعرضين حالة باطنة وحالة ظاهرة. أما الحالة الباطنة فهي العبوس أي قبض ما بين العينين وتقطيب الجبنين (وَبَسَرَ) أي كلح وكره هذا الكلام الذي سمعه (ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ) هذا أيضًا فيه إدبار الظاهر وإدبار الباطن والسبب في ذلك أنه استكبر عن كتاب الله جلّ وعلا واستكبر عن متابعة رسوله صلى الله عليه وسلم وأعظم ما يصد الناس عن الهدى والحق الاستكبار سواء من الكفار المشركين المعاندين أو من عصاة المسلمين والعياذ بالله من ذلك.

(فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾) بعد أن فكر وقدّر وحصل منه الإدبار الاستكبار قال (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ) وهذا التعبير هو نفي يعني ما هذا إلا سحر يؤثر هذا حصر، أسلوب من أساليب الحصر  الذيهو النفي والاستثناء، ما هذا إلا مجرد سحر يؤثر يعني ينقله عن هؤلاء السحرة ويرويه عنهم ويقوله لنا. كيف يتجرأ مثل هذا الإنسان الضعيف الذي خلقه الله وحيدًا لم يكن شيئا مذكورًا أمدّه الله بالمال والبنين ومع ذلك يقول عن أعظم حقيقة طرقت هذا الكون (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾) وهو أعلم الناس أن ما قاله كذب وأن هذا القرآن صدق من عند الله جلّ وعلا. ولذلك كما قال شيخ الإسلام عليه رحمة الله: ما قال أحد من المتقدمين ولا من المتأخرين قولًا في القرآن إلا ويعلم أنه كذب. يعني هذا القائل يعلم أنه كذب إلا أن يكون من هؤلاء المقلدين الذين لم يسمعوا القرآن أصلًا لكن هؤلاء المفكرين أو الصناديد أو كفار قريش من المتقدمين كل ما قالوه في القرآن أنه كذب أو سحر أو شعر أو كهانة هم أعلم الناس أنه كذب وأن هذا افتراء منهم وحقائق القرآن سواء في بيانه أو في معانيه هي من أعظم الحقائق التي لو اجتمع الإنس والجن كما قال ربنا لم يستطيعوا أن يأتوا بمثله. أما فيما يتعلق بالبيان والألفاظ فهذا أمر مشتهر وقد كان أساطين البلاغة وأرباب الشعر من المسقعين من العرب لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل سورة من سوره. وأما معانيه فهم عنها أعجز من عجز العرب عن الإتيان بمثل ألفاظه. ولذلك لو اجتمع عقلاء العالم من المتقدمين والمتأخرين والمفكرين والفلاسفة والمثقفين أن يأتوا بمثل المعاني التي جاء القرآن بها لكانوا أشد عجزًا من عجز العرب عن الإتيان بمثل ألفاظه ولذلك قول هذا القائل المأفون (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ ﴿٢٤﴾) هذا إنما ينادي على نفسه بالجهل والخطيئة نعوذ بالله من ذلك.

ثم قال تبارك وتعالى عنه (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴿٢٦﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ ﴿٢٧﴾ لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴿٢٨﴾ لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿٢٩﴾ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ ﴿٣٠﴾) قال الله جلّ وعلا في تمام كلام هذا الكافر حين قال (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴿٢٥﴾) يعني هو مجرد سحر أو مجرد كلام أتى به هذا المخلوق محمد صلى الله عليه وسلم ولو كان ما قاله حقًأ فليأتوا بمثل قول البشر لو كانوا صادقين. قال الله تعالى (سَأُصْلِيهِ سَقَرَ) أي هذه النار وهذا جزاوه من أعرض وأدبر واستكبر. قال الله تعظيمًا لشأنها (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ) لأن الاستفهام أحيانًا يأتي للتعظيم ومنه هذا الاستفهام. ثم جاء الجواب (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ) لا تبقي من هؤلاء أحد ولا تذر من هؤلاء أحد إلا أتت عليه فهي تأتي على جلودهم ولحومهم وعظامهم حتى تطلع على الأفئدة نعوذ بالله من ذلك. (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ ﴿٢٩﴾ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) أي من الملائكة الغلاظ الشداد.

ثم قال تبارك وتعالى (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ ﴿٣١﴾)

جاء في التفسير أن كفار قريش أبا جهل أو غيره حين سمعوا عن عدّة خزنة النار أنهم تسعة عشر استهزأوا بهذا الأمر وتقالّوهم وقال قائلهم: يا معشر قريش اكفوني بعضهم وأنا أكفيكم البعض الآخر أو قالوا أما يستطيع كل عشرة منكم لواحد منهم فأنزل الله جلّ وعلا هذه الآية أنه ما جعل أصحاب النار إلا ملائكة وما جعل عدتهم حين أخبر عن عدتهم أنهم تسعة عشر إلا فتنة وابتلاء واختبار لهؤلاء الذين كفروا. والفتنة والاختبار ينتفع منها أقوام وتكون لغيرهم بلاء وفتنة واختبارًا نعوذ بالله من ذلك! ولذلك قال الله (لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا) فأما الذين أوتوا الكتاب فيوافق ما جاء عندهم في الكتب السماوية وأما ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم حق ويزداد الذين آمنوا إيمانا لأنهم كلما نزلت الآيات زادتهم إيمانا على إيمانهم ثم لا يرتاب لا هؤلاء ولا أولئك. وأما الذين في قلوبهم مرض من المنافقين ومن كان مثلهم والكافرون يقولون ماذا أراد الله بهذا؟ لأنهم لا يعرفون حقائق الوحي ولا يعرفون العلل والحكم التي من أجلها أنزل الله هذه الآيات. قال الله بيانًا لهذا الأمر (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي مثل هذا الصنيع الذي صنعناه يضل الله قومًا ويهدي قومًا ولذلك في لحظات الابتلاء والامتحان سواء فيما يتعلق بالأمور الكونية أو الأمور الشرعية يرفع الله بها أقوامًا يصدقون ويثبتون ويكون نعوذ بالله محنة وفتنة وبلاء للآخرين.

قال الله في ختام هذه الآية (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) ما يعلم قوتهم ولا صفتهم ولا قدرتهم إلا هو جلّ وعلا ولا يعلم عدد هؤلاء الملائكة الذين خلقهم الله جلّ وعلا إلا هو. ولذلك جاء في تعداد الملائكة أحاديث كثيرة كما في حديث الإسراء وغيره. في حديث الإسراء في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في صفة البيت المعمور في السماء السابعة يقول: فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه. فكم سيكون تعداد جنود ربك جلّ وعلا؟! وفي الحديث الآخر أنه قال صلى الله عليه وسلم: أطّت السماء وحُقّ لها أن تئط، ما فيه موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك ساجد. فهذا إشارة إلى عظمة جنود الله وكثرتهم. هؤلاء في حق الملائكة فما بالك ببقية جنود الله جلّ وعلا؟! الريح المطر الزلازل البراكين الكائنات الحية الحيوانات بل حتى السواكن هي من جنود الله جلّ وعلا، النوم من جنود الله جلّ وعلا يبعثه على قوم فيكون سكينة ويبعثه على قوم فيكون هلاكًا لهم، الغمّ، الهمّ، النسيان وغير ذلك ولكن من آمن بالله جلّ وعلا وصدّق زاده يقينًا وثقة وقربًا من الله، ولذلك يا عبد الله إذا سمعت مثل هذه الآية وأنت مؤمن على ما تحزن؟! على ما تهتم؟ تغتم؟ مم تخاف؟! إذا كنت متصلًا بالله الذي لا يعلم جنود ربك إلا هو، فكن مع الله يكن الله جلّ وعلا معك.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: ما وجه اعتبار تفسير الصحابة والتابعين مصدرا من مصادر التفسير؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله. سبق أن ذكرنا في اللقاء السابق أو ابتدأنا نتكلم عن وجه اعتبار تفسير السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم مصدرًا في التفسير وذكرنا بدءأ الصحابة وذكرت وجهين من ذلك: الأول فيما يتعلق بالتنزيل وأحواله والثاني يتعلق بمعرفة عادات العرب.

والثالث أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن. ولا شك أن هذا من أكبر الأسباب التي تدعو إلى الرجوع إلى تفسير الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأن كل واحد أعلم بلغته من غيره وما دام القرآن نزل بلغتهم فهم أعلم بها من غيرهم. ومثال ذلك أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن ناسًا من الجن – تأمل قوله إن ناسا من الجن فأطلق على الجن لفظ الناس والمشهور أن الناس صنف والجنّ صنف لكن قد يقع تسمية الجن ناسًا كما ورد عن ابن مسعود في هذا وإن لم يكن مشتهرًا. ابن التين وهو يشرح في صحيح البخاري لما مرّ على كلام ابن مسعود هذا اعترض عليه، اعترض على ابن مسعود في أنه لا يصح إطلاق لفظ الناس على الجنّ فردّ عليه ابن حجر فقال: (استشكل ابن التين قوله (ناساً من الجن) من حيث إن الناس ضدّ الجنّ. وأجيب بأنه على قول من قال: إنه من نَاسَ: إذا تحرك، أو ذُكر للتقابل، حيث قال: (ناس من الناس)، (وناساً من الجن) ويا ليت شعري، على من يعترض؟!) الآن ابن مسعود هو حجة والمفترض أن نقبل قوله هذا على أنه يجوز إطلاق لفظ الناس على الجنّ وهذا ورد في القرآن في قوله (من الجنة والناس) على أحد التفسيرات - ليس هذا محله لكن يمكن الرجوع إلى التفاسير - سيجد أن قوله (من الجنة والناس) تفسير قوله تعالى (يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس) فهذا تفسير ورد عن بعض المفسرين. لكن المقصود أن هذا جائز من حيث اللغة ويجب أن نفرق بين المعنى القليل والمعنى الكثير في هذا المقام ولا شك أن إطلاق الناس على الناس معروف وقبلهم الجنّ لكن قد يطلق على المعنى القليل من الجن ناسًا. والمقصود بذلك أن الصحابة هم أهل اللسان فقولهم بلا ريب مقدّم فيما يتعلق بالتفسير المرتبط بلغة القرآن فإذا ورد تفسير بلغة القرآن فلا يجوز خلافه البتة. وإن كان وقع بينهم خلاف فإن كان كما سيأتي من باب اختلاف التنوع الذي تقبل فيه جمع الأقوال فإن كان من قبيل اختلاف التضاد عُدل فيه إلى الترجيح بين الأقوال، وإنما قالوه يأتي لغة لا تفسيرًا على حسب ما سيأتي تفصيله في اختلاف التنوع واختلاف التضاد.

الوجه الرابع: حسن فهمهم

وهذا لا نقوله من باب الإنشاء أو من باب الأسلوب الخطابي، لا، من قرأ في تفسير الصحابة بالذات وتمرّس في علم التفسير فإنه سيعرف ما أوتيه هؤلاء القوم من الفهم ولكن المشكلة هي في تقصيرنا نحن في فقه تفسير الصحابة والتابعين وأتباع التابعين، أن نكون فقهاء في معرفة ما يقولون ومرامي ما يقولون. ولهذا إذا تأملت أقوالهم ووزنتها بأقوال المتأخرين ستجد أن هناك بونًا شاسعا بين فهم هؤلاء وفهم المتأخرين لكن أحيانًا كثيرة مع الأسف يقع عندنا اغترار بما أوتيناه من العلم بكثرة العلم الذي حصل لنا وكأننا نظن أن الكثرة في العلم التي لم تكن موجودة عندهم من أسباب الزيادة في فهم القرآن وهذا ليس دائما صوابا ولذلك أقول يجب علينا نحن معاشر المتعلمين أن نرجع إلى أقوالهم وأن نتفقه فيها وأن نعرف مراميها وأن نتعلم المنهج الذي ساروا عليه لكي نفهم القرآن على وجهه الصحيح وأيّ منهج يستخدم في فهم القرآن غير هذا المنهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون وأتباعهم لا شك أنه سيقع فيه خلل وسيكون مناقضًا لما جاء عنهم. وطبعًا الساحة شاهدة بذلك بما فيها من الكتب المخالفة لمنهج هؤلاء.

منها أيضًا سلامة قصدهم:والمقصود أن الصحابة رضي الله عنهم لم يكن بينهم مذاهب ولا خصومات عقدية ولا خصومات فكرية كلهم كانوا كانوا على منهج واحد وكان مصدرهم متحدًا ولم يكن عندهم خبايا نفوس أو حظوظ نفوس وهم يفسرون القرآن بحيث يجتر كل واحد منهم معنى الآية إلى ما يريد ويبطل قول الآخر. والدلائل على ذلك كثيرة جدا وهي موجودة منثورة في تفاسيرهم ولولا ضيق المقام لذكرنا الكثير من الأمثلة على ذلك. لكن على سبيل المثال ما ذكره ابن عباس أن عمر بن الخطاب دعاه مرة إلى مجلس مشايخ بدر، قال: ما ظننته دعاني إلا ليريهم ما عندي من العلم فسألهم عن (إذا جاء نصر الله والفتح ) فكلهم فسروها على ظاهر القرآن والظاهر الذي فسروا به صحيح لا ريب فيه - لكن عمر أراد أن يبين أن هناك شيء مما خفي عليهم هذا الصغير قد أدركه وهو ابن عباس لهذا يدخله لعلمه وعقله - فقال إنه أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولم يعترض الصحابة على كثرتهم على فهم ابن عباس ولو كان عندهم اعتراض على فهمه لتكلموا به وهم قد اعترضوا على دخوله معهم، فإذن لم يكن عندهم حظوظ النفس التي نجدها عند المتأخرين ممن ينصر مذهبه العقدي أو مذهبه الفقهي أو رأي شيخه أو رأي ينتصر له أو يحتج له هذا ما كان ولله الحمد موجودًا عندهم بل كانت سلامة القصد والمقصد هو الظاهر على تفسيرهم فلم يقع عندهم ما وقع عند المتأخرين ممن ينتسب لمذاهب نحويين أو فقهيين أو عقديين أو سلوكيين أو غير ذلك.

 

هذه بعض الأسباب التي يمكن أن نقول أنها من أسباب رجوع المفسرين إلى قول الصحابة. ولهذا أقول إن العلماء الراسخين كانوا يتكثرون بموافقة الصحابة فلهذا كم هو جيد أن تنبّه أن القول الذي تقول به أو اخترته هو قول ابن عباس أو قول ابن مسعود أو قول أبو بكر الصديق أو قول عمر أو قول عمر بن الخطاب أو قول عثمان بن عفان أو قول علي بن أبي طالب أو قول ابن مسعود فهذا لا شك يقوي القول أكثر ويجعل الطمأنينة إليه أكثر لكن مع الأسف كثير من الدارسين وكثير ممن يتعرضون للتفسير لا يأبهون لذلك وتجد أنهم يذكرون الأقوال أو يميلون إلى أقوال من الأقوال التي يرونها ويستشهدون لها ويأتيهم من الغرور الداخلي في نفوسهم والعجب بما وصلوا إليه وهم لا يعلمون أن كل ما أقاموه إنما هو زخرف وليس هو القول الصواب يخالفون بذلك قول جمهور المفسرين بل أحيانًا يخالفون بذبك إجماع الصحابة والتابعين وأتباعهم وهم لا يدرون لقلة قرآءتهم لتفسيرهم ولقلة فقههم إذا قرأوا أيضًا في تفسيرهم  فيقع عندهم ما يقع عندهم من الإشكالات. فمن الأشياء التي يُنصح بها أن يرجع إلى تفسير الصحابة وأن يتأمل هذا التفسير وأن يستفاد من المنهج الذي سار عليه الصحابة والتابعون وأن يستفاد من طريقتهم في الخلاف وطريقتهم في التعامل مع هذا الخلاف وطريقتهم أيضًا في تعظيم بعضهم لبعض ومعرفة منزلتهم فابن عباس وهو صغير كان يقول عنه ابن مسعود (معنى الكلام) لو كان ابن عباس من أسناننا ما عاشره منا أحد أي ما أصاب من العلم عُشر ما عند ابن عباس، يعني لو كان ابن عباس بعقليته هذه من سن ابن مسعود وأمثاله لكان أعلم منهم عشرة أضعاف، وهذا لا شك أنه نوع من التنبيه على فضل علم ابن عباس. ولعلنا إن شاء الله في اللقاء القادم نكمل وجه اعتبار أقوال التابعين وأتباعهم مصدرًا للتفسير.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل