برنامج تبيان - سورة المدثر - 1

سورة المدّثر

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة المدثر - 1

المقدّم: في هذه الحلقة لعلنا ندخل إلى سورة المدثر تفسيرا ومعرفة وبيان إحكام وتفاصيل، فلو يحدثنا فضيلتكم عن تنزيل هذه السورة وموضوعها.

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى له وصحبه أجمعين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

سورة المدثر تسمى بهذا الاسم لأنه ورد قول الله جلّ وعلا (يا أيها  ) في صدر هذه السورة. هذه السورة هي سورة مكية بل قد عدّها بعض أهل العلم أول ما نزل من القرآن مطلقًا وهذا ورد عن جابر رضي الله تعالى عنه وأرضاه كما في صحيح البخاري أنه كان يقول: أول شيء من نزل من القرآن (يا أيها المدثر) وإن كان هذا الأمر خالفه فيه جمهور أهل العلم فذهبوا إلى أن أول ما نزل من القرآن هو الخمس آيات الأول من سورة اقرأ (اقرأ  ) وهذا هو المشهور وهذا هو الصحيح والذي دلت عليه الأحاديث المتكاثرة. ويدلّ لذلك أيضًا أن سورة المدثر نزلت بعد سورة العلق ما جاء في الصحيح عن جابر رضي الله تعالى عنه وأرضاه نفسه أنَّهُ سمعَ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلَّمَ، يُحَدِّثُ عن فتْرَةِ الوحْيِ: ( فبَيْنَا أنَا أمْشي، سمعتُ صوتًا من السماءِ، فرفعْتُ بصرِي قِبَلَ السماءِ، فإذَا المَلَكُ الذي جاءَني بِحِراءَ، قاعدٌ على كرسيٍّ بينَ السماءِ والأرضِ، فجَئِثْتُ منهُ، حتى هَوَيْتُ إلى الأرضِ، فجِئْتُ أهلِي فقلْتُ: زمِّلونِي زمِّلونِي، فَزَمَّلونِي، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى: { يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ - إلى قولهِ – فَاهْجُرْ} إلى آخر الحديث. فهذا الحديث وما كان مثله فيه أن أول ما نزل بعد نزول اِقرأ. ولذلك جاء في الحديث الآخر عن جابر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنَّهُ سمع النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يقولُ: ثم فترَ عنِّي الوَحْيُ فترةً ، فبينا أنا أمشي، سمعتُ صوتًا من السماءِ فرفعتُ بصري قِبَلَ السماءِ فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحراءٍ، قاعدٌ على كرسيٍّ بين السماءِ والأرضِ، فَجُئِثْتُ منهُ، حتى هويتُ إلى الأرضِ، فجئتُ أهلي فقلتُ: زمِّلوني زمِّلوني، فأنزل اللهُ تعالى: { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ - إلى فَاهْجُرْ }) فدل على أن سورة المدثر نزلت بعد سورة العلق وقد جمع أهل العلم بين قول جابر وبين هذه القصة أن أول شيء نزل بعد فترة الوحي هي سورة المدثر وأما الأولية المطلقة فكانت لسورة العلق.

أما موضوع هذه السورة فهو كسائر السور المكية من جهة ألفاظها ومن جهة موضوعاتها. من جهة ألفاظها فيها القوة، فيها الردع، فيها الزجر، فيها قصر الآيات وأما من جهة الموضوعات فهو حديث عن تفاصيل يوم القيامة، عن وعظ الكفار وزجرهم ونهيهم عن الشرك والكفر، دعوة إلى أصول التوحيد وأصول الأخلاق كما في صدر هذه السورة وفي خاتمتها.

قال تبارك وتعالى (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾)

(يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ) المدثر مثل المزمل كما سبق معنا وهو الذي تدثر بثيابه ولحافه وأصلها المتدثر والإدغام في لغة العرب وارد وكثير ومنه هذه الآية. يقول جلّ وعلا (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ) أمره ربه جلّ وعلا بأن يقوم بالنذارة فقام صلى الله عليه وسلم ولم يزل قائما بأمر الله حتى توفاه الله تعالى ولحق بالرفيق الأعلى لم ينشغل بدنيا ولم ينشغل بمال ولم ينشغل بنفسه وإنما انشغل بأمر ربه قال له ربه قم فقام ولم يزل قائما حتى لحق بالرفيق الأعلى فمن أراد مرافقة محمد صلى الله عليه وسلم فليقم بأمر الله كما قام محمد صلى الله عليه وسلم. قد قال بعض أهل العلم أن الإرسال حصل بهذه السورة كما حصل باقرأ النبوة والإنباء.

قال الله جلّ وعلا (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ﴿٣﴾) أي عظمه جلّ وعلا ونزّهه عن كل النقائص التي ينسبها إليه المشركون.

(وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ﴿٤﴾) تنوعت عبارات المفسرين في المراد بالثياب هنا في هذه الآية فقيل المقصود بها العمل وقيل المقصود النية وقيل المقصود طهرها من المعاصي وقيل المقصود الثياب الحسية أي اجعلها طاهرة نقية دائمًا وخصوصًا إذا أقبلت على عبادة الله جلّ وعلا وقد ذهب بعض المفسرين إلى أنه لا مانع أن تكون الآية تشمل هذا كله فيراد بها تطهير النية وتطهير العمل وتطهير الثياب.

(وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴿٥﴾) المراد بها الأوثان والأصنام والمعاصي اهجرها فلا ترتكبها ولا تأتيها وهذا لا يلزم منه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي شيئًا من ذلك ولكن هو من باب قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ (1) الأحزاب) هو تحذير له وتحذير لأمته من بعده.

(وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ﴿٦﴾) قال ابن عباس وجماعة: لا تعطي العطية وتلتمس أكثر منها، تلتمس ممن أعطيته أن يرد عليك أكثر منها. وقال الحسن وجماعة: لا تمنن بعملك على ربك تستكثره وابن كثير عليه رحمة الله يستظهر القول الأولى وابن جرير عليه رحمة الله في تفسيره يختار القول الثاني والقولان محتملان والمسألتان جميعا هي من الأمور الثابت في الشرع النهي عنها فينبغي للإنسان أن لا يعطي عطية أو يهب هبة أو يهدي هدية وهو يمن على الناس ويريد منهم أن يعطوه ما هو أكثر منها وإنما على الإنسان أن يبتغي وجه الله جلّ وعلا فيما يعطي وفيما يذر. وهذا في الحقيقة من السلبيات والملاحظات التي قد يقع فيها بعض الناس وهم لا يشعرون أنهم إذا أعطوا فإنهم يريدون الجزاء: هؤلاء أعطيناهم ولم يعطونا، أهديناهم ولم يهدونا، جئناهم ولم يأتوا إلينا، هؤلاء لن نذهب لهم لأنهم في المرة الماضية ما جاؤونا، هؤلاء ليس بالضرورة أن نعزيهم لأنه لما كان عندهم وفاة ما عزّونا، ليس بالضرورة أن نحضر ولية العرس والتعليل بذلك ليس لمحظور شرعي وإنما لأنهم لم يبادلونا، إنما يصنع الناس ذلك من باب المكافأة! والمؤمن المرتبط بأمر الله دائما عليه أن يعمل العمل يرجو ثواب الله يعلق نفسه بالله جلّ وعلا حتى مع أقرب الناس إليه مع زوجه مع ولده ووالده، يفعل الأمر لأن الله أمره بذلك، الزوجة حين تطيع الزوج حتى تلبي رغبته رقم واحد ليس ليرضى وليس ليكافئها قبل هذا كله لأن هذا أمر الله عند ذلك تؤجر ويسخر الله جلّ وعلا لها قلوب العباد.

(وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ ﴿٧﴾) اصبر على أمر الله جلّ وعلا واصبر على أقدار الله أيّا كانت. ولاحظ التقديم (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) اجعل صبرك لله لا تصبر حتى يقال صابرا ولا تصبر ترجو عاقبة الصبر في الدنيا ولا تصبر حتى ترجو من الناس الثواب أو المكافأة في الدنيا ولكن اجعل صبرك لربك جلّ وعلا ومن تعلّق قلبه بالله جلّ وعلا فيما يأتي ويذر فهؤلاء في الحقيقة هم السعداء المفلحون في الدنيا والآخرة.

ثم قال تبارك وتعالى (فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴿٨﴾ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ ﴿٩﴾ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴿١٠﴾)

الناقور هو الصور الذي ينفخ فيه الملك في نهاية الحياة الدنيا ثم ينفخ فيه مرة أخرى لبعث الخلائق وهما الراجفة والرادفة اللتين أخبر الله جلّ وعلا عنهما في سورة النازعات وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كيفَ أنتُمْ وصاحِبُ القرنِ قَدِ الْتَقَمَ القرنَ وحَنا الجبْهةَ، وأصْغَى السمْعَ يَنتَظِرُ متى يُؤمَرُ بالنَّفْخِ فيَنفُخُ، قالُوا: كيف نصنعُ؟ قال قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ ونعم الوَكِيلِ، على اللهِ توكلْنا. في ذلك اليوم قال الله (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ) أي شديد الهول كما قال تبارك وتعالى (يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) القمر) ثم قال سبحانه (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) فدلّ على أنه على غير الكافرين إن شاء الله تعالى يكون يومًا يسيرا نسأل الله جلّ وعلا أن يجعلنا من هؤلاء.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: في الحلقة الماضية تكلمنا عن تفسير الصحابة للقرآن الكريم وفي هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى نحب أن نتساءل عن تفسير التابعين فمن هم التابعون؟ ومن هم تابعو التابعون ولماذا نعتبر الطبقات الثلاث الصحابة والتابعين وتابعو التابعون مصدرًا في تفسير القرآن؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله. تكلمنا عن الصحابة وعرّفنا الصحابي وقلنا هو من لقي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مسلمًا ومات على ذلك. وأما التابعي فهو من لقي الصحابي وهو مؤمن أيضًا ومات على ذلك. واختُلف في اشتراط الرواية عن الصحابي هل يلزم أن يكون راويًا أو لا. والمفسرون في طبقة أتباع التابعين كانوا أكثر من المفسرين في طبقة التابعين وكذلك في طبقة الصحابة. يمكن أن نقول من باب النتيجة نقول أن أغلب المفسرين من طبقة أتباع التابعين. أما الطبقة الثالثة وهم أتباع التابعين فهم كل من لقي التابعي وهو مؤمن ومات على ذلك. بعد طبقة أتباع التابعين نجد أن علماء السنة من أهل الرواية والأثر قد اعتمدوا أقوال هذه الطبقات الثلاث بمعنى أن بعد جيل أتباع التابعين ويمكن من باب التقريب أن نقول تقريبا بعد المائة الثانية من المئتين إلى قريب المئة الثالثة في هذه الطلقة نجد أن العلماء صاروا ينقلون أقوال هذه الطبقات الثلاث فلو رجعنا إلى أي تفسير من التفاسير المشتهرة في ذلك الزمان تفسير عبد الرزاق أو تفسير عبد بن حميد أو تفسير آدم بن إياس أو تفسير أحمد بن حنبل أو تفسير البخاري أو تفسير كتاب معاني القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام أو غيرهم ممن كتب التفسير سنجد أنهم ينقلون أقوال الصحابة والتابعين وأتباع التابعين حتى برز ظهر ظهورًأ جليًا المفسّر الناقد والمرجّح وهو الإمام ابن جرير الطبري الذي كان يرجح بين أقوال السلف وهو أتى في مرحلة متقدمة لأن كتابه الذي كتبه بدأ إملاؤه سنة 284 أو 285 تقريبًا بدأ إملاء كتابه التفسير. إذن يكون بروز هذا المفسر الناقد هو في النصف الثاني من القرن الثالث.

أسباب الرجوع لتفسير الصحابي

أما وجه اعتبار أقوال السلف مصدرًا في التفسير فيمكن أن نذكر ذلك على نفس ما ذكرناه من النسق في تعريف هذه الطبقات الثلاث. تفسير الصحابي ذكر العلماء أسبابًا للرجوع لتفسير الصحابي من أبرز هذه الأسباب:

أنهم شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله يعني أحوال التنزيل ولا شك أن المشاهِد يدرك ما لا يدركه الغائب وهذا له اعتبار حتى في الشهادة. فإذن ما داموا يشاهدون فلهم من معرفة ما يتعلق بالأحوال ما لا يدركه غيرهم. يقول الشاطبي في هذه بيان هذه المنزلة للصحابة: (وأما الثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنّة، فهم أقْعَدُ في فَهْمِ القرائن الحالية، وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فمتى جاء عنهم تقييدُ بعض المطلَقات، أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه على الصواب، وهذا إن لم يُنقل عن أحدهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية) ولهذا يجعل مزية لتفسير الصحابي فيما لو قال هذه الآية معممة أو هذه الآية مقيدة فإنه يقبل قوله إذا لم يوجد له مخالف لأنه رأى من القرآئن والأحوال ما لم يره غيره. فإذن معرفة أسباب النزول من تتمة كلامه: ومعرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن، إلى آخر الكلام. وهذا فيه بيان واضح جدًا لأنهم هم الذين شهدوا التنزيل وبينوا هذه الأسباب. فبناء على ذلك هم أعرف بالقرآئن الحالية وهذه لا يمكن أن إدراكها إلا لمن شاهد وهم أعرف بأسباب النزول وهي جزء من القرآن الحالية لذا لا شك أن قولهم يقدّم على قول غيرهم.

من أمثلة ذلك في مسألة أسباب النزول وأنها من القرآئن ما روي عن ابن عباس قال: (أُتيَ برجلٍ من المهاجرين الأولين وقد شرب الخمر فأمر به عمر أن يُجلد، فقال: لِمَ تجلدني؟! بيني وبينك كتاب الله، قال: وفي أيّ كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ قـال: فـإن الله تعـالى يقـول في كـتابـه: (لَيْسَ عَلَى الَذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا...) [المائدة: 93]) – فهو فهم الآية على ظاهرها ولم يعتبر الأحوال وأسباب النزول لأنه ليست عنده- قال: فـأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا؛ شهدت مع رسول الله: بدراً، وأحداً، والخندق، والمشاهد. فقال عمر: ألا تَرُودّن عليه؟ - من باب الاستغراب وإلا عمر يستطيع أن يرد عليه - فقال ابن عباس: هؤلاء الآيات نزلت عذراً للماضين، وحجّة على الباقين، عذراً للماضين؛ قال عذرا للماضين لأنهم لَقُوا الله قبل أن حرّم الله عليهم الخمر، وحجة على الباقين؛ لأن الله يقول: (إنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ..) [المائدة: 90]. حتى بلغ الآية الأخرى). فإذن معرفة أسباب النزول تقي من هذا الفهم الذي وقع فيه هذا المتقدمين وهو من البدريين بسبب جهله بسبب النزول ولا شك ابن عباس لم يشهد هذا النزول لأنه كان صغيرًا لكن يحكيه عمن شهده.

الاعتبار الثاني أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن وأيضًا يقول الشاطبي في بيان أهمية معرفة الأحوال: : (ومن ذلك: معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثَمّ سبب خاص، لا بدّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشّبه والإشكالات التي يتعذّر الخروج منها إلا بهذه المعرفة) وهذه بلا ريب لها أثر كبير جدًأ جدًا.

ومن الأمثلة التي يمكن أن نسوقها مثال وقع لعروة وهناك مثال آخر أيضًا في قوله سبحانه وتعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ..) [البقرة: 198] فالله سبحانه وتعالى نفى الجناح، لماذا نفى الجناح؟ قد يقع سؤال، ابن عباس رضي الله عنهما يقول: (كانت عُكاظٌ ومجنّةٌ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثّموا أن يَتّجِروا في المواسم – صار عندهم نوع من التأثم في الاتّجار - فنزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ..) فتفهم الآية على وجهها.

 

أيضًا عائشة رضي الله عنها في ما رواه البخاري عنها أنها قالت: (كانت قريش ومن دَانَ دينها يقفون المزدلفة، - يعني كانوا يقفون في المزدلفة ولا يخرجون عن الحرم - وكانوا يسمّون الحُمْسُ، وكان سائر العرب يقفون بعرفات، فلما جاء الإسلام أمر الله نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يأتي عرفات، ثُمّ يقفَ بها، ثُمّ يُفِيِضَ منها – خلافًأ لقريش ورجوعًا إلى سنة إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الوقوف بعرفة- فقال سبحانه وتعالى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ..) [البقرة: 199]. إذن أشارت الآية إلى عادة من عادات العرب وألغتها وهي الوقوف بالحرم وعدم الخروج منه لأنهم يقولوا نحن أهل البيت ولا نخرج إلى الحلّ. فهذه عقيدة اعتقدوها فمن لم يعرف هذا لا يعرف المراد بقوله (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) لماذا أمروا بالإفاضة من حيث أفاض الناس؟ تنبيهًا على أنه وقع خلاف أو مخالفة من الكفار في قضية الحج فردّهم الله سبحانه وتعالى إلى دين إبراهيم. ولعلنا نكمل إن شاء الله في اللقاء القادم بقية أسباب الرجوع إلى تفسير الصحابة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل