برنامج تبيان - سورة المزمل - 2

سورة المزمل - 2

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: بدأنا في الحلقة الماضية في التعريف بسورة المزمل وقد شرفنا بسماع تقدمة عنها وعن معرفة مواضيعها. في هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى سنبدأ في الآية الخامسة من سورة المزمل من عند قوله تبارك وتعالى (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)).

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن. الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. مضى معنا في الحلقة الماضية أن هذه السورة الكريمة من أوائل ما نزل من القرآن بل عدّها بعض أهل العلم أول ما نزل من القرآن وإن كان هذا خلاف الصحيح. وذكرنا أن فيها توجيهاً عظيماً لإمام الدعاة صلى الله عليه وسلم وللدعاة من بعده الذين يسيرون على طريقته وينتهجون نهجه (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (108) يوسف).

في هذه الآية يقول ربنا جل وعلا (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا(5)) والمراد بهذا القول الثقيل: القرآن الكريم. وأما معنى كونه ثقيلاً فكما قال بعض أهل العلم – أي العمل به – والمراد أن هذا القرآن جاء بشريعة عظيمة مُحكمة تحتاج إلى همّة للقيام بها والعمل بها والأخذ بها كما قال الله جل وعلا لأنبياء (خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ (12) مريم). وذهب بعض أهل العلم إلى أن المراد بالقول الثقيل هنا أنه ثقيل حال نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم، قد ثبت في غير ما حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي يلقى منه شدة. قد جاء عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أنه نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من الأيام وإن ركبته على ركبتي فكادت ركبتي أن ترضّ، أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن زيد ابن ثابت قال: أُنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفخذه على فخذي فكادت ترضّ فخذي. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصّد عرقاً، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يجد شدّة حال نزول الوحي. ولا مانع من إرادة الوجهين جميعاً في معنى قوله جل وعلا (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5)) فقد يكون ثقيلًا في معناه بمعنى الأخذ به وقد يكون ثقيلاً أيضاً حال نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم قال تبارك وتعالى (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9))

ناشئة الليل هي ساعاته وأوقاته، فساعات الليل القيام فيها والتعبد لله جل وعلا أثره أعظم من أثر العمل في النهار، ولذلك جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل. والمعنى (أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) المراد أن القلب واللسان يتواطآن على العبادة والقرآءة في هذا الوقت لتفرّغه من مشاغل الدنيا ومن همومها. وقال الله جل وعلا بعد ذلك (إِنَّ لَكَ فِي اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7)) يعني في هذا النهار لك بعد ذلك تصرّف وتقلّب في مصالحك واشتغال أيضاً بأمور الدعوة والرسالة فلك فيها تطوع كثير ولك فيها فسحة في أثناء النهار. ثم قال سبحانه (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)) هذا أمر مطلق بالذكر بعد الأمر بخصوص قراءة القرآن الذي هو أجلّ الذكر وأفضله وأشرفه قال (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) التبتل هو الإنقطاع للعبادة معنى أنه انقطع لربك جل وعلا وتفرّغ لعبادته دون من سواه جل وعلا. ثم قال سبحانه وتعالى (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)) رب المشرق ورب المغرب وجاء في آية أخرى (رب المشرقين ورب المغربين) وجاء في آية أخرى – المشارق والمغارب – فحين وحَّد فالمراد مشرق الشمس ومغرب الشمس وحين ثنّى فالمراد مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغرب الصيف ومغرب الشتاء وحين جمع المشارق والمغارب لأنه كما هو معلوم عند أهل الفلك أن الشمس لها مشارق ولها مغارب تختلف باختلاف منازلها في فصول السنة وشهورها.

قال سبحانه (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) فهو أولاً رب المشرق والمغرب وهذا أمر يعترف به كل أحد حتى المشركين لأنهم كانوا يقرّون بربوبية الله جل وعلا. ثم قال (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) يعني لا معبود بحقّ إلا هو جل وعلا. ثم ختم الآية بقوله (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) إذا كان الأمر كذلك أنه رب المشرق والمغرب ولا إله إلا هو فيجب عليك أن تفرده بالتوكل فاتخذه وكيلاً، ولذلك جاء بحرف الفاء الذي يبني ما بعده على ما قبله. هو رب المشرق فإذا كان كذلك فاتخذه وكيلاً. وفي تقديم قوله (فَاتَّخِذْهُ) على قوله (وكيلاً) فيه إفادة الإختصاص: فاتخذه دون ما سواه وكيلاً جل وعلا. والتوكل هو من أعمال القلوب بل من أجلّ أعمال القلوب وأعمال القلوب هي في مجملها أعظم من أعمال الجوارح. وأعمال القلوب مثل الخوف والمحبة والصدق والرجاء والتوكل ونحو ذلك، وهي لا شك مقامات عظيمة نغفل عنها في كثير من الأحيان بل تجد حتى أهل الخير والطاعة ينشغلون بأعمال الجوارح عن أعمال القلوب التي هي أعظم وهي كالأصل لأعمال الجوارح والشعائر الظاهرة. ومن أجلّ أعمال القلوب التوكل وهو صدق الاعتماد على الله جل وعلا بأن لا يبقى في القلب أي شعبة تتجه لغير الله جل وعلا في حصول المطلوب ودفع المرهوب. نعم قد يفعل الإنسان الأسباب ويتعاطاها ولكن هذه الأسباب هي في يده وليست في قلبه وهو يعلم وهو يبذل هذه الأسباب أنه يبذلها لأن الله جل وعلا أمر بها. وأيضاً هذه الأسباب هي من قدر الله جل وعلا فاتخاذ الأسباب لا يعارض ولا ينافي التوكل أبداً بل التوكل قبل وبعد والأخذ بالأسباب هو نوع من أنواع التوكل على الله جل وعلا.

ثم قال تبارك وتعالى (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11))

أمر الله جل وعلا بالصبر على ما يقوله هؤلاء الكفار سواء في التكذيب بالرسالة أو في ما يكيلونه له من التهم حين قالوا ساحر أو كاذب أو شاعر أو كاهن أو نحو ذلك وهم يعلمون بل هم أعلم الناس أن ما يزعمونه ويدّعونه أنه كذب محض فقد كانوا يعرفون محمداً صلى الله عليه وسلم منذ نشأته وولادته وما كانوا يلقبونه إلا يالصادق الأمين، فلما جاءهم فيما خالف به الآباء والأجداد قالوا ما قالوه من البهتان وهذا لا يغير من الحقيقة شيئاً. ولذلك أمره ربه جل وعلا أن يصبر على ما يقولون وهذا شأن الدعاة أتباع الرسل أن يصبروا على ما يستمعونه من أهل الباطل. هنا يتبين أن ما يصنعه بعض الناس من أنه يريد أن يردّ على كل أحد وأن يبين عَوار كل أحد وأن يقف مع كل أحد ناكَف الدعوة إلى الخير أن هذا ليس مطلوباً وإنما هذا يُشغل الدعاة إلى الله جل وعلا ويصدّهم عن الطريق الذي يجب أن يسيروا فيه ويطوّل عليهم المسيرة وربنا جل وعلا قال لنبيه صلى الله عليه وسلم (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (11)). أمره جل وعلا بالهجر الجميل يعني بالإعراض عنهم وترك التقاول معهم وترك الإنتقام، يبين الحق، يجلّيه، يوضحه، عليه البلاغ المبين وأما ما عدا ذلك فلا يلتفت إليه.

ثم قال تبارك وتعالى (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11))

يقول ربنا جل وعلا دعني وهؤلاء المكذبين الذين كذبوا بآياتي، هؤلاء أصحاب النعيم مهّلهم قليلاً مهما طال زمن الترف فإنه زمن قليل (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) الأنبياء) (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) القمر) (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ (35) الأحقاف) مهما كان فهو متاع قليل، لا شيء في ميزان الحياة مهما طالت، ولا شيء أيضاً في ميزان الآخرة ولذلك قال الله (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا)، والله تبارك وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. في هذه الآية الكريمة التأكيد في قوله (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ) أن الإنغماس في الترف والنعيم والتلذذ ليس من صفات أهل الإيمان وأنه أيضاً هو سبب من الأسباب التي تصد عن اتباع الرسل وما جاءت به من الهدى عن الله جل وعلا ولذلك كما جاء في حديث هرقل حين سأل أبا سفيان: من الذي يتّبعه ضعفاء الناس أم كبراؤهم؟ فقال بل الذين يتبعوه ضعفاؤهم، أما الكبراء فإنهم انشغلوا بمتاعهم وترفهم ونعمهم عن ما خلقوا من أجله.

أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود وعضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: ماذا عن حجّية تفسير القرآن بالسُنّة؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. أخذنا في الحلقات السابقة ما يتعلق بتفسير القرآن بالسُنة من جهة أنواعه وأقسامه وذكرنا أمثلة فيما يتعلق بهذه الموضوعات. الآن ننتقل إلى ما يتعلق بحجية تفسير القرآن بالسنة كما سبق أن بيّنا ان تفسير القرآن بالسنة يمكن أن يُقسم إلى قسمين:

التفسير النبوي المباشرويمكن أن يقال أيضاً التفسير النبوي الصريحوهذا حجة بلا خلاف، فإذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم فإن تفسيره لا يجوز أن يُخالَف ويجب أن يُصار إليه، بتفصيل أيضاً سبق أن نبهنا على بعضه وهو أنه إذا كان هناك إمكان لإضافة شيء غير ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فنقول إذا لم يكن يعارضه أو يبطله فإنه فيه مجال لذلك مثل ما ذكرنا في قوله سبحانه وتعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) الأنفال) أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن أن القوة هي الرمي وليس مراده صلى الله عليه وسلم أن يقول إن المراد بالقوة التي تُعد هي الرمي فقط وإنما أشار إلى أعلى القوة التي يكون فيها الغلبة على الكفار. ولهذا إذا لاحظنا في الحروب فإنه من تكون معه قوة الرمي فإنه في الغالب هو الأغلب مثل ما نشاهد الآن في الطائرات التي ترسل الصواريخ وتحمي أيضاً الجنود من أسفل فلولا وجود مثل هذه قد يكون هناك هزيمة للجيش، ولكن لوجودها فإننا نجد أنهم ينتصرون على المقابلين لهم. فعمومًا نقول في مثل هذه الحالة وهي قليلة جدًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله بلا شك هو المعتبر والمقدّم لأن أعلى قوة الرمي لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد أن يخصّ الرمي دون غيره، فصار في مثل هذا المقام مجال لذكر أنواع من القوة تدخل في المعنى العام في قوله سبحانه وتعالى (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ (60) الأنفال).

أما النوع الثاني من التفسير وهو حينما نستفيد من السنة في التفسير وهو يكون التفسير بالسنة غير المباشر ومعنى ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرد التفسير في ما قاله. في مثل هذه الحالة يمكن أن نقول إن حجية هذا النوع مرتبطة أصلاً بالنظر إلى المفسِّر والمفسَّر به. أما المفسِّر فالأصل هنا أنه ليس الرسول صلى الله عليه وسلم وإنما المفسر هو ذلك المجتهد الذي يربط بين الحديث النبوي وبين القرآن. فالمفسر إذن رأى أن هذه الآية يفسرها هذا الحديث ففسّر به. وهذا أنواع فمنه ما يكاد يقع عليه الإتفاق أي أن هذا الحديث يفسر هذه الآية، وهذا إذا وقع عليه الإتفاق فإنه حجة أيضاً لأن الإتفاق أو الإجماع حجّة في ذاته. وأذكر مثالاً على ذلك في قوله سبحانه وتعالى (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ (23) الفجر) فإنه يكاد يقع الإتفاق بين جمهور المفسرين أو بين مفسرين ذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) فتفسير مجيء جهنم في سورة الفجر بما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم هذا واضح جدًا التلازم بينهما وأن معناهما واحد.

النوع الثالث ما يكون الإستدلال بالحديث على بيان معنى الآية فيه خفاءأي إستدلال فيه خفاء وهذا يقع فيه منازعة بين العلماء. ولا شك أن هذا لا يكون حجة مطلقة وإنما يكون الحديث قرينة في الترجيح وليس أصلاً في الترجيح كما يظن بعضهم، وإنما نقول هو قرينة. لماذا نقول بأنه قرينة؟ لأنه ليس عندنا من الله ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم برهان أن قوله هذا صلى الله عليه وسلم هو المراد بالآية وإنما الذي عندنا هو ظنٌّ قد يكون فيه غلبة ظنّ وقد يكون أقل من ذلك أن هذا الحديث هو تفسير هذه الآية، لكن لا يعني هذا أن لا نستفيد من الحديث في تفسير الآية وإنما المراد حينما يقع منازعة أو مخاصمة في معنى آية فإننا لا نقول بأن من معه الحديث يلزم أن يكون قوله هو الصحيح على الإطلاق قد يكون قوله هو الصحيح وقد لا يكون لأنه قد يكون فهم الآية على وجه والحديث ليس كذلك أو الحديث على وجه آخر والآية ليست كذلك فيكون الرابط بين الحديث والآية فيه إشكال. وهذا لا شك أنه يحتاج في الحقيقة إلى تتبع واستقراء حتى يصل فيه المطّلع إلى حد يستطيع معرفة ما الذي يمكن أن يدخل في التفسير ويحتج به من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وما الذي قد يكون فيه خفاء لا يدركه إلا الخواص من العلماء الذين يستطيعون معرفة مرادات النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا يجرنا إلى حديث آخر يتعلق بالآيات التي يفسرها النبي صلى الله عليه وسلم وهي إما أن تكون غيبية أو تكون فقهية فهذه المصير إليها إلى ما فسّر به النبي صلى الله عليه وسلم بلا خلاف، بمعنى أن البيان عن فقه القرآن إذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أو البيان عن شيء من مغيبات القرآن إذا ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن المصير إليه عند العلماء بلا خلاف بينهم أبداً. ومثال ذلك لو سأل طالب في قوله سبحانه وتعالى (بل أحياء عن ربهم) كيف يكون الشهيد الذي مات حياً؟ فلا يمكن لأحد أن يخترع معنى أو أن يذكر معنى إلا ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم في أن أرواح الشهداء في جوف طير خُضر كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم تسرح في الجنة كما تشاء ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش، فهذا إخبار غيبي المصير إليه متحتم ولا يمكن إداركه من جهة اللغة ولا من جهة الإجتهاد. كذلك تفسير وبيان فقهي مثل قوله سبحانه وتعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ (222) البقرة) فإننا لو لم يكن عندنا من تفسير النبي صلى الله عليه سلم برهان لقلنا بأن اعتزال النساء واجب في كل شيء، اعتزالهن في المأكل والمشرب وفي المنام كما كان يفعل اليهود ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال اصنعوا كل شيء إلا النكاح فدل على جواز مؤاكلتهن ومشاربتهن والنوم بجوارهنّ إلا الجماع فإنه لا يجوز، فهذا أيضاً لا يُعلم إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويمكن أن ننتقل بعد الحجية إلى بيان الذين نجد عندهم الآية كبيرة جداً أكثر من غيرهم بالتفسير أو بالحديث النبوي في التفسير. من السلف الحسن البصري وقتادة فإنهما يكثران من قول (بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم) (بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم) (ذُكر لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم) وهكذا، فهو يكثر عندهم. كذلك محمد بن جرير الطبري كذلك ابن أبي حاتم وكذلك البغوي في معالم التنزيل وكذلك ابن كثير في تفسير القرآن العظيم وهو أكثر هؤلاء المذكورين ممن جاؤوا قبله وممن سيجيئون بعده إيرادًا للحديث النبوي المتناسب مع معنى الآية ومنهم كذلك السيوطي في "الدر المنثور" وكذلك الصنعاني في "مفاتح الرضوان". هؤلاء بعض العلماء الذي كان لهم عناية بالحديث النبوي أو بالتفسير النبوي.

 

كذلك من الأشياء التي يمكن أن نستفيد من السنة فيها أن نسأل أنه هل كل استفادة من السنة في التعليق على الآية تكون من التفسير؟ وهذه أيضاً مسألة يجب التنبه لها لأن بعض من يستفيد من السنة يستفيد منها في أمر خارج عن أملا التفسير، بل هي في الأمور التي تأتي بعد التفسير، سواء كان معاني متعلقة بالآية أو كانت من العلوم المتعلقة بالآية. وكذلك وهو أمر ثانٍ أنه قد يكون لبعض الأحكام تفاصيل فهل هذه التفاصيل تدخل ونأخذها من التفسير النبوي مثل ما قال الرسول صلى الله عليه وسلم (خذوا عني مناسككم) أو قوله (صلّوا كما رأيتموني أصلي) هل يصح أن نفسر قوله (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ) بقوله (صلّوا كما رأيتموني أصلي) ثم نذكر جميع مسائل الصلاة؟ لا شك أن هذا ليس بمراد وليس هذا هو أسلوب التفسير، بل هو من باب الفقه. ولهذا نقول يُنتبه إلى هذا الأمر في قضية التفاصيل التي تكون في الحكم الواحد من الأحكام أو التفاصيل التي تأتي بعد بيان المعنى فإنها خارجة عن حدّ الذي نتكلم عن، والله الموفق.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل