برنامج تبيان - سورة المزمل - 1

سورة المزمل -1

تفريغ صفحة إسلاميات حصريًا

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّعأستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: سنبدأ في توضيح معاني سورة المزمل وكما هو متعارف عليه بأن توضحوا لنا شيئاً من التعريف بالسورة ومنزلتها وموضوعها إذا كرمتم.

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد. فسورة المزمل هي إحدى سور الجزء التاسع والعشرين وهي سورة مكية كما يظهر من موضوعها، وعدد آي هذه السورة الكريمة عشرون آية.

سبب نزول السورة: وقد كان مناسبة نزول هذه السورة ما جاء في ابتداء الرسالة حين أكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم برسالته وابتدأه بنزول الوحي الذي أنزل به جبريل عليه السلام فرأى النبي صلى الله عليه وسلم أمراً لم يرى مثله فاعتراه من الخوف والهلع شيء شديد فأتى أهله فقال: زملوني زملوني، من شدة الخوف فأنزل الله جلّ وعلا عليه (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)). قد ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن، ومما هو معروف أن أول سورة نزلت من القرآن على الراجح من أقوال أهل العلم أنها سورة اقرأ أو بالأصح الخمس آيات الأول من سورة اقرأ وأما سورة المزمل فنزلت بعد ذلك.

موضوع السورة: موضوع هذه السورة كسائر موضوعات السور المكية:

·         تثبيت أصول الإيمان.

·         طاعة الله جل وعلا.

·         مخالفة المشركين ومناهضتهم في ما يزعمونه من الشرك بالله جل وعلا والتكذيب بالرسالة.

يمكن في الحقيقة أن نعطي هذه السورة عنواناً رئيسياً - إن صحت العبارة - وهو يتعلق بزاد الداعية أو ما يحتاج إليه الداعية إلى الله جل وعلا في دعوته، وأعظم الدعاة هو محمد صلى الله عليه وسلم. قد كانت هذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن كما هو معروف فكان صلى الله عليه وسلم محتاجاً أن يُبيّن له الأمور التي يجب أن يعضّ عليها ويلزمها حتى يستعين بها على هذه الدعوة وعلى هذه المهمة الشاقة البالغة.

من الأمور التي أرشد الله جل وعلا نبيه محمد صلى الله عليه وسلم إلى الأخذ بها في هذه السورة:

1.      أولها قيام الليلحيث قال الله (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2)) ولا شك أن قيام الليل زاد عظيم هائل يحتاجه كل مسلم ولكن الداعية إلى الله جل وعلا وعلى رأسهم الرسل هم أحوج الناس إلى قيام الليل. ولذا جاء عن كثير من أهل العلم أن قيام الله كان في حقّه صلى الله عليه وسلم واجباً، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أن قيام الليل كان واجباً على الأمة أول الأمر ثم نُسِخ بعد ذلك في آخر هذه السورة حين قال الله (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ (20)) إلى آخر الآية.

2.      من الزاد الإيماني الذي جاءت به هذه السورة قراءة القرآن بالتدبر والتأمل والترتيل كما قال الله جل وعلا (وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4)) وأعظم ما يكون قراءة القرآن حين يكون في هدأة الليل ولذلك قال الله جل وعلا (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)).

3.      من الزاد الذي جاءت به هذه السورة الكريمة إدامة ذكر الله جل وعلا كما قال سبحانه (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8)) ولا شك أن الذكر - وأعظمه وأجلّه قراءة القرآن - زاد هائل يربط على القلب ويوثق صلته بالله جل وعلا.

4.      من الزاد الذي جاءت به السورة أيضاً التوكل على الله جل وعلا كما قال سبحانه (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)) ولاحظ في هذه الآية الكريمة أولاً: قال (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) ثم قال (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) ثم قال (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) فكأن ما جاء في وصفه جل وعلا أنه رب المشرق والمغرب ثم كلمة التوحيد (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) كل هذا كالتعليل لوجوب إفراده بالتوكل. فإفراده بالتوكل مبنيٌ على هذه فمن كان رباً للمشرق والمغرب جل وعلا وهو الذي لا إله غيره ولا رب سواه يجب أن يُفرد بالتوكل. والمؤمن والداعية على وجه الخصوص محتاج إلى أن يمحض القلب لله جل وعلا فلا يتوكل على سواه ولا يرجو إلا إياه ولا يتجه بقلبه قبل بدنه وسمعه وبصره إلا له جل وعلا وكلما كان القلب متفرغاً من كل أحد إلا من الله جل وعلا كلما كان أقوى بإذن الله جل وعلا.

5.      وأيضاً من الزاد الذي جاءت به السورة الأمر بالصبر كما قال الله جل وعلا (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ (10)) فإذا كان كل أحد في هذه الدنيا محتاج إلى الصبر فالمؤمن نصيبه منه أوفى وأتم، والدعاة إلى الله جل وعلا وعلى رأسهم الأنبياء والرسل عليهم السلام أحوج ما يكونون إلى هذا التوجيه الرباني العظيم (الصبر)، وما استقامت حياة الناس كلها إلا بالصبر ولكن المؤمن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له. ومن هنا ندرك عظمة هذا القرآن حين تكرر الأمر بالصبر والثناء على أهله في القرآن في عشرات المواضع وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدل على أهميته ولذلك قال أهل العلم: الدين نصف صبر ونصف شكر.

6.      من الزاد الذي يحتاجه الدعاة والذي جاءت به هذه السورة الكريمة الموقف من المشركين ومعرفة حقيقة الشرك وأهلهكما قال سبحانه (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)) وقال سبحانه وتعالى (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11)) فيجب ألا يغترّ المؤمن والدعاة إلى الله بما عليه أهل الباطل وأهل الشرك سواء من متاع الحياة الدنيا وزينتها أو من الإستقواء بالباطل وأهله وجنوده فإن هذا لا شيء أمام قوة الله جل وعلا وقدرته.

هذه إشارات تدل -والله أعلم- على أن الموضوع الرئيس لهذه السورة الكريمة هو الزاد الذي يحتاجه الدعاة إلى الله جل وعلا ومما يؤكد هذا المعنى وهو ما قلته أن هذه السورة كانت من أوائل ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الباري جلّ وعلا (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4))

(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) أصلها يا أيها المتزمل والمعنى: المتغطي والملتفّ بثيابه. (قم) والمراد قُم للصلاة والتهجد من الليل (قُمِ اللَّيْلَ) ثم استثنى فقال (إِلَّا قَلِيلًا) وبيّن هذا المراد من القيام من الليل إما نصفه أو انقص من هذا النصف قليلا أو زد عليه فأياً ما فعلت كذا أو كذا فهذا ما أمرك الله جل وعلا به، وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل فقد كان غالب قيامه من الليل أنه كان ينام نصف الليل ثم يقوم ثلثه ثم ينام سدسه. ولا شك أن الصلاة هي صلة بين العبد وربه ولكن صلاة الليل لها مزيّة ليست لغيرها من الصلوات ولذلك كان أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل. ومما يبين أهميتها وفضلها ما جاء في هذه السورة من قوله جل وعلا (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6)) أي أن العبادة في أوقات الليل، في أحيانه، في أجزائه، هي أشد وطئاً يتواطأ القلب واللسان على القراءة والصلاة فيها ويكون القول فيها أقوم وأصوب وأهيأ وهذا أمر مشاهَد. والإنسان لا شك أنه كما قال أهل العلم وكما قال العُبّاد يجد نفسه ويجد قلبه في صلاة الليل ما لا يجده في غيره من الأوقات.

وقال الله تبارك وتعالى (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا (4)) أمره ربه جل وعلا أن يرتل القرآن أن يقرأه بتأمل وتدبر وتمعن وأن يقرأه قراءة الترتيل لا قراءة الهذّ والقراءة التي فيها سرعة ولذلك لما سُئلت عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بيّنت أنه كان يقرأ السورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها، وأنس رضي الله عنه كما في البخاري أيضاً لما سئل عن قراءة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كانت قراءته مداً، ثم بيّن هذه القراءة كيف تكون.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: وقف بنا الكلام في الحلقة الماضية على بيان النبي صلى الله عليه وسلم للمُشكل وهو نوع من أنواع التفسير النبوي، ماذا عن هذا النوع؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الكريم وعلى آله وصحبه والتابعين. إيضاح المُشكل من أمثلته ما ورد عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمتُ نجران سألوني– أي نصارى نجران – فقالوا إنكم تقرأون (يا أخت هارون) وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال فلما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم، رواه الإمام مسلم. فهذا يشير بأن هارون الذي نُسبت إليه مريم هو أخ لها وأنه قد سمي على النبي الكريم هارون أخي موسى.

هذه الأنواع الثلاثة طبعاً هناك أنواع أخرى لكن اقتصرنا على هذه الأنواع الثلاثة: وهي تخصيص العام وبيان المجمل وإيضاح المشكل في التفسير النبوي المباشر. ويمكن للباحث ان يستنبط أنواعاً أخرى في ما يتعلق بالتفسير النبوي.

أما النوع الثاني وهو التفسير غير المباشر وهو استفادة المفسر من السنةفهناك صور كثيرة جداً ومتعددة من الإستفادة من السنة النبوية فمن ذلك أن يذكر النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً مطابقاً لمعنى الآية بحيث لا تكاد تجد المفسر إلا ويشير إلى هذا الحديث لوضوح التطابق بين الحديث والآية. لكن الرسول صلى الله عليه وسلم حينما قال هذا الكلام لم يشر إلى الآية في مثل قوله سبحانه وتعالى (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ (23) الفجر) أو كذلك يمكن أن تكون تفسيرًا لقوله (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (19) الشعراء) فقد ورد في صحيح مسلم عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يؤتى بجهنم لها سبعون ألف زمام لكل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. وسنلاحظ التوافق بين قوله سبحانه وتعالى (جيء) وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم (يؤتى بجهنم) نجد بينهما توافق. فهذا النوع من الأحاديث يكاد يكون من التفسير النبوي لشدة هذا التطابق بينهما.

من الصور أيضاً أن يذكر حديثاً وردت فيه اللفظة القرآنية. يعني يذكر المفسر حديثاً وردت فيه اللفظة القرآنية ليدل على أن معنى اللفظة في القرآن هو معنى اللفظة في الحديث. ومثل ذلك ما أورده ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله سبحانه وتعالى (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) المعارج) والعِزون هم الجماعات المتفرقة وأورد ابن كثير تحت هذه الآية حديث جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم حلق – أي كل مجموعة في حلقة – فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: مالي أراكم عزين؟ ففُهم من كلام جابر الذي أورده عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالعزين هي الحِلَق المتفرقة. فإذاً يخبر الله تعالى هنا عن الكفار أنهم عن اليمين وعن الشمال يعني عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن شماله عزين أي حِلَق.

أيضاً من الصور أن يعتمد المفسر على السنة النبوية في ترجيح أحد المعاني عند الإختلاف ومثال ذلك في قوله سبحانه وتعالى (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) عبس) فقد وقع خلاف في المراد بالسفرة فقيل هم الملائكة الذين يكتبون الوحي وقيل هم الملائكة الذين يسفرون بين الله وبين خلقه أي الرسل، يعني رسل الله من الملائكة إلى رسله من البشر، وقيل إن المراد بالسفرة القرّاء من الصحابة أو الكتبة أيضاً. فإذاً دار الخلاف بين أن بكون المراد بالسفرة القرّاء أو أن يكون السفرة الملائكة يقول ابن العربي المالكي: لقد كان أصحاب محمد سفرة كراماً بررة ولكن ليسوا المرادين بهذه الآية ولا قاربوا المرادين بها بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق (ويقصد بذلك لفظة بررة) ولا يشاركهم فيها سواهم ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم، روي في الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظٌ له مع السفرة الكرام البررة ومثل الذي يقرأه وهو يتعاهده (وفي رواية: وهو يتعتع فيه وهو عليه شديد) فله أجران. فإذن المقصود بالسفرة الكرام البررة في الحديث هم الملائكة، فإذاً توافق اللفظ المراد في القرآن مع اللفظ المراد في الحديث (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)) وفي الحديث "السفرة الكرام البررة" فاعتمد ابن العربي على هذا الحديث لتقوية أن المراد بهم في هذه الآية هم الملائكة وليسوا قرّاء الصحابة.

ومنه كذلك قوله سبحانه وتعالى (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) البقرة) قال الطبري وهو يتكلم عن الترجيح بين أقوال المفسرين: وقد دللنا على أن تأويل الرجز العذاب وعذاب الله جل ثناؤه أصنافه مختلفة وقد أخبر الله جل ثناؤه أنه أنزل على الذين وصفنا أمرهم الرجز من السماء وجائز أن يكون ذلك طاعوناً وجائز أن يكون غيره ولا دلالة في ظاهر القرآن ولا في أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت أيّ أصناف ذلك كان، فالصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال تعالى (فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) البقرة) غير أنه يغلب على النفس صحة ما قاله ابن زيد للخبر الذي ذكرته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إخباره أنه رجز وأنه عُذّب به قوم قبلنا وإن كنت لا أقول إن ذلك كذلك يقيناً لأن الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا بين فيه أي أمة عُذّبت بذلك وقد يجوز أن يكون الذين عذّبوا به كانوا غير الذين وصف الله صفتهم في قوله (فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ (59) البقرة)، فهذا الكلام الدقيق للإمام الطبري يبين أنه يمكن أن يستفاد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في التفسير لكن من دون جزم لاحتمال أن يكون ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم هو المراد بالآية واحتمال أن يكون غيره.

أيضاً من صور الإستفادة أن يفسر الآية بتأوّل النبي صلى الله عليه وسلم لها. ومن أمثلة ذلك ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم في تفسير قوله سبحانه وتعالى (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) النصر) فعائشة رضي الله عنها تقول في ما رواه الإمام البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكثر في ركوعه وسجوده: سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي"، يتأوّل القرآن. ومعنى يتأوّل أي يطبق أحكام القرآن تطبيقاً عملياً. فتطبيق الأوامر يكون بالفعل وتطبيق النواهي يكون بالترك وقد أمره الله سبحانه وتعالى قال (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ (3) النصر) فطبّق الرسول صلى الله عليه وسلم هذا عملياً فكان يكثر أن يقول سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي موافقاً للأمر الذي جاءه في القرآن فهذا من التأوّل. والتأول هو المراد بنزول القرآن بمعنى أن العبد المسلم عليه ان ينظر في هذا الأمر ويستقر في ذهنه أن المراد من القرآن هو تأوّله وتطبيقه. من أمثلة التأوّل أيضاً ما ورد في تفسير قوله سبحانه وتعالى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ (158) البقرة) فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: أبدأ بما بدأ الله به فإن الله سبحانه وتعالى بدأ بالصفا قال (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) فطبّق هذا الأمر أو هذا الخبر وسعى من الصفا إلى المروة.

فهذه بعض أمثلة أو بعض الصور من صور الإستفادة من التفسير الوارد عن النبي ولعلنا نختمها بصورة أخيرة وهو أن يكون في الآية إشارة إلى موضوع بينه النبي صلى الله عليه وسلم في كلامه فيريده المفسر. من ذلك قوله تعالى (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19) العلق) فقوله سبحانه وتعالى (واقترب) هذا كأن فيه إشارة إلى أن السجود له علاقة بالقرب من الله سبحانه وتعالى وقد أورد ذلك ابن كثير وقال: كما ثبت في الصحيح عند مسلم من طريق عبد الله بن وهب الذي ذكر السند إلى أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد. فكأن فيه نوع من الإشارة إلى هذا المعنى الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم.

 

هذه أيضاً بعض الصور ويمكن أيضاً للمستقرئ أن يخرج صوراً كثيرة من ما يتعلق به التفسير النبوي سواء كان مباشراً أو غير مباشر.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل