برنامج تبيان - سورة النبأ - 4

سورة النبأ - 4

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في سورة النبأ وقفنا إلى قول الباري جل وعلا (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31)).

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. جرى الحديث في الحلقة الماضية عن تفسير سورة النبأ وتناولنا بالحديث في الجزء الأول منها وذكرنا أن الله جل وعلا بين ما أعد للكفار والمشركين الذين تنكبوا الصراط وأعرضوا حيث قال جل وعلا ((إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25)) إلى آخر الآيات. ثم جاء الحديث بعد ذلك عن ما أعد الله جل وعلا لعباده المؤمنين المتقين فقال سبحانه (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32)) الآيات، وهذا كما قلنا مراراً كما هي عادة القرآن أن يذكر الشيء وضده، إذا ذكر الأبرار ذكر الفجار وإذا ذكر الدنيا ذكر الآخرة وإذا ذكر الإيمان ذكر الكفر وهكذا.

يقول ربنا جل وعلا (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا) المتقون جمع متقي وهذه الكلمة "التقوى" هي في الحقيقة من أكثر الأوصاف الحسنة التي ترددت في القرآن الكريم بعد وصف الإيمان. وقد ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم عدداً غير قليل من الآيات فيها وصف هؤلاء المتقين وفيها بيان ما أعد الله جل وعلا لهم وهو كما قلت أعود مرة أخرى أقول هو من أكثر الأوصاف الحسنة التي ترددت بعد وصف الإيمان في كتاب الله جل وعلا. والتقوى تنوّعت عبارات السلف والعلماء في بيان معناها وحدّها. وقد قال بعض أهل العلم: التقوى أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وقال بعض أهل العلم: التقوى ألا يجدك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك، نهاك أن توجد في أماكن الخنا، الرذيلة، الغيبة، المعاصي فلا يجدك في هذه الأماكن وأمرك أن توجد في المساجد حيث ينادى للصلوات، أن توجد في أماكن طاعته وأحوال الطاعات فلا يفقدك في مثل هذه المواطن. وقد جاء عن علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه في بيان معنى التقوى قال: هي العمل بالتنزيل والخوف من الجليل والرضا بالقليل والإستعداد ليوم الرحيل. وسأل عمر رضي الله تعالى عنه وارضاه أبيّ ابن كعب عن التقوى فقال: يا أمير المؤمنين أسلكت طريقاً ذا شوك؟ قال نعم، قال فما تصنع؟ قال أشمّر وأجتهد قال فكذلك التقوى. أشمر ثوبي وأجتهد ألا تقع قدمي على شيء من الشوك، كذلك التقوى. التقوى هي حساسية في نفس وضمير المؤمن يتحسس مواقع خطوه وبصره وسمعه ولسانه ومطعمه ومشربه ألا يقع في شيء من الحرام، يتحرّز منها وينتقل من مرحلة الحرام إلى مرحلة حتى المشتبهات دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، قد أخذ هذا المعنى الشاعر فقال:

خلّ الذنــــوب صغيرها وكبيرهــــــــــا ذاك التقـــــــــــــــــى

واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرنّ صغيــــــرة إن الجبــــــــــــــــــــــال من الحصــــى

وكما قلت قد تردد هذا الوصف في كتاب الله جل وعلا ثناءً على أهله وبياناً لصفاتهم وبياناً لما أعدّ الله جل وعلا لهم في هذه الدنيا وما أعده لهم من النعيم المقيم في الآخرة. أعظم ما ذكره الله جل وعلا لهؤلاء المتقين أنهم هم أهل الجنة، قد جاء هذا في القرآن الكريم في غيرما موضع، في مواضع كثيرة يقول ربنا جل وعلا (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) الحجر) (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) الطور) (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) القمر) وهكذا في عشرات الآيات ولو لم يكن من ثمار التقوى إلا هذا الأمر لكفى به! التقوى هي وصية الله جل وعلا لعباده (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ (131) النساء) وهي الكلمة التي دعا إليها رسل الله عليهم السلام عباد الله. قد ذكر الله جل وعلا في سورة الشعراء على ألسنة رسله كل واحد من الأنبياء الذين ذكرهم الله موسى ونوح وإبراهيم وهود وصالح وغيرهم كل واحد منهم يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108) الشعراء). قد بين الله جل وعلا حين أمر عباده بالزاد ثم ذكر (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197) البقرة). وذكر سبحانه وتعالى أن الناس يتزينون ويلبسون وأمرهم باللباس ومع ذلك قال لهم (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) الأعراف) نعم، كم من إنسان يكتسي بأحسن الثياب وأحسن الحلل ولكنه عارٍ من لباس التقوى! والمرء إذا تزيّ بزي التقوى الحقيقي غير المصطنع فإنه لا شك كما قال ربنا جل وعلا (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ (26) الأعراف).

·         ومن أعظم ثمار التقوى التي ذكرها الله جل وعلا في كتابه أن العاقبة للمتقين. قال في آية سبحانه وتعالى (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) هود) وقال سبحانه في آية أخرى (لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) طه) ولاحظوا معي في آية ذكر أن العاقبة للمتقين لهؤلاء الموصوفين وفي الآية الأخرى ذكر أن العاقبة للوصف الذي هو التقوى، ولا شك أن كل موضع يضيف ما لا يضيفه الموضع الآخر. والعاقبة هنا بمفهومها الشامل العاقبة الدنيوية والعاقبة الأخروية، من وقع عليه شيء من الحيف، من الظلم، من التسلط، من التهميش، من ابتلي في ذات الله إلى آخره فإن العاقبة له (إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) يوسف) بهذا الشرط. بعض الناس إذا وقع عليه شيء من الحيف أو الظلم ذهب ليقتصّ بأعظم مما وقع عليه، أحياناً يقتص بلسانه أحياناً يتمادى أحياناً يغتاب أحياناً يتهم وهكذا، ولكن بهذا الشرط: من التزم التقوى والتزم الصبر فإن الله تبارك وتعالى لا يضيع أجره والعاقبة لا بد ستكون للمتقين.

·         ومن فضائل التقوى وثمارها العظيمة أن الله تبارك وتعالى إنما يتقبل من المتقين كما أخبر سبحانه وتعالى في سورة المائدة (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) المائدة) فمن اتقى الله تعالى في ذلك العمل الذي قام به قام به على أحسن الوجوه التي يرضى الله عنها فإن الله تبارك وتعالى يتقبل منه من اتقى الله تعالى في صلاته، في صدقته، في بره، في صومه، في حجه، في عمرته فإن الله جل وعلا يتقبل منه.

·         من أعظم ثمار التقوى أن الله تبارك وتعالى مع المتقين كما قال الله سبانه وتعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) البقرة) ومن كان الله جل وعلا معه فإنه لا يضره بعد ذلك من خذله من المخلوقين. وهذه المعية هي المعية الخاصة فإننا كما نعلم أن معية الله جل وعلا لخلقه على نوعين:

1.      النوع الأول المعية العامة كما قال سبحانه وتعالى (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ (4) الحديد) هو مع كل عباده بعلمه واحاطته واطلاعه وقدرته لا يفوته جل وعلا شيء منهم.

2.      أما النوع الثاني المعية الخاصة فهي معيته لأوليائه، لعباده المتقين التي مع العلم فهي تتضمن النصر والتأييد والحفظ والكلاءة وللإنسان نصيب من معية الله بحسب نصيبه من هذه الأوصاف، فلك نصيب من معية الله بقدر نصيبك من التقوى فمستقلٌ ومستكثر. وأعظم المعية معية الله جل وعلا لرسله الكرام كما قال الله تبارك وتعالى لموسى وهارون (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) طه) قال نبينا صلى الله عليه وسلم "ما ظنك باثنين الله ثالثهما" وقال الله جل وعلا في كتابه الكريم عن هذه القصة (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (40) التوبة) هذه أعلى درجات المعية! لك يا عبد الله نصيب من معية الله التي تتضمن الحفظ والرعاية والهداية إلى الصراط المستقيم، الهداية لما اختلف الناس فيه من الحق في قضايا الفروع والأصول وغير ذلك، لك نصيب بقدر نصيبك من التقوى ومن متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

·         ومن ثمار التقوى أيضاً حصول محبة الله جل وعلا للعبد (فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7) التوبة) وهذه والله نعمة عظيمة جداً الآن الإنسان الضعيف يفرح أن يكون يحبه الخلق، أما إذا أحبه المعظَّم من الخلق، الكبير والأمير والمدير والوزير فإنه يتباهى بذلك ويسرّ ويطير فرحاً فكيف إذا كان رب العالمين يا عبد الله يحبك؟!! ألا يستدعي هذا منا أن نسعى في تحصيل الأسباب التي تستجلب محبة الله؟ لا شك أن هذا من أولى الأولويات وأهم المهمات ومن ذلك تحصيل التقوى.

إذاً أعود مرة أخرى وأقول: التقوى لمن أراد تحصيلها أن يتوقى الإنسان عن معصية الله ويبتعد عن ما يُسخطه، أن يحرص في أعماله وأفعاله وحركاته وألفاظه بل وسكونه وسكتاته على توخي مرضاة الله جل وعلا، ألا توجد في الحال أو المكان أو الزمان الذي يُغضب الله جل وعلا ولا يفتقدك في الحال أو الزمان الذي أمرك أن تكون موجوداً فيه.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار

أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: في الحلقة الماضية عرفنا مختارات استفادة المفسر من الإسرائيليات، فما المذاهب في حجية تفسير القرآن بالإسرائيليات؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. هذا الموضوع الذي يعتبر من المشكلات في التفسير كما قلت سابقاً المرجع فيه هو عمل الصحابة والتابعين وأتباعهم وكيف نجد موقفهم من هذه الإسرائيليات من خلال المروي عنهم. وإذا رجعنا إلى المذاهب في هذا الموضوع ومذاهب الحجية فسنجد أننا أمام مذهبين:

·         المذهب الأول: من حدّث بها واستفاد منها في التفسير وهذا المذهب عليه جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين وأتباعهم. بمعنى أننا إذا رجعنا إلى المروي عن مفسري الصحابة والتابعين وأتباعهم سنجد أن جمهورهم أو أكثرهم لم يكن عندهم مشكلة في التعامل مع هذه الإسرائيليات وروايتها. ويمكن الإستدلال لهم بمجموعة من الأدلة: فمن القرآن نجد أن القرآن جعل أصلاً لهذا الموضوع وهو الرجوع إلى بني إسرائيل ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آَتَيْنَاهُمْ مِنْ آَيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211) البقرة) والذي يسأله الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المؤيَّد بالوحي ومع ذلك الله سبحانه وتعالى يقول له هذا، ولو كان الرجوع إلى بني إسرائيل لا يجوز لما كان هناك معنى لأن يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه بالرجوع إليهم في هذا الموضوع. كذلك قوله سبحانه وتعالى (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ (94) يونس) وهذا المراد به اليهود والنصارى. وكذلك قوله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) الإسراء) فهذه الآيات كلها فيها توجيه للنبي صلى الله عليه وسلم في أن يسأل بني إسرائيل عن بعض الأخبار وهو الصادق المصدوق وهو الذي يأتيه الوحي. وكذلك في قوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) النحل) وأهل الذكر هنا هم أهل الكتاب وكما يقول المفسرون بأن هذا خطاب للمشركين في أن يسألوا أهل الكتاب ليتحققوا من خبر محمد صلى الله عليه وسلم. والسنّة النبوية أيضاً ورد فيها ما يشير إلى هذا الأمر وهو جواز الرواية عن بني إسرائيل، فقد روى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) فقوله (وحّدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) بمعنى لا ضيق عليكم، فقد رفع النبي صلى الله عليه وسلم الحرج وكأن فيه إشارة إلى أنه كان فيه نهي أن يحدثوا عن بني إسرائيل أو أن يسمعوا منهم فلما استوثق صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم واطمأن من أصحابه رفع هذا الحرج عنهم وقال (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج). وأيضاً ما رواه الإمام أحمد عن أبي أيوب الأنصاري قال (بينما هو جالس عن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا جاء رجل من اليهود فقال يا محمد هل تتكلم هذه الجنازة؟ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: الله أعلم، فقال اليهودي أنا أشهد أنها تتكلم، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إذا حدّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وكتبه ورسله فإن كان حقاً لم تكذبوهم وإن كان باطلاً لم تصدقوهم). وهذا الحديث يعطي المنهج الحقّ في التعامل مع ما لا يمكن تصديقه أو تكذيبه وهو التوقف، بمعنى أنه لا نصدق إلا ببرهان ولا نكذب إلا ببرهان. ولو كان مجرد الرواية عنهم غير جائزة والسماع منهم لبين لنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذلك، هذا هو المذهب الأول.

·         المذهب الثاني فهو مذهب النهي في الرواية عن بني إسرائيل وقد ورد عند الإمام أحمد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا فإنكم إما أن تصدقوا الباطل أو تكذبوا بحق فإنه لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حلّ له إلا أن يتبعني). وأيضاً مما ورد عن بعض الصحابة قول ابن مسعود (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد أضلوا أنفسهم فتكذبون بحق أو تصدقون بباطل وإنه ليس لأحد من أهل الكتاب إلا في قلبه تالية تدعوه إلى الله وكتابه). وأيضاً ما رواه البخاري عن ابن عباس قال: (يا معشر المسلمين كيف تسألون أهل الكتاب وكتاب الله الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث تقرأونه محضا لم يشب وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم). كذلك ما رواه ابن سعد في الطبقات عن أبي بكر ابن عياش قال قلت للأعمش ما تقولون في تفسير مجاهد ويقصد به أهل الكوفة قال كانوا يرونه يسأل أهل الكتاب. وإذا رأينا الأحاديث التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك الآثار التي وردت عن الصحابة فإننا سنجد أن فيها إشارة إلى قضية الإهتداء ولا شك أن الإهتداء لا يكون إلا بكتاب الله سبحانه وتعالى.

وفي تحليل محل النزاع في هذه القضية يجب أن نفرق بين أمرين:

1.      الأمر الأول: التحديث عن بني إسرائيل وهذا جائز بدون حرج لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج). ومن ثم لا يصح التغليظ على المفسرين الذين يروون هذه الإسرائيليات في كتبهم لأن هذا من باب التحديث وسواء رووها وهم يفسرون كتاب الله أو رووها وهم يفسرون حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو رووها في كتاب تاريخي أو غيره فالأمر سيان لأنه لم يرد نهي من صاحب الشريعة بل أطلق الأمر وقال: وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.

2.      الثاني وهوالإستفادة منهم في بيان معنى الآية أو شيء من مستتبعاته وهذا الذي وقع فيه الإشكال وهو محل النزاع خصوصاً إذا ورد في الرواية ما يستنكر. ولهذا قسم ابن تيمية الإسرائيليات إلى ثلاثة أقسام: ما علمنا صحته وما علمنا كذبه وما هو مسكوت عنه. والمسكوت عنه هو الذي يدخل فيه النزاع، والقسم الثاني أحيانًا قد يقع النزاع في المثال وليس في الأصل لأن المكذوب لا شك أنه لا يُقبل لكن قد يقع النزاع هل هو من المكذوب أو ليس مكذوب فهذه تقع النزاع في المثال فقط وليس في أصل القضية في أن المكذوب لا تجوز روايته.

الراجح والله أعلم هو جواز الإستشهاد بالإسرائيليات وذلك لأمور:

·         الآيات التي ذكرناها في صراحتها بالطلب سؤال بني إسرائيل وأن المشرِّع صلى الله عليه وسلم قد بين أو أجاز التحديث عن بني إسرائيل ومعلوم أن ذلك مما يدخله استتباع أن الرواية تكون منتشرة بين الذين يسمعونها، ولو كان كل ما يروى عن بني إسرائيل سيكون فيه مشكلة لحذّر منه الشارع فلما أباح دلّ على اطمئنانه على كمال هذه الشريعة وأن المسلمين لن يتأثروا بهذا التراث الموجود عن بني إسرائيل.

·         الحديث الوارد عن النهي وكذلك الآثار التي ذكرناها إنما هي في طلب الإهتداء فالمنهي عنه هو طلب الإهتداء لأنه لا يجوز الإهتداء وقد كمل الدين أما الذي أبيح فهو في الأخبار والأخبار أمرها هيّن.

 

·         أن جمهور المفسرين والتابعين وأتباعهم قد رجعوا إليها واستفادوا منها ولم يروا في ذلك غضاضة ولم تقع عندهم مشكلة في هذا ولهذا نجد أن كتب مرويات بني إسرائيل قد استمرت في الكتب ولم يكن عند العلماء مشكلة في هذا الموضوع. فلذا يقال بأن الأصل جواز الرجوع إلى مرويات بني إسرائيل بناءً على هذه الأدلة التي ذكرناها وخصوصاً أن جمهور المفسرين والصحابة والتابعين وأتباعهم قد رجعوا إليها ولم يجدوا في ذلك أيّ غضاضة أو أيّ إشكال وإنما وقع الإشكال عند بعض المتأخرين وبعض المعاصرين.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل