برنامج تبيان - سورة النبأ - 3

سورة النبأ - 3

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في الحلقة الماضية وقفنا عند قوله تعالى (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) ماذا عن هداية هذه الآية؟

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بعد أن ذكر ربنا جل وعلا في الآيات السابقة مشاهد خلقه التي يستدل بها الخلق على وجوب إفراده بالعبادة وهي أيضاً من مشاهد الإمتنان التي يمتنّ الله جل وعلا بها على عباده في قوله سبحانه (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8)) إلى آخره. هنا ابتدأ الحديث عن أهل النار -نعوذ بالله من أهل النار- ولكن صُدِّر الحديث بالحديث عن يوم القيامة فقال سبحانه ((إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17)) ويوم الفصل هو يوم القيامة سمي يوم الفصل لأنه يُفصل فيه بين الخلائق، يُفصل فيه بين أهل الحق وأهل الباطل. (كَانَ مِيقَاتًا) أي موقتاً، له وقت محدد لا يتقدم ولا يتأخر. في تسمية هذا اليوم بيوم الفصل هذا عزاء للمؤمن ما يصيبه من الشدة، من اللأواء، من البأساء، من الضراء ما يصيبه أحياناً حتى من الظلم فإنه إذا تذكر أن ثمة يوماً للفصل يفصل الله تعالى فيه بين الخلائق وأن هذه الدنيا ليست نهاية المطاف هان عليه ما يلقى في هذه الدنيا بل حتى هان عليه ما يلقى في طاعة الله جل وعلا وفي مرضاته وفي دعوة الخلق إلى دينه، هذه الدنيا ليست نهاية المطاف حتى يحزن ويبتئس عليها الإنسان.

ثم بين جل وعلا هذا اليوم فقال (يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (20)) يوم الفصل هو يوم ينفخ في الصور، يوم ينفخ الملك الموكل بالنفخ في الصور، في القرن عند ذلك يأتي الناس أفواجاً جماعات لأن هذه النفخة النفخة الأولى نفخة الصعق ثم النفخة الثانية نفخة البعث والنشور فيُبعث الناس ويُجمعون ويأتون أفواجاً كما ذكر ربنا جل وعلا. في هذا اليوم الشديد العظيم تفتّح السماء فكانت أبواباً فقد ذكر الله جل وعلا في غير آية وخصوصًا في جزء عم كيف أن السماء تفطر وتنشق وتفتح فتكون أبواباً فينزل منها ما شاء الله تعالى أن ينزل من الملائكة الكرام وغيرهم من أمر الله جل وعلا. وأما الجبال فإنها تسيّر فتكن سراباً وتكون كالهباء وتكون كالعهن المنفوش كما قال جل وعلا في آية أخرى. كل ما في هذا الكون يتغير في ذلك اليوم، النجوم تتناثر وتُطمس، السماء تفتح، البحار تسجّر، الجبال تكون كالعهن المنفوش كأنها سراب الناس يحشرون على أرض بيضاء نقية لا يعصى الله سبحانه وتعالى فيها، كل ما يعرفه الناس في هذه الدنيا فإنه يتغير مع يوم القيامة.

(إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا(25))

قال الله جل وعلا بعد ذلك (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا(21)) أي أنها أعدت لترصد أهلها الذين هم أهلها -نعوذ بالله- الكفار الذين سيدعون إلى نار جهنم دعاً وقد بيّن الله جل وعلا لمن هذه النار مرصاداً فقال (لِلطَّاغِينَ مَآَبًا (22)) أي أنها مكانهم يؤبون إليه أي يرجعون إليه.

والطاغين جمع طاغٍ وهو كل من تجاوز الحد، الطغيان هو تجاوز الحد والطغاة هم الذين تجاوزوا الحد في الكفر والفجور والعناد، النار إنما أُعدت لهؤلاء كما قال الله جل وعلا كانت مرصاداً للطاغين كما أن الجنة للمتقين فالنار وجهنم نعوذ بالله من حالها هي للطاغين مآباً. ثم بيّن حتى لا يظن ظان أنهم ربما يدخلون ثم يخرجون منها أو يلبثون فترة أو برهة فقال (لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا(23)) أي أنهم لابثين فيها دهوراً متعاقبة لا تنقطع -نعوذ بالله- وذلك كما قال الله جل وعلا في آيات أخرى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا). أهل الإيمان، أهل الإسلام حتى ولو دخلها أهل الكبائر منهم ممن قضى الله تعالى عليهم أن يُطهّروا فإنهم يدخلون فيها فترة ثم يخرجون ولكن الكفار والمشركين الذين لم يؤمنوا بالله وكفروا به فإنهم خالدين فيها أبداً لابثين فيها أحقاباً. وهم مع ذلك (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24)) ليس لهم في هذه النار ما يبرّد جلودهم وليس لهم فيها شراباً إلا ما كان من الحميم والغساق نعوذ بالله من ذلك! والحميم هو الماء الحار الذي كما جاء في بعض الآثار أنه إذا قرّبه إلى وجهه شوى فروة وجهه نعوذ بالله من ذلك!! فكيف بعد ذلك إذا شرب منه؟!! ولذلك لا هم يستسيغونه ولا هو يروي عطشهم وإنما يزيدهم عذاباً نعوذ بالله من ذلك! ولهم مع الحميم الغسّاق وهو صديد أهل النار، ما يخرج من ابدان أهل النار م جروحهم وقيحهم وصديدهم فإن بعضهم يشربه نعوذ بالله من ذلك!!.

إن مجرد تصور مثل هذه المشاهد العظيمة التي هي حق وصدق لا بد واقعة يصيب الإنسان بالخوف والهلع فكيف نعوذ بالله من حال أهلها الذين يواقعونها؟!! وهذه المشاهد حين ذكرها الله جل وعلا ذكرها لنا للإعتبار فمن أراد أن ينجو منها فليقدّم عملاً صالحاً والعمل الصالح ليس بشاقّ وليس بعسير، هو يسير على من يسّره الله عليه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم "ينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم وينظر تلقاء وجهه فلا يرى إلا النار فاتقوا النار ولو بشق تمرة". لا يلزم أن يكون مليون ريال ولكن حتى ولو كان بشقّ تمرة لأن تبارك وتعالى حين أمرنا بالعمل الصالح لم يأمرنا ليستكثر من قلة ولا ليستقوي من ضعف ولا ليستغني من فقر تعالى الله عن ذلك ولكن أمرنا ليختبر طاعتنا، فمن أطاع الله جل وعلا فإنه ينجو من هذه النار. فاعمل يا عبد الله فإننا سنقدُم على يوم تنفع فيه الحسنة وتضر فيه السيئة حتى ولو كانت واحدة.

قال الله جلّ وعلا بعد ذلك (جَزَاءً وِفَاقًا (26)) أي أن هذا الذي نالهم من العذاب هو جزاء وفق ما قدموه موافق لأعمالهم التي كانوا يعملونها في الدنيا ولذلك كما جاء في الحديث "إنما هي أعمالكم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه"، وما ربك بظلام للعبيد ولكن رحمته جل وعلا واسعة ولكن الناس أنفسهم يظلمون كما قال ربنا جل وعلا.

(إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30))

قال الله تعالى عنهم (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27)) لاحظوا معي هذا المعنى يتكرر في القرآن كثيراً بعد أن ذكر الله تعالى حال هؤلاء الكفار وما أعدّ لهم وقال أن هذا جزاء وفاقًا موافقًا لأعمالهم لماذا؟ لأنهم كانوا لا يرجون حساباً لا يرجون الحساب ولا يتوقعونه ولا يؤمنون بالبعث إذاً من أعظم أسباب الضلال والطغيان والإنحراف عدم الإيمان باليوم الآخر أو عدم اليقين وتذكر اليوم الآخر وكلما كان اليوم الآخر حاضرًا في قلب الإنسان كلما كان أحجز له عن معصية الله جل وعلا. قال الله تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)) هم لا يرجون حساباً، لم يؤمنوا بالبعث وكذبوا بآيات الله جل وعلا ما تأتيهم من آية من آيات الله إلا كانوا عنها معرضين غير مؤمنين. وقد أخبر الله جل وعلا أن كل شيء عملوه فقد أحصاه الله تبارك وتعالى ولذلك إذا قدموا يوم القيامة يقولون (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) الكهف) لاحظ معي هذا التعبير في آية الكهف كيف قدّم الكبيرة على الصغيرة (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً) فإن كان لا يغادر الصغيرة فمن باب أولى لا يغادر الكبيرة ولذلك كما جاء في الحديث أن الله تبارك وتعالى يدني كنفه على العبد فيقرره بأشياء كان قد نسيها فإذا قرره الله تبارك وتعالى بها تذكرها. فإذا تذكر الإنسان مثل هذه المعاني وأن عليه ملائكة كراماً كاتبين يعلمون ما تفعلون يستحي منهم ويبجلّهم ويستحي من الله جل وعلا الذي خلقهم وأمرهم بهذا العمل أن لا يعصيه.

(فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)) إذاً بعد هذا العذاب كله يقال لأهل النار ذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً يعني لن يكون هناك خروج من النار ولن يكون هناك تخفيف وإنما سيكون هناك زيادة من العذاب. وهذه الآية لمن تأملها آية شديدة جدا وعظيمة ولذلك يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله في تفسيره: وهذه الآية أشد الآيات في شدة أهل لنار أجارنا الله منها لأنه مع كل ما يواقعونه ويعانونه يقال لهم بعد ذلك ذوقوا، لا تطمعوا في تأجيل ولا تخفيف ولا خروج لن نزيدكم إلا عذاباً.

الصفحة الثانية – صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان)

المقدم: ما مجالات استفادة المفسّر من الإسرائيليات؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. قبل أن ندخل في هذا أعيد القضية لأهميتها أن الإسرائيليات تتعلق بأخبار ولا تتعلق بهدايات ولا بأحكام يعني رجوع مفسري الصحابة والتابعين وأتباعهم وممن رجع إلى الإسرائيليات لم يرجع فيها إلا إلى قضايا أخبارية ولم يرجع فيها إلى اهتداء بها أو تشريع أبداً. ومن خلال النظر السريع وهو بحاجة في الحقيقة لاستكمال في الإستقراء يمكن أن نقول أن مجالات الإستفادة التي وقعت:

1.      أول مجال: توجيه الآية إلى المعنى المحتمل لهابمعنى أن يكون عندنا في الآية أكثر من معنى محتمل فالقول بالإسرائيلية يوجه الآية إلى معنى من هذه المعاني المحتملة.

2.      الثاني سبب القصة الإسرائيلية بمعنى انه يرد عندنا في تفاصيل الرواية الإسرائيلية سبب هذه القصة لأنه قد يرد عندنا قصة إسرائيلية لا نعرف ما يتعلق بها ماذا حدث فكان مثل قصة موسى عليه السلام فقط أريد أن أضرب مثالًا لكي نفهم هذه الحيثية: فموسى عليه الصلاة والسلام ذكر الله لنا خبره مع الخضر ولكن ما هو سبب هذه الرحلة؟ ما الذي دعاه إليها؟ نجد في السنة النبوية أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبين لنا قصة موسى مع الخضر السبب وهو أن موسى لما سئل من أعلم أهل الأرض قال أنا فعتب الله على ذلك وأمره بالذهاب بهذه الرحلة ليعرف أن هناك من هو أعلم منه عليه الصلاة والسلام ببعض الأمور وليس كل الأمور فهذا له شريعة وذاك له شريعة، لكن المقصود أننا لا نجد في الآيات ما يسير إلى سبب تلك القصة.

3.      الثالث تعيين المبهم. والمبهمات في القصص كثيرة جداً فالرواية الإسرائيلية تعين على المبهم وسيأتينا مثال عليه ان شاء الله.

4.      الرابع تفصيل المجمل من القصص كما نعلم أن القرآن يعمد كثيراً إلى الإجمال فيكون هناك تفاصيل مرتبطة بالقصة نجدها في الروايات الإسرائيلية ولعلنا نأخذ أمثلة على هذه القضايا الأربعة.

قلنا في الأول توجيه الآية للمعنى المحتمل يزداد وضوح هذا الأمر أكثر عندما تحتمل أو يحتمل الخبر الإسرائيلي الوارد في القرآن يحتمل أن ينزّل على أكثر من قصة فمثلاً في قوله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) ص) ليس عندنا خلاف في معنى الجسد، الجسد في اللغة ليس فيه خلاف لكن المراد بالجسد ما هو؟ فإذا رجعنا إلى تفسير المتقدمين يعني بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم نجد أنهم يقولون الجسد (الشيطان) يعني إذاً سلِّط الشيطان على ملك سليمان وهذا التسليط على ملك سليمان تسليط على أمور دنيوية وليس على أمور دينية أيضاً لكي نضبط هذه المسألة. لأن الأمور الدينية معصوم فيها النبي عليهم الصلاة والسلام، هذا الخبر الذي جاء في قصة الشيطان وهي فيها تفصيل طويل جداً جداً لا نحتاج أن نذكره ويكفينا منها أن نقول إن الله سبحانه وتعالى فتن سليمان بتسليط الشيطان على ملكه هذا ما تجتمع عليه هذه الروايات الإسرائيلية. فإن قال قائل أيجوز أن يسلّط الشيطان على نبي؟ نقول نعم، في الأمور الدنيوية أما في الأمور الدينية فلا، والدليل عليه أيضاً في نفس السورة قال الله سبحانه وتعالى عن أيوب عليه الصلاة والسلام قال (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ص) وأيوب يخبر أن الشيطان قد مسّه بنصب وعذاب فدلّ على أن الله سبحانه وتعالى قد يبتلي أحبابه وأصفياءه من الرسل والأنبياء بمثل هذه الإبتلاءات.

في تفسير آخر بعض المفسرين يحمل الآية عليه وهي آية الجسد فيقول أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال سليمان ابن داوود لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله فقال له صاحبه إن شاء الله يعني قل إن شاء الله فلم يقل ولم تحمل النساء اللاتي طاف عليهن إلا واحدًا ساقطاً أحد شقيه يعني بنصف الجسد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو قالها لجاهدوا في سبيل الله، يعني كأنه لم يستثني عوقب بأن نزل هذا الغلام بشقّ غلام أي بنصف غلام. فبعض المفسرين المتأخرين يحمل القصة على هذا.

فإذاً نحن الآن مع القصة الإسرائيلية نحن نرى الآن أن الذين فسروا من الصحابة والتابعين وأتباعهم ساروا على أن الجسد شيطان وكذلك سار عليه الطبري وسار عليه البخاري على أن الجسد شيطان، فسيختلف إذاً التفسير بين أن نقول أن الجسد الذي فتن به سليمان شيطان وبين أن الجسد شق غلام، فإذن الرواية الإسرائيلية قطعاً تغيّر المراد بالآية ولا شك أن الأقرب هو ما ذهب إليه جمهور السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم ومن ذهب اليه ممن تبعهم أن المراد به الشيطان.

النوع الثاني الذي ذكرناه وهو سبب القصة الإسرائيلية وذكرت أن السبب في قصة نبوية صحيحة أيضاً نذكر من ذلك ما ورد في (وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) ص) وهي فتنة داوود عليه الصلاة والسلام. فالذين أوردوا القصة أوردوا سبب ورود هذه الفتنة ما هو. فمنهم من قال أن داوود قال يا رب قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما وددت لو أنك أعطيتني مثله، قال الله إني ابتليتهم ما لم أبتلك به فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به وأعطيتك فما أعطيتهم قال نعم ثم حصل له البلاء المذكور في الرواية. فهذه إذاً يبين لنا سبب الفتنة التي وقع فيها داوود عليه الصلاة والسلام لكن ليست هي الفتنة وإنما ما هو سببها ما الذي جعله يصل إلى هذه الفتنة.

الثالث أيضاً من استفادات المفسرين تعيين المبهم وهذا كثير في الروايات الإسرائيلية وفي غيرها مثل ما ورد في قوله سبحانه وتعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ (163) الأعراف) فقد ورد في تعيينها أقوال عند مفسري السلف ابن عباس وعكرمة ومجاهد والسدّي وقتادة قالوا (هي أيلة) التي تسمى الآن إيلات المشهورة الآن في الشق المرتبط على خليج العقبة في الشمال. القول الثاني أنها (مقنة) وهذا ذهب إليه ابن زيد والقول الثالث أنها (مدين) وهذا ورد عن ابن عباس. فإذاً نلاحظ الآن أن هذا المبهم القرية حاضرة البحر ما هي؟ وقع فيها خلاف طبعاً الأول هو الأقرب في هذه التفسيرات. لكن لاحظ كيف تعامل الطبري مع هذه الأقوال ولم يعرّج على أن هذه الإسرائيليات أو ترفض بل قال: والصواب في القول في ذلك أن يقال هي قرية حاضرة البحر يعني هذا نصّ القرآن وجائز أن تكون أيلة وجائز أن تكون مدين وجائز أن تكون مَقنة لأن كل ذلك حاضرة البحر، كل هذه المدن الثلاث كلها حاضرة بحر يعني على ساحل البحر ولا خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع العذر بأي ذلك من أيّ والإختلاف فيه على ما وصفته ولا يوصل إلى علم ما قد كان فمضى مما لم نعاينه إلا بخبر يوجب العلم ولا خبر كذلك بذلك. فإذاً كأنه يقول كل هذه محتملة لا نستطيع أن نجزم بأيها الذي كان، لكننا نعلم أن مدين ومقنة لم تكن من مساكن اليهود وإنما أيلة من مساكن اليهود فهي أقرب أن تكون هي المرادة خصوصاً أن هي رأي الجمهور كما لاحظنا من عدد الذين قالوا بهذا التفسير.

النوع الرابع وهو تفسير المجمل وهذا الحقيقة كثير أيضاً فيستعين المفسرون بما ورد في كتب بني إسرائيل في تفاصيل بعض القصص فنحن الآن لو سألنا أيوب عليه الصلاة والسلام ورد ذكره في القرآن في ما حصل له من المرض في موطنين (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ(84)  الأنبياء) والآية الأخرى في قوله تعالى (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) ص) فنحن الآن نعرف على سبيل الإجمال أن أيوب عليه الصلاة والسلام حصل له مرض وأن الشيطان كان هو سبب هذا المرض لما قدر الله أن يسلط الشيطان عليه لكن هناك تفاصيل ذُكرت في الرواية الإسرائيلية -والله أعلم بصدقها- لكنها لا تخرج عن المعنى العام لهذه الآية فمثلاً قتادة يقول: ذهاب المال والأهل والضر الذي أصاب جسده ابتلي سبع سنين وأشهر ملقى على كناسة لبني إسرائيل تختلف الدواب في جسده ففرج الله عنه وعظم له الأجر وأحسن عليه الثناء. رواية أخرى عن السدي يقول: نصب في جسدي وعذاب في مالي، روايات متعددة في هذا هي تحكي الإجمال الذي ورد في البلاء الذي أصاب أيوب عليه الصلاة والسلام لكنها في النهاية كلها داخلة في أن أيوب عليه الصلاة والسلام حصل له شيء من هذا البلاء أما تفصيله نجد تفاصيله كما قلت في الرواية الإسرائيلية لا تعارض الأصل الذي ورد في القرآن.

 

هذه بعض المجالات التي استفاد منها المفسرون في بيان القصص الإسرائيلي الذي ورد في القرآن وأعيد مرة أخرى وأقول إنها مرتبطة بالأخبار وليس بالهدايات أو التشريع.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل