برنامج تبيان - سورة النبأ - 2

سورة النبأ - 2

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة النبأ

المقدم: في هذه الحلقة بمشيئة الله تعالى سنبدأ في تفسير سورة النبأ وهي سورة مكية كما علمنا ذلك في الحلقة الماضية قال البارئ جل وعلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)).

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. فيقول ربنا جل وعلا ((عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)) أي عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون المكذبون؟! ولاحظ هذا الإستهلال العظيم لهذه السورة، بهذا الإستفهام الذي لا يراد حقيقته (عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ) عن أي شيء يتساءل هؤلاء المشركون المكذبون؟! ثم بعد ذلك يأتي الجواب: إنهم يتساءلون عن النبأ العظيم، نبأ عظيم ومع ذلك يتساءلون فيه. هذا الجواب يحمل في طياته توبيخًا لهؤلاء وتعنيفًا لهم، كيف تتساءلون وتختلفون في نبأ عظيم من الظهور بحيث لا ينبغي أن يختلف الناس فيه ولا يتساءلون عنه ولا يختلفون فيه. أيضاً هو عظيم من جهةٍ أخرى يترتب عليه أمور كثيرة له ما بعده فكيف تختلفون فيه وتتساءلون عنه؟!. ينبغي لمن كان مريداً لمصلحة نفسه أن يعرف هذا النبأ وأن يوقن به. وهذا النبأ قال بعض المفسرين هو القيامة وما فيها من البعث والنشور، وقال بعض المفسرين هو القرآن الكريم، ولا تعارض بين القولين فإن من كذَّب بالقرآن فقد كذب بالبعث ومن كذَّب بالبعث فهو من باب أولى قد كذَّب بالقرآن. وهؤلاء الكفَّار في الحقيقة قد كذَّبوا بالقرآن وكذَّبوا بالبعث وهم في مرية وفي شك من هذا وذاك. قال الله جل وعلا (عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)) فهم ما بين مصدِّق ومكذِّب، مقبل ومدبر، ليسوا على أمر سواء ولذلك في القرآن حيناً يقولون سحرًا وحيناً يقولون شعرًا وحيناً يقولون كهانة، كل واحد منهم يأتي بقول وهم أعلم الناس أن ما قالوه في القرآن كذب وأ القرآن ليس بسحر ولا بشعر ولا بكهانة. ولذلك قلت في حلقة سابقة ما ذكره شيخ الإسلام عليه رحمة الله: أنه ما قال أحد في القرآن قولاً إلا وهو يعلم أنه كذب، ما أحد زعم في القرآن زعماً أو انتقص القرآن أو اتهمه بشيءٍ من التهم إلا وهو أعلم الناس أن ما قاله كذب وليس بحقيقة، وأولهم الذين نزل في عهدهم القرآن، كفار قريش: الوليد ابن المغيرة أبو جهل وغيرهم، ما قالوه في القرآن يعلمون أنه كذب. ولذلك في أوقات الخلوة يقرون ويعترفون أن هذا الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أنه وحي من عند الله. وفي هذا تحضرنا القصة المشهورة حين استمع ثلاثة نفر: الأخنس وأبو سفيان وأبو جهل إلى تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم من الليل فلما جاء الفجر انصرفوا فجمعهم الطريق فتعاهدوا وتعاقدوا ألا يعود، ولام كل واحد منهم صاحبيه وقال كيف لو رآكم سفهاؤكم؟! وفي الليلة الثانية عاد كل واحد منهم وهو يظن أن صاحبيه لا يعودان فجمعهم الطريق فتلاوموا فيما بعد، وفي الليلة الثالثة هكذا، يقول الأخنس: فذهبت لما تعالى الضحى إلى أبي جهل فقلت له: ما رأيك في ما سمعت؟ فقال أبو جهل وهو فرعون هذه الأمة وهو من حمل راية تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم والوقوف في وجه دعوته قال: ماذا أقول؟ أطعم بنو عبد مناف وأطعمنا، -يقصد عشيرته بنو مخزوم - وسقوا وسقينا حتى إذا كنا كفرسيّ رهان وتجاثينا على الركب قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء فأنّى لنا بذلك؟! والله لا نؤمن به أبداً!. إذاً لم يكن المانع من الإيمان (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ (33) الأنعام) كما قال الله جل وعلا ولكنهم يجحدون (وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) الأنعام) لأمر حال بينهم وبين ذلك نعوذ بالله منه.

قال الله عز وجل بعد ذلك (كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)) (كلا) لم ترد إلا في القرآن المكي وهي لم ترد إلا في سورة مريم وما بعدها، و(كلا) أحياناً قد تأتي للنفي والإضراب (ليس الأمر كما تزعمون) وأحياناً قد تأتي للتنبيه للكلام الذي سيأتي بعدها. أحياناً قد يختلف المفسرون أو تختلف عباراتهم في موضع من المواضع هل يراد بها النفي أم التنبيه والإستئناف بحسب وجهات نظر المفسرين، لكن هذا هو المعنى المراد من (كلا) في القرآن. هنا يحتمل أن تكون (كلا) أنها تنفي ما زعمه المشركون أي كر ليس الأمر كما زعمتم سيعلمون ثم سيعلمون، وقد يراد بها التنبيه فيكون المعنى ألا سيعلمون ثم ألا سيعلمون، أو نحو ذلك. والمعنى أنهم سيعلمون حين يُحشرون ويساقون إلى الله جل وعلا سيعلم هؤلاء المشركون عاقبة تكذيبهم.

ثم قال تبارك وتعالى (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا(6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12)).

يقول ربنا جل وعلا (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) هذه الصيغة صيغة استفهام، والإستفهام في لغة العرب قد يأتي للمعنى الأصلي الذي هو بمعنى الإستعلام وقد يأتي بمعانٍ أخرى ثانوية كالتقرير أو الإنكار أو نحو ذلك من المعاني الثانوية. هنا ليس المقصود الإستعلام ولكن المقصود التقرير (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) أي قد جعلنا الأرض مهاداً والجبال أوتاداً ونحو ذلك. يقول ربنا جل وعلا (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا) أي ممهدة لكم يسهل عليكم العيش عليها والإنتقال في طرقها (وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا) أي جعلناها رواسي تثبت هذه الأرض حتى لا تميد بكم. (وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا) أي أننا خلقناكم أزواجاً من ذكر وأنثى وهذه نعمة عظيمة، أولاً فيها من دلائل القدرة وفيها أيضًأ امتنان من الله جل وعلا على عباده أن خلقهم من ذكر وأنثى وتضوّر الحياة في بني آدم فقط دون غير من بقية المخلوقات لو لم يكن الله تبارك وتعالى خلقهم من ذكر وأنثى كيف كانت ستكون الحياة، إذن الله تبارك وتعالى امتن بهذه النعمة، فيها بقاء النسل، وفيها حصول السكن، فيها حصول المودة، فيها التكامل في المنظومة البشرية، هناك أدوار يقوم بها الذكر لا تقوم بها الأنثى وهناك أدوار تقوم بها الأنثى لا يستطيع الذكر حتى ولو عيي أن يقوم بها، ولكنها تحصل هناك التكامل، وهكذا الحياة فيها تكامل ليس فيها تشاجر وانفصال، وإنما خلق الله جلّ وعلا الذكر والأنثى كما في الذرة الصغيرة وبعد ذلك قس عليها. وهذه المظاهر التي ذكرها ربنا جل وعلا، هم يعترفون أن الله تبارك وتعالى خلق الأرض وأن لله تعالى خلق الجبال وأن الله خلقهم، ولكن سيقت هذه المشاهد:

أولاً لتذكيرهم بالشيء الذي يعترفون به على الشيء الذي ينكرونه، وهو وجوب إفراد الله تعالى بالعبادة دون من سواه.

الأمر الثاني فيها لفت للأنظار لعموم نعمته جل وعلا بهم كيف أنه جعل لهم هذه الأرض بساطاً، جعل لهم هذه الجبال تمسك هذه الأرض حتى لا تميد بهم، خلقهم على هذا النسق من الذكر والأنثى حتى تستقيم الحياة، جعل لهم النوم سباتاً أي راحة لأبدانهم، وتصور لو أن حياة الناس أربع وعشرين ساعة لا يوجد فيها نوم كيف كانت ستكون؟! غير ما يكون في البدن من الضعف والوهن ستكون الحياة رتيبة ومملة ليس فيها انفصال ليس فيها توقف، الآن الناس في ترتيبهم للحياة لا بد أن يأخذ إجازة لتعيد له الطاقة من جديد في نفسه وفي روحه. (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا) أي أن الله جل وعلا جعل الليل مثل اللباس أي يستر الناس ويغشاهم ويظلّهم، وجعل النهار فرصة لطلب المعاش. هذه من مشاهد قدرة الله جل وعلا الليل مظلم للسكن والنهار فرصة للمعاش. وهي أيضًا فيها إشارة للناس أن هذه هي الحياة الطبيعية، حياة الفكرة، فحين يقلب الناس الليل إلى نهار والنهار إلى ليل فينامون في النهار ويسهرون في الليل هذا خلاف للفطرة وخلاف من ما يصلح لأبدانهم. (ألا يعلم من خلق) الله جلّ وعلا هو يعلم من خلق، خلقهم على هذا النسق، به تستقيم حياتهم وذلك نحن نستغرب أمراض العصر المتكاثرة والوهن الذي يصيب الناس لأن الناس أحيانًا يقلبون نواميس الكون وما خلقهم الله تعالى عليه فيقلبون حياتهم وبرنامجهم على غير ما خلقت الدنيا عليه فلا بد أن يكون لهذا أثر على حياة الناس وعلى أبدانهم بل وحتى على نفسياتهم وهذا خطير. هل تظن إنسانًا يسهر طوال الليل ثم ينام طوال النهار ستكون نفسيته مثل الذي ينام في الليل ويستيقظون في النهار؟ الناس الذين ينامون في الليل ويستيقظون في النهار نفسيتهم يتحدثون ويشاهد عليهم أنهم يجدون من النفسيات الطيبة وانشراح الصدر شيئًا لا حد له.

قال الله جل وعلا بعد ذلك (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) أي سماوات سبع وهذا من علم الغيب، الناس لا يشاهدون إلا سماء واحدة لكن بقية السماوات هذا مما وردت بها الشريعة وجعلها الله تبارك وتعالى شداداً أي صلبة. (وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا) وهي الشمس خلقها الله تبارك وتعالى على هذا النحو وهذا كما قلت مشهد من مشاهد ربوبية الله جل وعلا التي تدل على وجوب إفراده بالعبادة، وهو أيضاً مظهر من مظاهر الإمتنان، تصور معي كيف تكون الحياة من دون شمس؟! لو أن الناس مكثوا شهراً أو شهرين من غير شمس لن يؤثر فقط على النبات وعلى التربة وعلى الأجواء وعلى قتل الجراثيم والبكتيريا ولكنه يؤثر على نفسياتهم، ليس لها تأثير فقط على النبات ولكن لها تأثير حتى على الإنسان العاقل المتحرك. قال الله تعالى (وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ) أي السحب (مَاءً ثَجَّاجًا) منهمراً بقوة، لماذا؟ (لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا) لنخرج منه حباً تأكلون وتقتاتون منه ونباتاً تعيش عليه دوابكم (وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا) أي ملتفة من أنواع الأشجار.

صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: بما أننا تحدثنا عن تفسير السلف فإننا لنجد مرويات إسرائيلية، فكيف نتعامل مع ذلك؟

د. مساعد بن سليمان الطيار: بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. سبق أن طرحنا مشكلة من المشكلات التي قد تواجه طالب علم التفسير فيما يتعلق بأسانيد التفسير، وأيضاً لا شك أن الإسرائيليات موجودة في مرويات الصحابة والتابعين وأتباعهم تمثل مشكلة أخرى عند طالب علم التفسير وهي في الحقيقة تمثل مشكلة عندنا نحن المعاصرين أما السابقون ممن نقلوا تفسيرات السلف لم تكن عندهم مشكلة، لكننا نضطر أن نناقش مناقشة علمية نجتهد في إبراز الصواب في هذه المسألة.

قد يقول قائل ما هي الإسرائيليات؟ الإسرائيليات هي كل ما أُخذ عن بني إسرائيل الذين هم اليهود والنصارى من أخبار. وقولنا هنا من أخبار مهم جداً لأن المسألة مرتبطة بالأخبار ولا يستفاد من بني إسرائيل أحكاماً أو هدايات وإنما هي مجرد أخبار. وإسرائيل الذي يُنسب إليه هؤلاء القوم هو نبي الله يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. وأغلب المروي عن بني إسرائيل هو من أسفار اليهود. وإذا نظرنا أيضاً إلى ما هو مرادنا من تفسير القرآن بالإسرائيليات أو رجوع السلف إلى بني إسرائيل فإن المراد من الإستفادة من مرويات بني إسرائيل في بيان بعض المعاني الواردة في قصص القرآن أو ما يتعلق بها. وقد يقع إشكال في بيان بعض المعاني ولكن إذا رجعنا إلى تفسير السلف سنجد أنهم بالفعل قد بيّنوا بعض المعاني من خلال المرويات التي وردت عند بني إسرائيل.

وقبل أن ندخل في هذا المجال قد يقول قائل ما هي ----- انقطاع في الصوت في الدقيقة 19:39-------- للقول بالرجوع إلى مرويات بني إسرائيل عند السلف كيف رجعوا إليها وكتاب الله سبحانه وتعالى كما قال سبحانه وتعالى (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (3) المائدة) فنحن بحاجة إلى أن نعرف ما هي الحيثيات التي جعلتهم يرجعون إلى هذا؟

قبل تقرير ذلك نحتاج إلى تقرير بعض المسائل العلمية والحقائق العلمية:

أول قضية أن مصادر التفسير هي ما استقي من خلالها معاني القرآن، فإذاً حديثنا نحن الآن عندما نقول الإسرائيليات مصدر أو كذا ليس المراد الآن أن نقول أنه حجة وإنما نقول إنه كخبر وصفي تاريخي أن هذا مصدر من مصادر التفسير.

القضية الثانية أن واقع بعض ما قصه الله في القرآن من أخبار بني إسرائيل فيه إجمال سواء من جهة المراد أو من جهة كذلك بيان مبهم أو غير ذلك مما يتعلق بالقصة. فإذاً الرجوع إليها أو هذا سبب من أسباب الرجوع إليها.

القضية الثالثة أن معرفة هذا الإبهام أو الإجمال في بعض الآيات لا يوجد في مصادر التفسير الأخرى، لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم بيان لا يمكن معرفة ذلك من جهة اللغة فإذاً لا بد من معرفة تفاصيل الخبر، وهذا ------ تداخل في الصوت في الدقيقة 21:20----- من الوارد عند بني إسرائيل ولا زلنا نقول ونكرر مرة أخرى المرتبطة بالأخبار فقط.

القضية الرابعة أنه ليس كل ما ورد عن بني إسرائيل كذبًا أو خطأ، وبناءً على ذلك فإننا حينما نعالج هذه القضية الإسرائليات وأن نأخذ عنهم لا يعني ذلك التصديق المطلق لهم كما لا يصح أن يكون هناك تكذيب مطلق لهم وهذا ما أرشد إليه الرسول صلى الله عليه وسلم لما قال (ما حدّثكم أهل الكتاب لا تصدقوهم ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله فإن كان حقاً لم تكذبوهم وإن كان باطلاً لم تصدقوهم) والحقيقة لازم هذا الكلام أنه لا يكون التصديق والتكذيب إلا ببرهان، يعني لازم كلام الرسول صلى الله عليه وسلم أننا إذا ظهر عندي البرهان بكذب هؤلاء في هذه الرواية أو البرهان بصدقه فإنه يخرج عن ما يريده الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المقام.

القضية الخامسة في هذا وهي أن الصحابة والتابعين ومفسري السلف استخدموا الإسرائيليات وجعلوها مصدرًا من مصادر التفسير، رجعوا إليها، وعمل هؤلاء الذين عملوا به وهم جمهور الصحابة والتابعين وأتباع التابعين يجعلنا نعتمد هذا المصدر ونرجع إليه. فإذاً إذا تقررت هذه القضايا فإننا نقول لا غضاضة في أن نقول أن الإسرائيليات مصدر رجع إليه الصحابة والتابعين أو قُل بعض الصحابة والتابعين وأتباع التابعين وأنهم يستحضرون في هذا الإذن النبوي، قول النبي صلى الله عليه وسلم (وحدثوا ن بني إسرائيل ولا حرج). ومن لوازم هذا الحديث أن تُذكر بعض التفاصيل الواردة في هذه المرويات ولكن ذكر هذه التفاصيل لا يعني قبولها لأن قبولها يحتاج إلى إثباتها بطريق صحيح.

ومن القضايا أيضاً المتعلقة بذلك أنه لا يُشكِل على جعل الإسرائيليات مصدراً أننا جعلناها في مصاف مصادر التفسير الأخرى الكتاب والسنة، لا، بل نقول إن المصادر المتفق عليها عند العلماء هي الكتاب والسنة وأقوال السلف واللغة وأما الإسرائيليات فهي في مرتبة أقلّ من ذلك. والمقصود أننا حينما نناقش هذه القضية يحتاج أن نناقشها علمياً خصوصاً أننا نجد أن المرجع لنا وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين قد رجع جماعة منهم إلى هذه المرويات واستفادوا منها.

 

فإذاً المقصود أن رجوع بعض المفسرين من السلف يدل على أن الإسرائيليات من المصادر التي فسروا بها القرآن ولا يلزم من عد الإسرائيليات مصدراً أن تكون كل الإسرائيليات مقبولة، كما لا يلزم أن تكون المعنى المتلقف من الرواية الإسرائيلية صحيحاً. ومعنى ذلك إذاً أننا حينما نورد ما أورده بعض الصحابة والتابعين وأتباعهم من هذه الإسرائيليات فنحن ناقلون لما قالوه وسائرون على المنهج الذي ساروا عليه ولم يكن فيه عندهم إشكال. وهذه القضية أيضاً قضية مهمة يجب أن ننتبه لها. ولهذا من يعترض على مثلاً الثعلبي أو غيره من المفسرين في أنه يورد الإسرائيليات هو اعتراض في الحقيقة ليس في محله لأن الثعلبي إنما هو ناقل لمن فسّر بها أولاً كابن عباس ومجاهد والسدّي وابن إسحاق وابن مسعود وغيرهم من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين فلا يُحكَم على الناقل ------ تقطع في الصوت في الدقيقة 25:50---- بذمّ في هذا لأنه إنما يحكم على من قال به أولاً فمن أراد أن يعترض على الإسرائيليات فعليه أن يعترض على ابن عباس وابن مسعود وعمر وعلي بن أبي طالب وعلى السدي وعلى مجاهد وعلى غيرهم ممن فسّر بهذه الإسرائيليات من الصحابة والتابعين وأتباعهم. ولعلنا إن شاء الله نكمل في الحلقة القدمة شيئًا مما يتعلق بهذا الموضوع.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل