برنامج تبيان - سورة النبأ - 1

سورة النبأ - 1

صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: في هذه الحلقة سندخل إلى تفسير سورة النبأ وهي سورة (عمَّ) فماذا عن تقدمتكم لهذه السورة؟

د. محمد السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم واغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا المسلمين.

سورة النبأ هي أول سورة في جزء عمَّ أو في جزء النبأ الذي يبتدئ بهذه السورة وينتهي بختام القرآن بسورة الناس. عدد آي هذه السورة أربعون آية وهذه السورة كما هو واضح من آيها ومن موضوعها ومن أسلوبها هي سورة مكية. بالمناسبة فإن القرآن المكي وخصوصاً في ما يتعلق بقِصاره كجزء عمَّ يُعنى بالأصول التي جاءت الملّة بتقريرها وتحقيقها وأعظم هذه الأصول ما يلي:

1.      تقرير التوحيد وإفراد الله جل وعلا بالعبادة وإقامة الشواهد والدلائل من الواقع ومن المنظور ومن العقل على هذا التوحيد.

2.      عقيدة البعث والإيمان باليوم الآخر والإعادة مرة أخرى بعد الموت.

3.      تثبيت النبوة وتقرير صدق محمد صلى الله عليه وسلم وإقامة الشواهد على ذلك.

وهذه الأمور الثلاثة مترابطة فمن آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم آمن بما جاء به وصدّق البعث وأقرّ بتوحيد الله جل وعلا، وهذا كله يشمل أيضاً الإقرار بصدق القرآن وأنه منزّل من عند الله جل وعلا. ذلك أن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم يقتضي الإيمان بما جاء به به.

4.      وأيضًا مما جاء القرآن المكيّ لتقريره وتثبيته: أصول الأخلاق وقضاياها الكبرى والربط بين الأخلاق وبين العقيدة ولذلك في القرآن نجد أن هناك تلازم بين الإيمان بالله جل وعلا والإيمان بالبعث وبين الإلتزام بأصول الأخلاق التي دعت إليها سائر الملل. كما أن هناك ارتباط بين التكذيب بالبعث وبين التلبّس بسيء الأخلاق ومنكر الصفات. فمثلاً يقول الله جل وعلا في هذا الجزء في جزء عمَّ (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) الماعون) الصفة الأولى أنه يكذّب بالدين، يكذّب بالبعث والجزاء والحساب، ثم ذكر بقية صفاته التي هي أخلاق وممارسة فقال (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3)) ثم قال سبحانه (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) الماعون). فإذاً هناك إرتباط وثيق بين أصول الأخلاق وبين أصول العقيدة ذلك أن المعتقد الصحيح يولّد الأخلاق الحسنة وبضدها أيضاً. ولذلك قال الله جل وعلا أيضاً عن الكفار المكذبين للدين في هذه السور المكية كما في سورة القلم يقول ربنا جل وعلا (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) القلم) المكذبين لاحظ، هؤلاء المشركين الكفار الذين كذبوا بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم وأنكروا البعث، ثم قال سبحانه (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) القلم) هذه صفات خُلُقية ولكنها مرتبطة بأصل الإيمان، أصل الإيمان لما فُقِد الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر انسحب على هذه الصفات السيئة، الصفات المنكَرة. ولذلك لا غرو أن يأتي القرآن المكي مقرراً لهذه الأصول العظيمة الكبيرة. والله تبارك وتعالى يقول أيضاً في سورة المدثر (ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) المدثر) –تقطع الصوت—يريد الاستكثار، يريد المزيد من المال والبنين (كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيدًا (16) المدثر) إلى آخر الآيات.

إذاً هذه موضوعات القرآن المكي بصفة عامة لم يأتي القرآن المكي بتفاصيل الشرائع، أحكام، تفاضيل الزكاة والحج أو الطلاق أو العدد البيع أو الربا أو الجهاد وإنما جاء لتقرير هذه الأصول الكبار الي عليها أصول المعتقد. ولذلك وطبعاً مثل هذه القضايا استمرت حتى في القرآن المدني ولكن مع دخول تفاصيل الأحكام والشرائع كما في سورة البقرة وفي سورة آل عمران والنساء والمائدة وغير ذلك. لكن القرآن المكي يكاد يكون متمحضًا لمثل هذه الأصول الكبار الرئيسة. وهي في الحقيقة بعض الناس يظن أن مثل هذه التوجيهات ومثل هذه الإرشادات إنما يحتاجها الكفار المشركون ولذلك يقولون القرآن المكي يعتني بأصول العقيدة لأنه نزل على قوم مشركين، القرآن المكي في آياته قوة وفيها زجر لأنه يخاطب قوم مشركين، نعم هذا صحيح، ولكنه أيضًا يخاطب قوماً مؤمنين يحركون به القلوب. ولذلك أنصح نفسي وأنصح الإخوة والأخوات حين نقرأ مثل هذه السور وخصوصاً القرآن المكي علينا أن نعالج به دواخل القلوب، أن نحيي به القلوب لأن أعمال القلوب أهم وأعظم من أعمال الجوارح، الصدق والإخلاص والمحبة واليقين والتوكل والرضا والخوف والرجاء أعظم كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة أعظم من أعمال الجوارح. بل أعمال الجوارح منبنية على مثل أعمال القلوب لأن ما ينفع الإنسان أعمال الجوارح الظاهرة إذا فقد الإخلاص، هذا أمر من الجلاء بمكان. لكن علينا أن نعتني بمثل هذه الأمور لأنها أيضاً هي مراتب متفاوتة، الإخلاص يتفاوت كما بين السماء والأرض، المحبة كما بين السماء والأرض، الرضا، التوكل على الله جل وعلا. ولذلك ينبغي للمؤمن كما أنه يتعلم أحكام الدين الظاهرة عليه أن يتعلم أحكام الدين الباطنة، بل عليه أن يستفرغ وسعه في هذا الأمر. وأعظم مصدر نتعلم منه هذه الأحكام، أحكام العقيدة ونؤصّل أنفسنا فيه هي كتاب الله جل وعلا حين يقرأه الإنسان بتدبر وتأمل قرآءة من يخاطبه ربه به سيجد بعد ذلك أثرًا كبيرًا لهذه المعاني. أنا أؤكد دائماً في الحقيقة اقرأوا مثل سورة الأنعام، اقرأوا مثل الحواميم، فيها خطاب يزجر القلوب، فيها خطاب يربط النفوس ببارئها جل وعلا، يعالج دواخلها، حين نقرأ ونحن نتدبر ونتأمل ونتفكر ولا يكن همّ أحدنا آخر السورة سنجد أثرًا لهذه السور غير ما كنا نتصور. للأسف الشديد أني وجدت بعض الإخوة يظن أن مثل هذه الآيات فيها مجرد الوعظ، وعظ مجرّد وأن العلم هو في القرآن المدني لأن فيه أحكام الشرائع، وهذا خطأ فادح! بل العلم الأساس هو العلم بالله جل وعلا، العلم بأحكام العقيدة، العلم بتفاصيلها التي تنبني عليها أعمال الجوارح بعد ذلك. ولذلك الآن نحن نعاني من خلل في أعمال الظاهر ولكننا قد نعاني خللاً أكبر في أعمال القلوب. هل الإنسان إذا رجع إلى نفسه وحاسبها هل توكله على الله جل وعلا توكل كامل حقيقي؟! هل إذا نزلت عليك مصيبة أو واجهتك مدلهمة أول ما يقفز إلى مخيلتك لَجأك إلى الله جل وعلا واعتمادك عليه؟ أم أن أول ما يقفز إلى مخيلة الواحد منا أن يبحث عن أسباب الدنيا ومن يعينه ومن يساعده والواسطة ومن يعرف ومن لا يعرف؟! حين يصيب الإنسان مصيبة من المصائب هل يمتلئ قلبه بالرضا عن الله جلّ وعلا والصبر على ما أصابه إن كان خيراً شكر وإن كان ضراً صبر على ذلك؟! ما بال كثير من المسلمين إذا ابتلي بفقد حبيب، ابتلي بمصيبة من مصائب الدنيا، فقد أمرًا يعز عليه، تجد أثر ضعف اليقين وأثر ضعف الصبر على فلتات لسانه وعلى صفحات وجهه!!. أعظم من هذا أيضاً معه وأعظم منه وقبله وبعده الإخلاص لله جل وعلا، الإخلاص في صغائر الأمور، في كبائرها، في مقدماتها وفي خواتيمها، الإخلاص مقام عظيم، وكما يقول ابن القيم في بعض المواضع: ليس لنا منه إلا مجرد الكلام والتوصيف وأما حقائقه فإنما عند من منّ الله جلّ وعلا عليهم به، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتداركنا برحمته وأن يشملنا بعفوه ومنّه وأن يهبنا ما وهب عباده الصالحين. موضوع الإخلاص أن لا يخطو الإنسان خطوة ولا يسكن سكنة ولا يتكلم كلمة إلا وهو يرجو بعمله وجه الله جل وعلا لا يلتفت إلى شيء من الدنيا البتة، هذا هو الإخلاص الحقيقي لله جل وعلا. وهذا الأمر يسير على من يسّره الله عليه ولكنه شديد التحقيق ليس بالأمر الهين. وفي الحديث -وإن كان فيه مقال- حديث البطاقة الرجل الذي ينشر له يوم القيامة تسعة وتسعين سجلاً كل سجل منها مد البصر فيها من الخطايا والسيئات حتى إذا رآها ظن أنه هالك فإذا وضعت في الميزان قيل إنك لا تظلم اليوم شيئًا، له بطاقة، قال ما تغني هذه البطاقة أمام هذه السجلات؟!! فإذا بطاقة مكتوب فيها لا إله إلا الله فتوضع في كفّة والسجلات في كفة فتطيش بها، ترجح هذه البطاقة. هذه لا إله إلا الله قد حققها الإنسان بالإخلاص لله جل وعلا. حين يعمل الإنسان حتى الأعمال المباحة حين يقدمها الإنسان ابتغاء وجه الله، النفقة التي ينفقها على أهل بيته، كيس الخبز الذي يأتي به في الصباح أو في المساء وهو يستحضر النية هذا أيضاً أمر آخر، استحضار النية وتجديد النية هذا يعظّمها ويكثر أجرها بإذن الله جل وعلا. حتى في هذه الأمور المباحة يحتسب الإنسان نومته كما يحتسب قومته ويحتسب إمساكه عن الكلام كما يحتسب كلامه كله في ذات الله جل وعلا.

صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود عضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدم: عرفنا فضيلة الشيخ في الحلقة الماضية عن بعض طرق تعبير السلف عن التفسير، فماذا عن الطرق الأخرى التي عبر بها السلف عن التفسير؟

د. مساعد: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين. كما سبق أن ذكرت في اللقاء السابق أن هذا الموضوع من الأهمية بمكان وهو فقه تفسير السلف. يقول ابن تيمية أيضًا مشيراً إلى هذا الموضوع وهو يتكلم عن عبارات السلف قال: "فتُذكر أقوالهم في الآية فتقع في عباراتهم تباين في الألفاظ يحسبها من لا علم عنده اختلافاً فيحكيها أقوالاً وليس كذلك فإن منهم من يعبر عن الشيء بلازمه أو نظيره ومنهم من ينصّ على الشيء بعينه، والكل بمعنى واحد في كثير من الأماكن، فليتفطن اللبيب لذلك والله الهادي". وهذا الكلام منه رحمه الله تعالى وهو معروف بعنايته بعبارة السلف وبعلم السلف لا شك أنه يعتبر في هذا المقام لأنه بصير بهذه الإختلافات وهو مجرِّب أيضاً لتوجيه تفاسير السلف.

·         ذكرنا النوع الأول وهو التعبير بالمثال.

·         النوع الثاني يمكن أن نقول عنه التعبير بالتنزيل أو بالنزول.

·         النوع الثالث التعبير باللازم.

التعبير باللازم

المقصود باللازم أي ما يلزم من اللفظ سواءٌ كان من جهة اللغة أو كان من جهة اللفظ في ذلك السياق بمعنى أنه قد يكون لازم للفظ من حيث اللفظ في لغة العرب أو لازم للفظ في ذلك السياق. واللازم هو أشبه ما يكون بالنتيجة للمعنى المنصوص عليه، فيشير إليه المفسر للتنبيه على أنه مراد بالخطاب وإن لم ينصّ على البعض بعينه. وقد يضطر المفسر لسلوك هذا السبيل لخفاء اللازم على المتعلم فيريد أن يبين هذا اللازم له. يقول ابن القيم وهو من العلماء الذين عنوا بتوجيه عبارات السلف وبيان طرقهم في ذلك يقول: "وكذلك قول من قال المخضوض هو الذي لا يعقر اليد ولا يردّ اليد منه شوكٌ ولا أذى فيه". فإذاً هذه ثلاث عبارات في معنى المخضوض: هو الذي لا يعقر اليد أو لا يردّ اليد منه شوك أو لا أذى فيه، قال عن هذه العبارات: "وكذلك من قول من قال المخضوض كذا في العبارات الثلاث فسره بلازم المعنى، وهكذا غالب المفسرين يفسرون لازم المعنى المقصود تارة وفرداً من أفراده تارة ومثالاً من أمثلته فيحكيها الجمَّاعون للغث والثمين أقوالاً مختلفة ولا اختلاف بينها". فإذاً نلاحظ الآن من هذا التعليق وهو تعليق مهم جداً أنه حينما نأتي إلى كلمة السلف فسروها يجب أن لا يأخذنا المنطق اللغوي أن الكلمة تساوي كذا، مثل ما ذكرنا في المثال السابق في معنى باسقات أنها طويلات مرتفعات لأنهم قد يخرجون عن هذا المعنى. ومعنى ذلك أنه لا يتقن معرفة هذه الخروجات بالتعبير عن الأصل المطابق إلا من كان متقناً للغة وعارفاً للمفردات.

النوع الرابع: التعبير بجزء المعنى

النوع الرابع هو التعبير بجزء المعنى وهذا يرجع إلى أن بعض ألفاظ اللغة يكون في ذاتها أكثر من دلالة فمثلاً إذا قلت لك أذنت لك أن تدخل البيت، فمعنى ذلك أن الإذن يكون متضمناً للعلم والإباحة، فإذا قلنا الإذن بمعنى العلم فهذا جزء من المعنى وإذا قلنا الإذن بمعنى الإباحة هو جزء أيضاً من المعنى. فإذاً هذه الألفاظ التي تأتي في اللغة وهي تحمل أكثر من مدلول في ذاتها قد يفسّرها المفسر بجزء من معناها. ولهذا يجب أن ننتبه إلى أنه في بعض الأمثلة وقع تفسير من بعض المبتدعة لهذه الألفاظ بجزء من المعنى على أنه المراد دون غيره. مثال ذلك هو المثال الذي ذكرته قبل قليل في الإذن: المعتزلة يفسرون الإذن في قوله سبحانه وتعالى (يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ (102) البقرة) بأنه العلم فقط فيقصرونه على جزء من معناه ليوافق معتقدهم في خلق أفعال العباد لأنهم لا يرون أن الله له مشيئة أو إباحة في هذا الأمر وبزعمهم أن الله سبحانه وتعالى لا يخلق الشر. فإذاً تفسيرهم هذا هو قصر لمعنى اللفظ على جزء منه، وهذا لا شك أنه نوع من التحكم. لكن الذي نتكلم عنه نحن هنا الآن أن بعض السلف قد يذكر جزءًا من المعنى وليس مراده أن هذا هو المراد دون غيره ومثال ذلك أيضاً ما ذكره ابن القيم في تفسير لفظ تبارك قال: "قال بعض المفسرين يمكن أن يقال هو من البروك فيكون تبارك ثبت ودام أزلاً وأبداً فيلزم أن يكون واجب الوجود لأن ما كان وجوده من غيره لم يكن أزلياً، وهذا قد يقال إنه جزء المعنى فتباركه سبحانه يجمع هذا كله، دوام وجوده وكثرة خيره ومجده وعلوه وعظمته وتقدسه ومجيء الخيرات كلها من عنده وتبريكه على من شاء من خلقه". فإذاً كأنه يقول هذا تعبير بجزء من معنى اللفظ. قال: "وهذا هو المعهود من ألفاظ القرآن كلها أنها تكون دالة على جملة معانٍ فيعبر هذا عن بعضها وهذا عن بعضها واللفظ يجمع ذلك كله وقد ذكرنا ذلك في غير هذا الموضع"، إنتهى كلامه.

النوع الخامس من أنواع التعبير عند السلف: التفسير السياقي

النوع الخامس والأخير من أنواع التعبير عند السلف وهو المراد باللفظ في سياق معين بمعنى أننا لا ننظر إلى معنى اللفظ من جهة اللغة وإنما ننظر إلى المراد به في هذا السياق فإذاً سيكون اللفظ له دلالتان دلالة لغوية ودلالة سياقية. الذي يعنينا الآن الدلالة السياقية ففي قوله تعالى (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) العاديات) لو أردنا أن نفسر تفسيراً لغوياً قلنا العاديات التي تعدو أي تجري فهذا يكون من باب التفسير اللفظي، لكن ما المراد بالعاديات في هذا السياق؟ هل هي الخيل أو الإبل؟ القول بأنها الخيل أو الإبل هذا يسمى تفسيرًا سياقيًا ومعنى ذلك إذاً أننا في هذا المقام نبحث عن المراد بقوله (العاديات) وليس معنى العاديات كمفردة، فهذا يعتبر من من التفسير السياقي. من أمثلته كذلك في قوله تعالى (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) عبس) فالسبيل باتفاقهم هو الطريق، لم يقع خلاف في مدلول اللفظة عند العرب أن السبيل هو الطريق، ولكن ما المراد بالطريق في هذا السياق؟ هل هو طريق خروجه من بطن أمه؟ وهذا عليه جمهور الصحابة والتابعين وأتباعهم. أو يسّر له طريق الخير والشر وهذا قول بعضهم كما قال تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) الإنسان) فإذاً نحن هنا الآن نبحث عن المراد بالسبيل في هذا الموطن.

هذه الأنواع الخمسة التي جمعتها في ما يتعلق بتعبير السلف عن التفسير. وكما قلت إنه موضوع مهم ودقيق وأننا بحاجة إليه لمعرفة أقوال المتقدمين من الصحابة والتابعين وأتباعهم.

وقبل أن ننتهي مما يتعلق بتعبير السلف عن التفسير أحب أن ننتبه أيضاً إلى مسألة مهمة في العبارات المنقولة عنهم فنجد في بعض العبارات المنقولة عنهم تنزيل بعض الآيات على أهل البدع ممن كان ظهر في أواخر عهد الصحابة أو كذلك في عهد التابعين مثل بدعة الخوارج أو بدعة الإرجاء أو غيرها من البدع التي خرجت فنجد أن عباراتهم أو تفسيراتهم تأتي للتنبيه على بدعة معينة مثل ما رواه الطبري عن الربيع بن أنس في تفسير قوله (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3) البقرة) قال: يخشوه، وروى أيضاً عن الزهري أيضاً قال الإيمان العمل، وإذا نظرنا إلى قول الزهري الإيمان العمل أو تفسير الإيمان بعمل من الأعمال وهو الخشية فكان فيه إشارة إلى الرد على بدعة الإرجاء التي خرجت في عصرهم.

 

وأيضاً مما يحسن التنبه له في ذلك أن هؤلاء المفسرين لهم اهتمامات قد تؤثر على عباراتهم في التفسير أو أيضاً على توجههم في التفسير، فنجد مثلاً الوعظ عند الحسن البصري وتلميذه قتادة، ونجد مثلاً أيضاً تفسير آيات السيرة وما يتعلق بها عند ابن اسحاق، نجد أيضاً عنية بالمبهمين وأنسابهم عند مقاتل ابن سليمان والكلبي، ونجد كذلك العناية بقصص السابقين وبيان ما فيها عند السدّي وابن اسحاق وهكذا وهذا أيضاً له مجال واسع في ما يتعلق بعبارات التفسير عندهم. أسأل الله أن يوفقنا لفهم كتابه على منهج هؤلاء الكرام إنه سميع مجيب.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل