برنامج تبيان - سورة الجن - 3

الحلقة الثالثة والعشرون

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة الجنّ - 3

المقدّم: في هذه الحلقة نواصل التفسير في الآيات من سورة الجنّ وقد وقفنا عند قول الله جلّ وعلا (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا ﴿١٨﴾) ما المقصود بالمساجد في هذه الآية؟ وهل هذه الآية مواصلة في كلام الجن؟

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى له وصحبه أجمعين. الذي يظهر والله أعلم أن كلام الجن قد انقضى وأن هذا من كلامه جلّ وعلا وهو إخبار أن المساجد لله جلّ وعلا ولعبادته. والمراد بالمساجد في قول أكثر المفسرين المراد بها المساجد التي تبنى لعبادة الله جلّ وعلا كالمسجد الحرام  وسائر المساجد في كل الأصقاع. وقال بعض المفسرين أن المراد بالمساجد هي الأعضاء التي يسجد عليها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء. والمراد أنها لله جلّ وعلا خلقها لعبادته فو يجوز أن تستعمل لعبادته غيره. وهذا القول وإن كان قريبًا وله وجه من الصحة إلا أن القول الأول هو الأقرب والأظهر ولا يمنع من إرادة المعنى الثاني. فالمراد في الآية أنه إخبار من الله جلّ وعلا أن المساجد لله ليست لأحد دونه ولا سواه فلا تدعوا مع الله أحدا ولذلك ينبغي أن تطّهر المساجد وتُصان عن مظاهر الشرك والبدع وأن يدعى فيها غير الله أو يقام فيها أضرحة وقبور كما قال الله جلّ وعلا لنبيه إبراهيم (وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) الحج) وأول ما يطهّر منه البيت أن يطهّر من الشرك ومظاهره.

ثم قال تبارك وتعالى (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا ﴿١٩﴾ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ﴿٢٠﴾ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴿٢١﴾ قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٢﴾ إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴿٢٣﴾ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ﴿٢٤﴾ قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ﴿٢٥﴾ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾)

يخبر ربنا جلّ وعلا أنه لما قام عبد الله أي نبيه محمد صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله جلّ وعلا ويوحده كادوا يكونون عليه لبدا والضمير في كادوا يكونون اختلف المفسرون في المراد به فقال كثير من المفسرين أن المراد هم الجن الذين استمعوا إلى تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم وقرآءته فوقفوا واجتمعوا جماعات كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض قد تلبدوا من شدة ازدحامهم لسماع القرآن منه صلى الله عليه وسلم. في قول آخر أن هؤلاء الذين اجتمعوا وتلبدوا هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين يستمعون إلى تلاوته ويتابعونه في الصلاة. وقال بعض المفسرين بل المراد المشركون لأنهم يجتمعون على النبي صلى الله عليه وسلم لأذاه وتكذيبه والتظاهر عليه ليبطلوا ما جاء به من الحق، وهذا القول اختاره ابن جرير عليه رحمة الله واتسظهره ابن كثير في تفسيره واستدل له بسياق الآية لأن الله جلّ وعلا قال بعد ذلك (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) فهو خطاب لهؤلاء المشركين الذين اجتمعوا على النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليهم. ثم قال سبحانه (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴿٢١﴾) الله أكبر! هذا بيان لوظيفة المصطفى صلى الله عليه وسلم فهو إنما يدعو إلى الله جلّ وعلا وهو لا يملك لهؤلاء الخلق لا ضرًا ولا رشدًا إنما هو مبلغ عن الله (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴿٢٢﴾) لا يوجد أحد كائنًا من كان يجيرني من الله جلّ وعلا أو يحميني منه إلا بلاغًا من الله ورسالاته يعني إنما أقوم ببلاغ رسالة الله جلّ وعلا التي أرسلني بها وأما ما عدا ذلك فإني لا أملك لكم ضرًا ولا رشدا ولذلك قال (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴿٢٣﴾)

ثم قال جلّ وعلا (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا ﴿٢٤﴾)

هؤلاء المشركون حين يرون ما وعدهم به من العذاب، عند ذلك سيعلمون من هو الأقلّ والأذلّ والأضعف والذي لا يمكن أن يُحال بينه وبين عذاب الله ونقمته.

ثم قال (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا ﴿٢٥﴾ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ﴿٢٦﴾ إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾ لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴿٢٨﴾)

يأمر الله جلّ وعلا نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهؤلاء (إِنْ أَدْرِي) يعني لست أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي مدة طويلة فالأمر إلى الله جلّ وعلا لا يظهر على غيبه أحد ولا يعلم أحد متى يكون ما وعد الله جلّ وعلا به  من العذاب لهؤلاء المكذبين وإذا كان هذا شأنه صلى الله عليه وسلم وهو أفضل الخلق وأشرفهم وأعلاهم منزلة عند الله جلّ وعلا فإن غيره من باب أولى فمن ادّعى علم الغيب أو الإحاطة به فهو كاذب بل هو كافر لأنه مكذِّب لما جاء عن الله جلّ وعلا.

يقول جلّ وعلا قل يا محمد (قُلْ إِنْ أَدْرِي) لست أدري (أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا) (عَالِمُ الْغَيْبِ) جلّ وعلا فهو وحده الذي يعلم الغيب (فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا) لا يطلع على غيبه أحدًا وهذه صيغة من صيغ العموم فالنكرة (أَحَدًا) في سياق هذا النفي تعمّ، النفي تفيد العموم فلا يطّلع على الغيب كائنًا من كان إلا من استثناه الله جلّ وعلا بقوله (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) فإن الله جلّ وعلا قد يُطلع بعض رسله على ما شاء من الغيب، ليس الغيب المطلق أنهم يعلمون كل الغيب (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ (65) النمل) ولكنه ربما أطلعهم على شيء من الغيب وهذا الرسول الذي يرتضيه الله جلّ وعلا ويطلعه على شيء من الغيب يعمّ الرسول الملكي ويعمّ الرسول البشري. عند ذلك قال جلّ وعلا (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا ﴿٢٧﴾) هؤلاء الذين يطلعهم على بعض الغيب يرسل من أمامهم ومن خلفهم ملائكة يحفظونهم من أمر الله جلّ وعلا، يرسل من بين يديه ومن خلفه من يرصده ويحفظه من كل النوائب ومن كل العوارض وخصوصًا من الجن الذين ربما استرقوا شيئا من السمع أو حاولوا الاطلاع عليه.

قال جلّ وعلا (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا ﴿٢٨﴾) المراد أنه ليعلم هذا الرسول أن الرسل قبله قد بلّغوا أمر الله جلّ وعلا وقاموا برسالة الله جلّ وعلا وأدّوا كما أُمروا وأنهم قد حفظوا من الجن كما حفظ هو صلى الله عليه وسلم وأن الله جلّ وعلا أحاط علمًا بكل ما لديهم وما عندهم من الشرائع والأحكام والأفعال والأعمال لا يفوته جلّ وعلا منها شيء ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وأنه قد أحصى كل شيء عددًا. ولاحظ هذا التعبير العظيم حين يقول ربنا جلّ وعلا (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا) (كل شيء) لفظ من ألفاظ العموم، فكل شيء كائن في السماء وفي الأرض، صغير أو كبير، في البر والبحر حتى ما تخفيه الصدور والضمائر فإن الله جلّ وعلا يطّلع عليه والمؤمن حينما يستقر في قلبه مثل هذه العقيدة فإنها تعظّم خوفه من الله جلّ وعلا وحياؤه منه فلا يقبل على المعاصي ولا تزل قدمه هنا وهتاك لأنه يستحي من الله أن يراه على معصيته والله أعلم.

صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، وعضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: علمنا في الحلقة الماضية أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التفسير، فما مقدار التفسير النبوي؟

د. مساعد بن سليمان الطيار: بسم الله الرحمن الرحيم. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذا سؤال قلّ ما يتركه عن التفسير النبوي وهو ما هو المقدار الذي فسّره الرسول صلى الله عليه وسلم؟ النوع السابق الذي ذكرناه وهو التفسير النبوي المباشر إذا رجعنا إلى الآثار فإننا سنجد أن الآثار الواردة في تفسير النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الطريقة بالنسبة آيات القرآن أو بالنسبة لما روي من تفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم قليل. فإذن إذا نحن وازنا بين عدد الآيات التي فسرها النبي صلى الله عليه وسلم والآيات التي لم يفسرها تفسيرًا مباشرًا أو بين تفسير النبي صلى الله عليه وسلم المباشر وبين تفسير الصحابة والتابعين وأتباعهم سنجد أنه يعتبر قليلًا. وهذه القلة الموجودة في ها النوع ليس لها كبير أثر أو أقصد أنها لا تعد مشكلة علمية تؤثر في فهم المعاني كما سيأتي إن شاء الله.

أيضًأ قد يقول قائل: إن بعض العلماء حكى أن تفسير الصحابي مرفوع يعني أن كل ما قاله الصحابة فإنهم قد تلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم فإذا جعلنا كل ما رواه الصحابة متلقى عن النبي صلى الله عليه وسلم فإننا معنى ذلك أننا سنرى عددًا كبيرًا من التفسير النبوي خلافًأ للقول الذي ذكرته قبل قليل. لكن الذي يظهر والله أعلم أن طريقة الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم يذكرون ما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة فإن كان من اجتهادهم فإنهم لا ينسبونه للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا باستقراء طريقتهم في العلم وحرصهم إلى رفع الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتشرفهم بمثل هذا. فإذا رجعنا للآثار الواردة عنهم فإننا سنجد أنهم يختلفون في تفسير بعض الآيات ولا نجد أن واحدًأ منهم في حال الاختلاف ينسب ما فسره للنبي صلى الله عليه وسلم ولو كان عنده من ذلك بيان نبوي لما تأخر في نسبه له صلى الله عليه وسلم وسأذكر مثالًا يوضح ذلك وهو مثال مشهور مسألة علمية بين ابن عباس وابن عمه علي بن ابي طالب. يقول ابن عباس: بينما أنا في الحجر جالس إذ أتاني رجل يسأل عن العاديات ضبحا ، فقلت : الخيل حين تغير في سبيل الله ثم تأوي إلى الليل فيصنعون طعامهم ويورون نارهم ، فانفتل عني فذهب إلى علي بن أبي طالب وهو جالس تحت سقاية زمزم ، فسأله عن العاديات ضبحا ، فقال : سألت عنها أحدا قبلي؟ قال : نعم سألت عنها ابن عباس ، فقال : هي الخيل حين تغير في سبيل الله ، فقال اذهب فادعه لي ، فلما وقفت على رأسه قال : تفتي الناس بما لا علم لك به، والله إن كان لأول غزوة في الإسلام لبدر، وما كان معنا إلا فرسان فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود، فكيف تكون العاديات ضبحا؟! إنما العاديات ضبحا من عرفة إلى المزدلفة إلى منى -ويقصد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن المراد إبل الحجيج يعني أن الله أقسم بإبل الحجّاج- قال ابن عباس : فنزعت عن قولي ورجعت إلى الذي قال عليّ بن أبي طالب. في هذا المثال ليس عند علي بن أبي طالب خبر من النبي صلى الله عليه وسلم وإنما نلاحظ أنه اعتمد على أمر مرتبط بالأحوال ولو كان عنده خبر من النبي صلى الله عليه وسلم لقال: فشّرها النبي كذا. وكذلك ابن عباس ما كان عنده خبر من النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان عنده لقال لعلي بن أبي طالب: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كذا. فدلّ مثل هذا الأثر وغيره كذلك مما هو في سبيله أن الصحابة قد اجتهدوا في التفسير وفي بعض هذه المعاني أو الآيات لم يكن عندهم بيان نبوي مباشر وسيأتي إن شاء الله في الحديث عن ما هي الأشياء التي تؤخذ من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يمكن فهمها إلا من طريقه صلى الله عليه وسلم وهي التي يمكن أن يقال عنها إنها تدخل في التفسير النبوي. فإذن نقول أن هذا الأمر واجتهاد أو تفسير الصحابة لا يلزم أن يكون مما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم بل إنهم اجتهدوا رضي الله تعالى عنهم.

النوع الثاني من أنواع التفسير بالسنة هو التفسير غير المباشر وهو ما عدا التفسير النبوي لأن التفسير النبوي في ضابطيه أن يورد آية أو يورد الصحابي آية فيفسرها النبي صلى الله عليه وسلم أو يقر الصحابي على تفسيرها سواء أن يبتدئ الرسول صلى الله عليه وسلم أو أن يُسأل فيجيب. ضابط التفسير النبوي أن يورد آية أو يشير إليها كما سبق  في التفسير بالسنة الذي يكون غير مباشر هذا أوسع لأن أي استفادة يستفيدها المفسّر من السنة فإنها تدخل في هذا النوع ولهذا لا نحتاج إلى حصر هذه الأنواع لأن المقام الآن عندنا هو إدخال أي استفادة يستفيدها المفسر من السنة النبوية. وسأذكر مثالًا ليتبين الأمر مثل قوله سبحانه وتعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99) الحجر) فاليقين بإجماع الصحابة والتابعين وأتباعهم أنه الموت والمعنى: واعبد ربك حتى يأتيك الموت. نجد أن الطبري وبعض المفسرين يورد في تفسير هذه الآية قول النبي صلى الله عليه وسلم: أما عثمان - يقصد عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه فإذا نظرنا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم "أما عثمان فقد أتاه اليقين من ربه" ويقصد به الموت فالرسول صلى الله عليه وسلم لما قال هذا الكلام لم يكن مفسّرًا لقوله (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) فإذن استفادة المفسر هنا من هذه اللفظة التي وردت في تفسير النبي هي استفادة اجتهادية فرأى أن معنى اليقين في الحديث مفسر لمعنى اليقين في الآية وسيأتي إن شاء الله بعد أمثلة أخرى غيرها.

ولعلنا نذكر أنواع تفسير القرآن بالسنة سواء كان من التفسير النبوي أو من التفسير بالسنة غير المباشر.

·         من أنواع التفسير النبوي تخصيص العام ومن أمثلته تخصيص العام الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله الصحابة أن اليهود إذا حاضت المرأة لم يآكلوها ولم يجامعوها في بيت، المرأة تكون أشبه فيما يكون بالحجر الصحي تكون في غرفة مستقلة لا يأتيها الرجال ولا تخرج للرجال تكون في هذه الغرفة حتى تنتهي من الحيض فسئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه فأنزل الله سبحانه وتعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ (222) البقرة) فقوله سبحانه وتعالى (فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) هذا عام قد يفهم منه اعتزال النساء في المحيض في مؤاكلتهن وفي مشاربتهن وفي الجلوس إليهن وكذلك النوم معهن فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: اصنعوا كل شيء إلا النكاح، فدل على أن الرجل يجوز أن يأكل مع المرأة وأن يشرب معها وأن ينام دون أن يجامع فهذا تخصيص للعموم الذي يُفهم من قوله (فاعتزلوا النساء)

·         من أنواع التفسير النبوي بيان المجمل: ومثاله في قوله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) الحجر) فلو لم يكن عندنا بيان من النبي صلى الله عليه وسلم فإننا قد نفهم أن المراد بالسبع المثاني السبع الطوال والقرآن العظيم هو كل القرآن وهذا قد ورد عن بعض مفسري الصحابة والتابعين لكن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن هذا الإجمال الوارد في السبع المثاني والقرآن العظيم فبيّن أن المراد به الفاتحة فهي السبع المثاني وهي القرآن العظيم الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم كما سبق في الحلقة السابقة ذكر هذا الحديث عن أبي هريرة.

 

·         عندنا أيضًا إيضاح المشكل لعلنا إن شاء الله نأخذه في اللقاء القادم بإذن الله نبين به هذه الصورة من ضور التفسير النبوي وهي إيضاح المشكل بإذن الله تعالى. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل