برنامج تبيان - سورة الجن - 2

الحلقة الثانية والعشرون

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة الجنّ- 2

المقدّم: في الآيات من سورة الجنّ وقف الكلام عند قوله جلّ وعلا (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴿٦﴾) ندلف في هذه الحلقة إلى قوله جلّ وعلا (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ﴿٧﴾)

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى له وصحبه أجمعين. يقول الله جلّ وعلا (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴿٦﴾) كما قلنا في الحلقة الماضية كان بعض الإنس يستعيذون بكُبراء الجن طلبًا للعوذ وطلبًأ للعون ولإبعاد الخوف فعند ذلك يتسلّط عليهم الجن ويزيدونهم رهقًا وخوفًأ. وهناك وجه آخر ذكره بعض المفسرين وهو أن بعض الإنس يستعيذون برجال من الجن فتزيد هذه الاستعاذة هؤلاء الجن رهقًا أي تزيدهم شرًأ وطغيانًا وتجبرًا ولو كان هذا الوجه قريب إلا أن الوجه الأول أقرب منه والمهم الذي نريد تأكيده ما ذكرناه في الحلقة الماضية أن الاستعاذة هي من العبادات التي لا يجوز إلا أن تكون بالله جلّ وعلا ومن استعاذ بغير الله جلّ وعلا فإنه يسلَّط عليه ومن توكل على الله جلّ وعلا وأكثر من اللجأ إليع فإن الله يعينه ويكفيه ويكون أقوى الناس يقول شيخ الإسلام عليه رحمة الله: من سرّه أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله.

وأما قوله جلّ وعلا (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا ﴿٧﴾) أي أن هؤلاء الكفار من الطائفتين من الإنس والجن كانوا يظنون أن الله تعالى لن يبعث أحدًا في هذه الفترة لن يبعث في هذه المدة رسولًا منه جلّ وعلا فقد كانوا في فترة من الرسل وكانوا في غيّ وانحراف ولكن الله تبارك وتعالى أرسل محمدًا رحمة وهداية لهم.

(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا ﴿٨﴾ وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا ﴿٩﴾) هذا يقوله الجنّ حكاية عما كانوا عليه قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم وجدوا السماء قد ملئت بالحرس الشديد والشهب وأنهم كانوا في الجاهلية قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم كانوا يقعدون مقاعد يسترقون السمع أما الآن بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم فمن يستمع فإنه سيجد له هذا الشهاب بالمرصاد وهذا الأمر هو الذي دعاهم إلى تطلّب النبي صلى الله عليه وسلم لأن كما ذكرنا في الحلقة الماضية قال بعضهم لبعض لم يحل بينكم وبين خبر السماء إلا لأمر كائن فتطلّبوا ذلك في الأرض فلما سمعوا تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة وهو خارج من مكة إلى سوق عكاظ قالوا هذا الذي حيل بينكم وبين خبر السماء من أجله فآمنوا لما سمعوا القرآن.

(وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا ﴿١٠﴾) هذا من تمام كلام هؤلاء الجن أنهم قالوا هذا الذي حدث لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدًا لأنهم لا يعلمون الغيب ولكن في هذه العبارة التي جاءت منهم فيها أدب حيث قالوا (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) فلما ذكروا الشر لم يسندوه إلى الله جلّ وعلا وإنما أتوا به على صيغة المبني للمفعول ولما ذكروا الخير أسندوه إلى الله جلّ وعلا وهذا من الأدب. ولذلك في النصوص لا يضاف الشر إلى الله جلّ وعلا وقد قال صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بربّه "والشرّ ليس إليك" لأن الله تعالى لا يخلق شرًا محضًا والشر إنما يكون شرًا باعتبار من يضاف إليه وأما باعتبار فعل الله جلّ وعلا فإن فعل الله حكمة وعدل وخير ورحمة ولكنه قد يكون شرّا باعتبار من يضاف إليه أو باعتبار من يقع عليه وإن كان هو في أصله خير ورحمة والله جلّ وعلا إنما بتدئ عباده بالخير حتى لو لم يستحقوا ذلك. وأما الشر فإنما إذا حصل عليهم فإنما يحصل بسبب ذنوبهم أو معاصيهم كما قال تبارك تعالى (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ (30) الشورى) وهو شٌّر باعتبار ولكنه من وجوه أخرى فيه خير كثير يعلمها الناس وربما لا يعلمونها.

(وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا ﴿١١﴾) هؤلاء الجن يُخبرون عن أنفسهم وعن أقوامهم أنّ فيهم من هو صالح وفيهم من هو دون ذلك وأنهم قد تشعّبوا واختلفوا طرائق ومسالك فمن المهتدي ومنهم المؤمن ومنهم من هو دون ذلك قد جاء في بعض الآثار عن الأعمش أنه جرى بينه وبين بعض الجن حديثًا فسأل الأعمش هؤلاء الجن فيكم ما فينا؟ قالوا نعم، قال الأعمش: فما الرافضة فيكم؟ قالوا شرّنا. يقول ابن كثير عليه رحمة الله بعد أن ذكر هذا الأثر قال عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج النُزّي فقال هذا إسناد صحيح إلى الأعمش.

(وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا ﴿١٢﴾) الظنّ هنا بمعنى اليقين فهم أيقنوا أنهم لن يُعجزوا الله جلّ وعلا ولن يفوتوه ولن يهربوا منه جلّ وعلا لأن قدرته لا يمكن أن يخرج أحد منها فهو على كل شيء قدير.

(وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا ﴿١٣﴾) الله أكبر! هذا حديث هؤلاء الجن الذين أنعم الله جلّ وعلا عليهم بالهداية يقولون (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ) مباشرة وهكذا على العاقل المنصِف ينبغي له إذا سمع الهدى إذا سمع الخير أن لا يماطل ولا يؤخر ولا يجادل وإنما مباشرة يقبل عليه ويعتنقه ويعمل بما فيه لأن هذا هو الواجب عليه. وانظر إلى هؤلاء الأفاضل الذين خلّد الله تعالى ذكرهم وحكى قصتهم في قرآن يتلى إلى أن يأتي أمر الله والسبب هذا الإيمان الذي أنعم الله جلّ وعلا عليهم به، فهم يقولون (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ) مباشرة دون تلكؤ أو إبطاء. يقول الحافظ بن كثير عليه رحمة الله في هذا الموطن (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آَمَنَّا بِهِ) يقول يفتخرون بذلك وهو مفخر لهم وشرف رفيع وصفة حسنة. قالوا (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا) لا يخاف أن يُنقص من حسناته أو يُحمل عليه من سيئات غيره يعني لا يخاف ظلمًا ولا هضما.

(وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا ﴿١٤﴾ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا ﴿١٥﴾) هؤلاء الجن يقولون منا المسلمون الذين أسلموا لله جلّ وعلا ومنا القاسطون، والقاسطون جمع قاسِط والقاسِط غير المُقسط، القاسِط هو الجائر عن الحقّ، المُعرِض عنه وأما المُقسِط فهو العادل. فأما هؤلاء الذين أسلموا (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) أي أنهم سلكوا طريق الرشد وبإذن الله تعالى سيجدون ثوابه وعاقبته. وأما الصنف الثاني هؤلاء الجائرون القاسطون كانوا لجهنم حطبًا أي وقودًا تسعّر بهم نعوذ بالله! لأن النار وقودها الناس والحجارة، وقودها أهلها من الجن والإنس ووقودها الحجارة نعوذ بالله من ذلك!.

(وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴿١٦﴾ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا ﴿١٧﴾) هؤلاء لو أنهم استقاموا على الطريقة والنهج الصحيح يقول جلّ وعلا (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) أي كثيرًا أي أن الله جلّ وعلا يوسّع في أرزاقهم ويبسط لهم فيها كما قال جلّ وعلا عن أهل الكتاب (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِ (66) المائدة) وقال سبحانه عن أهل القرى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (96) الأعراف) ومما لا شك فيه أن من أعظم أسباب بسط الرزق وسعة العيش الإيمان بالله جلّ وعلا والقيام بما أمر الله به. قال الله تعالى (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ﴿١٦﴾ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) أي لنختبرهم بعد ذلك هل يستقيمون ويستمرون على الهداية أو أنهم يتنكّبون الطريق ويعودون إلى الغواية.

صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، وعضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: في الحلقة السابقة تحدثنا عن تفسير القرآن بالقرآن فما هو المصدر الثاني في التفسير؟

د. مساعد بن سليمان الطيار: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله ووصحبه والتابعين. المصدر الثاني الذي سنتبدئ به هذه اللقاءات هو التفسير بالسُنّة. ولو سأل سائل ما هو الأصل في الرجوع إلى التفسير بالسُنة؟ فالجواب قوله سبحانه وتعالى (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل) فهذا بيان إلهي في أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو المبيّن لهذا الكتاب، ولهذا فكل بيان منه صلى الله عليه وسلم فإنه يكون على جهة التفسير، وإذا ثبت عنه صلى الله عليه وسلم وجب الأخذ به. والسنّة هنا سواء كانت قولية أو فعلية أو تقريرية فإنها موضحة للقرآن وشارحة له فالمفسّر يستطيع أن يستفيد من هذه السنة بعمومها في تفسير القرآن. لكن يحسن أن ننتبه إلى أمر مهم جدًأ فيما يتعلق بهذا الموضوع وبهذا المصدر أنه يمكن أن يقسم إلى قسمين:

·         القسم الأول: التفسير النبوي يطلق عليه التفسير المباشر في السنة النبوية.

·         والثاني: التفسير غير المباشر في السنة النبوية.

والمقصود بالتفسير المباشر أو التفسير النبوي هو الذي يقصد فيه النبي صلى الله عليه وسلم التفسير صراحة وسيأتي إن شاء الله تفسيره وأما التفسير غير المباشر في السنة فهو ما يمكن أن يستفاد من السنة في بيان القرآن فيما لم يرد أصلًا بيانًا مباشرًا للقرآن. فإذن سنلاحظ أن في الأول التفسير بيبنه النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وأما في الثاني فالمفسّر هو الذي اجتهد واعتمد على كلام للنبي صلى الله عليه وسلم فجعله تفسيرًا للآية كما سيأتي إن شاء الله تفصيله.

أما التفسير المباشرفيمكن تعريفه بأن نقول أن يعمد النبي صلى الله عليه وسلم إلى آية يذكرها في كلامه أو يشير إليها ثم يبين معناها أو يقرّ أحد اصحابه على فهمه لها. من ضوابط معرفة التفسير النبوي وجود آية أو الإشارة إلى آية. وجود آية مثل قوله صلى الله عليه وسلم كما جاء عنه أنه تلا على المنبر (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ (60) الأنفال) فقال صلى الله عليه وسلم: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، رواه الإمام مسلم وغيره، فهذا تفسير قولي مباشر منه صلى الله عليه وسلم مبيّن أن أعلى القوة هو الرمي.

وأن يشير إلى آية مثل قوله صلى الله عليه وسلم مفاتح الغيب خمس ثم فسّرها بآخر آية في سورة لقمان، فقوله مفاتح الغيب خمس وهو يشير إلى قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿٣٤﴾ لقمان) فهذه إشارة إلى آية.

ومن ما ورد من إقراره لفهم بعض الصحابة وهو قليل جدًا ما ورد في الأثر المروي عن عمرو بن العاص أنه في غزوة ذات السلاسل احتلم في ليلة باردة فلما أصبح تيمم ولم يغتسل، خاف على نفسه، فلما رجعوا أخبروا الرسول صلى الله عليه وسلم فاستدعاه صلى الله عليه وسلم وسأله فأخبره عمرو عن الحدث وأن الليلة كانت شديدة البرد فخشي على نفسه وتأوّل وقل الله سبحانه وتعالى (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ (29) النساء) يقول: وذكرت قول الله (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ) فتيممت ثم صلّيت قال: فضحك ولم يقل شيئًا فهذا يعتبر من الإقرار ولكنه قليل جدًا جدًا. وبما أن العلماء ذكروا أن هذا من أقسام السُنّة فإننا نذكره وما دام الرسول صلى الله عليه وسلم قد سمع من هذا الصحابي هذا الفهم ولم يعترض عليه دلّ على صحة فهمه رضي الله تعالى عنه. فهذا النوع من التفسير نقول عنه تفسير نبوي مباشر لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذُكرت عنده آية ففسرها صلى الله عليه وسلم وبيّن معناها أو فسرها ذلك الصحابي وبيّن معناها ولم يعترض عليها النبي صلى الله عليه وسلم، هذا النوع من التفسير قليل.

ويأتي بعده النوع الآخر وهو التفسير بالسنة غير المباشر وضابط هذا النوع أن يربط المفسر الحديث بالآية دون أن يكون في الحديث تفسير صريح للنبي صلى الله عليه وسلم لهذه الآية. إذن نقول  أن يفسر المفسر بآية من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد من النبي صلى الله عليه وسلم في سياق التفسير وهذا تحته أنواع هو والذي قبله الذي هو التفسير النبوي ولعلنا نفصل في هذه الأنواع الموجودة في التفسير النبوي المباشر والتفسير غير المباشر الذي يكون بالسُنة النبوية.

فمثلاً التفسير النبوي كما هو ظاهر من تعريفه يحمل القصد المباشر من النبي صلى الله عليه وسلم لبيان معنى الآية. هذا النوع ليس للمفسر فيه إلا النقل فهو من التفسير المنقول البحت الذي يستوي فيه المفسر من الصحابة والمفسر ممن جاء بعدهم والصحابي له مزية النقل أي أنه هو الذي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وسمع منه صلى الله عليه وسلم لكن في فهم المعنى المترتب على هذا التفسير يستوي فيه الصحابي وغيره. من أمثلة ما ابتدأ به الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة ففسر لهم قوله سبحانه وتعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) الحجر) وقد أخرج البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم. فنلاحظ أن النبي صلى الله عليه وسلم هنا ابتدأ بالتفسير دون أن يقع هناك سؤال أو استشكال وكذلك أيضًأ في قوله (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) مريم) روى أبو سعيد الخدري قال صلى الله عليه وسلم: يؤتى بالموت كهئة كبش أملح فينادي منادٍ يا أهل الجنة فيشرئبّون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه ثم ينادي أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه، قال: فيذبح ثم يقول يا أهل الجنة خلود فلا موت ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ) قال: وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا وهم لا يؤمنون. فهذا منه صلى الله عليه وسلم بيان ابتدائي لبعض آيات القرآن.

 

وهناك نوع أن يقع سؤالات من الصحابة رضي الله تعالى عنهم للرسول صلى الله عليه وسلم في بعض معاني القرآن كما في قوله سبحانه وتعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) آل عمران) فقد ورد في صحيح مسلم عن مسروق أنه قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية فقال أما إن قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم والسؤال جاء لغرابة المعنى فقوله (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ) قد ماتوا، فينفي الله سبحانه وتعالى عنهم الموت ويُثبت لهم الحياة فما نوع الحياة التي أثبتها الله لهمّ؟ هذا الذي وقع عليه السؤال فقال صلى الله عليه وسلم: أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالعرش تسرح حيث شاءت ثم تأوي إلى تلك القناديل فاطلع عليهم ربهم اطلاعاً فقال هل تشتهون شيئًا؟ إلى آخر الحديث، فهذا أيضًا من التفسير النبوي المباشر الذي يقع بعد سؤال من الصحابة.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل