برنامج تبيان - سورة الجن - 1

الحلقة الواحدة والعشرون

href="https://t.co/tSwH1Ih79O" target="_blank">https://quranradio.box.com/shared/static/j9k39q685mxpm0wl57ly.mp3 

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة الجنّ- 1

المقدّم: نبتدئ بمشيئة الله تعالى في هذه الحلقة بتفسير سورة الجن. نريد مدخلًا نتعرف فيه على هذه السورة.

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى له وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واهدنا لكل خير وجنّبنا كل شر واجعلنا هداة مهتدين. سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

سورة الجن تسمى بهذا الاسم لأن فيها ذكر قصة الجن واستماعهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ الوحي. وهي سورة مكية كما يُفهَم من قصة الجن التي نزلت لها هذه السورة. عدد آي هذه السورة ثمان وعشرون آية. وأما موضوع هذه السورة فهو حديث عن استماع الجنّ للنبي صلى الله عليه وسلم وكيف أنهم آمنوا وصدّقوا بما استمعوا إليه من الهدى والقرآن وكيف عادوا إلى قومهم منذرين.

(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا ﴿١﴾) قصة استماع الجن إلى النبي صلى الله عليه وسلم جاءت في عدد من الآثار والأحاديث عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم ومن أصحّها ما جاء في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: انطلقَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم في طائفةٍ من أصحابِه عامدِين إلى سوقِ عُكَاظٍ، وقد حِيلَ بين الشياطينِ وبين خبرِ السماءِ وأُرْسِلَتْ عليهمُ الشُّهُبُ فرجعتِ الشياطينُ إلى قومِهم فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيلَ بيننا وبين خبرِ السماءِ، وأُرسِلَتْ علينا الشُّهُبُ، قالوا: ما حال بينكم وبين خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدثَ، فاضربوا مشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبرِ السماءِ". والمراد من ذلك أن الجن كانوا يسترقون السمع كما أخبر الله تبارك وتعالى في هذه السورة عنهم أنهم كانوا يقعدون مقاعد للسمع فكانوا يسترقون السمع من السماء، الكلمة من الوحي فيعودون بها وربما أخبروا بها الكُهّان فيُخبر الكاهن بها ويضيف معها تسعًا وتسعين كذبة فيصدّقه الناس بعد ذلك ويقولون أليس قد قال لكم يوم كذا كذا وكذا؟ فيصدّقونه ويغترون به. الجن كانوا يقعدون مقاعد للسمع يسترقون فلما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم حيل بينهم وبين ذلك وأرسلت عليهم الشهب فاستغربوا هذا الأمر وانطلقوا يسألون عن هذا الأمر الذي قد حدث وانطلقوا في مشارق الأرض ومغاربها يبتغون هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء. يقول ابن عباس رضي الله عنهما: "فانصرفَ أولئك الذين توجَّهوا نحو تِهامَةَ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم" لأن كل طائفة منهم انصرفت إلى جهة من جهات الأرض وانصرف طائفة منهم إلى تهامة يقال أنهم كانوا سبعة من جنّ النصّيبين فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكان يقال له نخلة ونخلة موضع بناحية مكة بين مكة والطائف ولا يزال معروفًا وجدوه يصلي بأصحابه صلاة الفجر "وهو بنخلةَ، عامدين إلى سوقِ عُكَاظٍ، وهو يصلِّي بأصحابِه صلاةَ الفجرِ، فلما سمِعوا القرآنَ استمَعوا له، فقالوا: هذا واللهِ الذي حال بينكم وبين خبرِ السماءِ، فهنالك حين رجعوا إلى قومِهم، فقالوا: يا قومَنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا. فأنزلَ اللهُ على نبيِّه صلى الله عليه وسلم: قل أوحي إلي وإنما أُوحِيَ إليه قولُ الجنِّ." والحديث مخرّج في الصحيحين والسُنن والمسانيد.

ثم قال تبارك وتعالى (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا ﴿٢﴾) هذه الآية تبعٌ للآية الأولى حيث أمر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر الناس أنه أوحي إليه أن نفرًا من الجن استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن فقالوا (فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا) هذا القرآن وصفه هؤلاء الجن بعدة صفات: بأنه عَجَب لما فيه من الإرشاد والهدى والأخبار التي لا يمكن أن تكون من البشر ولا من المخلوقين والصفة الثانية أنه (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ) وهذا كما قال الله تبارك وتعالى (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ (9) الإسراء) وهؤلاء الجن الذين فتح الله تبارك وتعالى على قلوبهم وأنار بصيرتهم قالوا عن القرآن أنه يهدي إلى الرشد فما كان منهم إلا أن قالوا (فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) ولاحظ هذا التعبير أنهم استمعوا إلى القرآن الذي يهدي إلى الرشد مباشرة قالوا (فَآَمَنَّا بِهِ) ولذلك جاء التعبير بالفاء التي تفيد الترتيب مع التعقيب مباشرة، فحين استمعوا قال (فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا). أولًا (فَآَمَنَّا بِهِ) هذا خبر عن ما مضى (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) هذا خبر عن المستقبل والاستقامة على هذا الإيمان الذي وجدوه. في هذا التعبير (وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا) صيغة من صيغ العموم كما هو معروف عند الأصوليين النكرة في سياق النفس تفيد العموم لن نشرك بربنا أيّ أحد صغيرًا أو كبيرًا، ملكًا أو نبيًا أو جنيًا أو إنسيًا، لن نشرك بربنا أحدا.

ثم قال تبارك وتعالى عنهم (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا ﴿٣﴾) هؤلاء الجن الذين أنار الله بصيرتهم قالوا أن الله جلّ وعلا تعالت عظمته وتقدست أسماؤه ما اتخذ صاحبة أي زوجة ولا ولدا، لم يتخذ جلّ وعلا لا ولد ولا صاحبة.

ثم قالوا بعد ذلك (وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا ﴿٤﴾) بعض المفسرين قالوا أن المراد بالسفيه هنا إبليس وبعضهم قالوا اسم جنس يعمّ كل سفيه عندهم وأيًا ما كان فالقولان متقاربان فالمقصود أن من كان سفيهًا منهم ضالًا منحرفًا أنه كان يقول على الله قولًا في شطط، فيه بُعد، فيه ظلم، فيه جور.

ثم قالوا (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴿٥﴾) كانوا يظنون أن أحدًا لن يقول على الله قولًا فيه كذب فيدّعي له الصاحبة أو يدّعي له الولد، كانوا يحسنون الظن بهؤلاء الكبراء ويظنون أنهم لن يقولوا على الله قولًا فيه زيغ أو انحراف أو كذب.

ثم قال تبارك وتعالى (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ﴿٦﴾) هذا حكاية حال الإنس مع الجن، ومما هو معروف في الجاهلية أن الإنس كاتوا يستعيذون بالجن ويلجأون إليهم، قد جاء في عدد من الآثار أن بعض الإنس كانوا إذا خرجوا في سفر فإذا نزلوا في واد قال قائلهم أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهاء قومه، يقصد عظيم هذا الوادي من الجن يعوذ به من سفهاء قومه. قال الله تعالى (فَزَادُوهُمْ رَهَقًا) أن الجن زادوا الإنسان رهقًا وخوفًا لما استعاذوا بهم. وقد جاء في بعض الآثار وهذا من الطائف أن الجن كانوا يفرقون أي يخافون من الإنس فإذا سمعوهم قالوا هذا الكلام قال بعضهم لبعض إن الإنس لتفرق منا (أي الإنس يخافون منا) عند ذلك يتسلطون عليهم. ولا شك أن الاستعاذة بغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يجوز ويُخرج الإنسان من الملّة فما يصنعه بعض الناس من الاستعاذة بالجن ومثل ذلك الاستعاذة بالإنس أيضًا فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى أن هذا من الخطأ والإنحراف والشرك الأكبر الذي يخرج الإنسان من الملة. فبعض الناس إذا خاف أو حصلت عنده مشاكل أو حصلت عنده ضائقة لجأ إلى هؤلاء السحرة أو الكهان الذين يدلونه على الشرك ويهونونه عليه وربما سموه بغير اسمه أو أعطوه طلاسم وإشارات ورموز أو أحراز فيها شيء من الشرك وهذا كله مما لا يحلّ وهو مما يزيد الإنسان رهقًا، مما يزيده خوفًا واضطرابا. ووما ينبغي أن يُعلم أن أقوى الخلق المؤمن وأضعفهم هذا الإنسي الذي يستعيذ بالجن، الجن يخافون من المؤمن لكنهم يتسلطون على الضالّ والمنحرف وهذا معروف في عشرات بل مئات الشواهد والقصص وأيضًا هو موجود مؤصل في النصوص فكلما كان الإنسان أعظم ثقة بالله ولجوءًا إليه وركونًا إليه فإن الجن تخافه وتهابه ولا تستطيعه بل وتفر منه وانظر إلى نموذج من أفاضل المؤمنين عمر الذي ما سلك عمر فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غير فجّ عمر. وكذلك سائر المؤمنين رجالًا ونساء، صغارًا وكبارًا إذا كان القلب ممتلئًا بخوف الله خافه بعد ذلك كل أحد ومن توكل على الله كفاه الله كل أحد وأما إذا كان القلب فيه شعبة من الخوف من غير الله أو التوكل على غير الله أو الاستعانة بغير الله أو الاستعاذة بغير الله عند ذلك يتسلط عليه هذا المخلوق الذي أراد منه المدد.

صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، وعضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: في الحلقة الماضية عرفنا مجالات استفادة المفسّر من تفسير القرآن بالقرآن منها كما ذكرتم الاستفادة منه في مجال الترجيح، ترجيح الأقوال ومنه أيضًا مجال جمع الآيات المتناظرة في المعنى.

د. مساعد بن سليمان الطيار: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. كما سبق أن ذكرنا أن عندنا نوع خاص من أنواع البيان ويمكن أن نسميه من أبواب التفسير الخاص وهو تفسير آية بآية أننا لا نفهم معنى آية إلا بآية أخرى. ثم ما عدا ذلك مما يتوسع فيه المفسرون وهو كما قلت مجالات متعددة وكثيرة وسبق أن ذكرنا بعض هذه الأنواع أو هذه المجالات وهو يشير كما قلنا إلى أن جمع الآيات وربط بعضها ببضع قد يكون من باب تفسير آية بآية وقد يكون أوسع من ذلك وذكرنا كلام قتادة في فوائد النجوم التي ذكرها الله سبحانه وتعالى وذكرنا في الحلقة الماضية عصى موسى عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه وتعالى مرة وصفها أنها حيّة ومرة وصفها أنها ثعبان ومرة وصفها بأنها جان وهذه الأوصاف هي لشيء واحد وهي عصى موسى عليه السلام وبيّن العلماء سبب هذا الاختلاف في التعبير عن العصى.

يمكن أن نأخذ أيضًا من الأمثلة في هذا الباب وتوسع المفسرين في ربط آية بآية ما يمكن أن نقول "نظائر المعاني" يعني معنى هذه الآية نظير معنى هذه الآية مثل ما أورد الطبري بسنده عن مجاهد عن قول الله سبحانه وتعالى في سورة يونس (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) يونس) قال هي نظير قوله سبحانه وتعالى (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) هود) فإذن جعل هذه الآية نظير هذه الآية في المعنى فمثل هذا إنما هو من باب جمع النظائر في المعاني ولذا قال مجاهد هو مثل قوله تعالى كذا وهذا الذي يوجد في كتب الوجوه والنظائر أن هذه الآية نظير هذه الآية.

أيضًأ مما يمكن أن يُجعل من باب النظائر في المعاني ما ورد عند الطبري عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله سبحانه وتعالى في سورة النازعات (فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ (18)) قال إلى أن تُسلم، إذن فسّر التزكّي هنا بالإسلام، ثم قال: والتزكي في القرآن كله الإسلام وقرأ قول الله سبحانه وتعالى (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ مَن تَزَكَّىٰ (76) طه) وقرأ أيضًأ قول الله سبحانه وتعالى في سورة عبس في قوله سبحانه وتعالى (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ (3) عبس) وكذلك قوله (وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ (7) عبس) قال كلها أن لا يُسلم. فإذن ابن زيد جمع النظائر كلها وجعل معنى التزكي هو الإسلام فإذن حقيقة عمل ابن زيد هو أنه جعل هذه الألفاظ التي أوردها، ألفاظ التزكي بمعنى واحد وهو الإسلام فيمكن أن نقول أن هذه الآية نظير هذه الآية نظير هذه الآية...

 

أيضًا من الاستفادات التي وقعت عند المفسرين ما يمكن أن نسميه تسلسل المعاني. وتسلسل المعاني هو أن يذكر المفسر معنى من خلال آية ثم نجد أنه يذكر ما يتعلق بهذا اللفظ في آية أخرى وإن لم يكن من نفس الباب، مثال ذلك عند الأمير الصنعاني: البقعة المباركة وصفها الله لما أفاض تعالى فيه من بركة الوحي وكلام الكريم فيها كما وصف أرض الشام بالبركة حيث قال في سورة الأنبياء (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) الأنبياء) فنحن الآن نلاحظ أن البقعة المباركة وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها بقعة مباركة ببركة الوحي الذي نزل فيها وتكليم موسى عليه السلام هناك. ثم ذكر ما يوصف بأنه مبارك في القرآن فذكر أرض الشام كما ورد في سورة الأنبياء ثم ذكر في وصف البيت العتيق في قول الله سبحانه وتعالى (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) آل عمران) ثم أيضًا ذكر الصنعاني وصف الله سبحانه وتعالى لشجرة الزيتون بالبركة في سورة النور في قوله سبحانه وتعالى (يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ (35) النور) فإذن ما هو الجامع بين هذه الآيات؟ الجامع بين هذه الآيات أن كل آية مرتبطة بموضوع لا علاقة له بالآخر هو أنه وقع تسلسل في الحديث عن مادة البركة في القرآن وما الذي وصف بالبركة في القرآن، فهذا ليس من باب التفسير الخاص وإنما هو في الحقيقة إما من باب جمع النظائر أو يريد أن يذكر ما ورد من هذه اللفظة في القرآن من التسلسل في قضية البركة وأمثالها. لو أن باحثًا أراد أن يستوعب أو يستقرئ استفادة المفسرين من القرآن فإنه سيجد أنواعاً كثيرة جدًا جدًا من هذه الأنواع التي يستفيدها المفسرون من القرآن. ما ذكرته من ربط آية بآية غير وجه التفسير فإنه يدخل في باب الاستفادة من القرآن وهذا باب يكاد لا ينتهي. وأذكر أيضًا من باب التنبيه على ذلك ما يقع من الاستدلال والاستشهاد والتنزيل على الواقع بمعنى أن نستدل بآية على واقع معين وهذا نوع من أنواع الاستفادة من القرآن لأن الاستشهاد أو الاستدلال أو تنزيل الآية على الواقع هو في الحقيقة نوع من الاستفادة من الآيات في هذا المجال. مثال ذلك ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طرق فاطمة وعليًا عليهما السلام ليلاً فقال صلى الله عليه وسلم لهما ألا تصلّون؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا، قال فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قلت ذلك ولم يرجع ليه شيء ثم سمعه عليّ وهو يضرب فخذه وهو يقول (وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) الكهف) فإذن الرسول صلى الله عليه وسلم نزّل هذه الآية على هذه الواقعة التي حدثت مع علي بن أبي طالب وهي نوع من الاستفادة من القرآن وجمع مثل هذا كثير ولا يكاد ينتهي. ولهذا نقول في نهاية هذا الموضوع إن من نظر إلى أنواع الاستفادات التي يستفيدها المفسر من القرآن فإن هذا مجال من المجالات الواسعة جدا في تدبر القرآن ولهذا من عنده حرص على تدبر القرآن عليه أن يجعل هذا النوع من أنواع ربط الآيات بعضها ببعض أن يجعله من الأعمال التدبرية التي يقوم بها. ولهذا لو أراد أن يجمع مثلًأ وصف الهدى في القرآن وينظر ويقسم مسائل الهدى في القرآن سيجد أنه أمام بحث كبير جدًا من الآيات التي يمكن أن يستفيدها. على سبيل المثال لو تأمل القارئ للقرآن قول الله سبحانه وتعالى (وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) الروم) نفي عنهم العلم ثم قال (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) الروم) فقوله سبحانه وتعالى في سورة الروم لما ذكر هذه القضية قال سبحانه وتعالى (وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) فنفى عنهم العلم ثم قال (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ) فأثبت لهم علم الدنيا فقط ونفى عنهم علم الآخرة. شبيه هذا المعنى في سورة النجم لما قال الله سبحانه وتعالى (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ (30) النجم) فإذن الدنيا هي مبلغهم من العلم وكذلك في سورة الوم قال الدنيا هي مبلغهم من العلم ثم قال (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ) فهذا مجال كبير جدًا ورحبٌ لجمع النظائر في الألفاظ والنظائر في المعاني وتسلسل المعاني التي يرتبط بعضها برقاب بعض مثلما ذكرنا في قضية البركة التي أشار إليها الأمير الصنعاني، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقني وإياكم لتدبر كتابه وأن نستفيد من هذه الدروس التأصيلية في تفسير القرآن والاستفادة منها في تدبره.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل