برنامج تبيان - سورة نوح - 2

الحلقة 19

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة نوح- 2

المقدّم: في اللقاء الماضي وقف بنا الكلام عند قوله تبارك وتعالى من سورة نوح، قال جلّ وعلا (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾)

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. مضى معنا أن هذه السورة التي تسمى بسورة نوح هي قد أُخلصت للحديث عن قصة نوح عليه السلام ودعوته لقومه وما أجابه قومه به من الإعراض والصدود وكيف كانت عاقبتهم. يقول ربنا جلّ وعلا في بيان دعوة نوح بعد أن بيّن أنه دعا قومه جهارا وأنه أعلن لهم وأسرّ لهم إسرارًا قال (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴿١٣﴾ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴿١٤﴾) إلى آخر الآيات. في هذه الآيات يقول نوح عليه السلام لقومه استغفروا ربكم، اطلبوا مغفرته وتوبوا إليه. في تخصيص هذا الاسم الكريم(رَبَّكُمْ) أنك يا عبد الله تستغفر ربك الذي خلقك ورباك بالنعم فهو ولي نعمتك جلّ وعلا. ثم قال (إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) هذا ترغيب في الاستغفار لأنهم يستغفرون ربا من صفته أنه كثير المغفرة لمن طلبها من عباده ومن رغب إليه جلّ وعلا وأناب واستعتب وترك ما هو عليه من السيئات. ثم رغّبهم عليه السلام في وجه من وجوه الترغيب (يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) السماء المقصود بها المطر والمدرار كثير الدرّ، كثير الهطول، كثير النزول. ثم قال جلّ وعلا (وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) هذه من نعم الله جلّ وعلا على عباده أن يمدّهم بأموال متعددة وببنين وهذه من أعظم بهجة الحياة الدنيا. وفيها إشارة من جهة أخرى أنها قد تكون سببًا من أسباب الضلال لمن لم يقم بحق الله جلّ وعلا فيها ولم يشكره سبحانه وتعالى على هذه النعم. ثم قال جلّ وعلا (وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) الجنات جمع جنة وقد مضى بيانها والجنة هي البستان الملتف الأشجار عظيم الشجر سمي الجنة من الاجتنان وهو من الاستتار لأنه يستر ما بداخله. قال (وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ) بساتين (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) نسأل الله تعالى الكريم من فضله. فنوح عليه السلام يذكر قومه بهذه النعم حتى يتوبوا إلى الله جلّ وعلا وينيبوا إليه يستغفروه.

ثم قال جلّ وعلا (مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴿١٣﴾)

هذا عتاب من نوح عليه السلام لقومه، يقول لهم معاتبا ما لكم يا قوم لا ترجون لله وقارا أي لا تعظمونه ولا توقرونه ما يستحق من التوقير جلّ وعلا ومن صفة القوم المشركين أن تعظيم آلهتهم وأندادهم وأوثانهم وشركائهم أعظم في نفوسهم من تعظيم الله جلّ وعلا. ولذلك تجدهم ربما إذا حلف أحدهم بغير الله فإنه لا يحلف إلا إذا كان صادقًا أما إذا حلف بالله فقد يحلف صادقًأ أو كاذبًا فإن هذا مظهر من مظاهر عدم تعظيم الله جلّ وعلا في القلب وتوقيره. قال (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا ﴿١٤﴾) يعني ما لكم لا ترجون لله وقاراً وهو سبحانه وتعالى قد خلقكم أطوارا، أي طورا بعد طور فقد كنتم نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم أخرجكم من بطون أمهاتكم وينشأ الإنسان في البداية طفلًا ثم شابًا ثم شيخًا ثم يعود مرة أخرى يخرجكم طورًا، من طور إلى طور وهذا معروف وملحوظ وكل الناس يدركونه، فنوح عليه السلام استدل بما يعرفه هؤلاء الأقوام فنبههم إلى هذه الأنعام التي يعترفون أنها من الله جلّ وعلا إذا كان ذلك من الله فما لكم لا ترجون لله وقارا؟!

ثم قال تبارك وتعالى (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا ﴿١٥﴾ وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا ﴿١٦﴾) أنتم ترون (الهمزة للتقرير) أن الله قد خلق سبع سموات طباقا والرؤية هنا قد تكون رؤية بصرية لأنهم يشاهدون السماء الدنيا ورؤية علمية لما بعد هذه السماء الدنيا فالله جلّ وعلا قد خلق هذه السموات السبع طباقا بعضها فوق بعض وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجًا فالقمر نور لأنه مضيء لكن الشمس سراج لأنها تتوهج لأنه تشع فذكرها بهذا الوصف الذي هو وصف السراج.

ثم قال تبارك وتعالى (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا ﴿١٧﴾ ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا ﴿١٨﴾ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴿٢٠﴾) هذا أيضًا لا يزال الحديث متصلًا في تذكير نوح عليه السلام قومه بما أنعم الله جلّ وعلا عليهم من النعم وأن من أنعم بهذه النعم هو الذي يستحق أن يُفرَد بالعبادة دون من سواه. فقال (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا) لأن الله تعالى قد خلق أبانا نوح من الطين فهو خلقه من الأرض وذريته قد تناسلوا من بعده عليه السلام. ثم يعيدكم فيها لأن الناس يموتون ويدفنون في داخل قبورهم في الأرض ويخرجكم إخراجا يبعثكم يوم القيامة للبعث والنشور. (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا ﴿١٩﴾ لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا ﴿٢٠﴾) هذا أيضًا وجه آخر من وجوه امتنان الله على عباده أنه جعل لهم الأرض كالبساط ممهدة حتى يسلكوا منها طرقا فجاجا، يسلكوا طرقًا وسبلا حتى يكتمل عيشهم وينتظم أمرهم ويسهل الانتقال من مكان إلى مكان آخر. ولاحظ ابتداء الآيات بلفظ الجلالة (والله أنبتكم، والله جعل) تقديم لفظ الجلالة يفيد الاهتمام ويفيد التعظيم ويفيد الابتداء بهذا الاسم الكريم أنه جلّ وعلا هو وليّ هذه النعم فلما كان الأمر يراد به إثبات أن الله تعالى هو الممتن بهذه النعم قدم اسمه الكريم قبل هذه الأفعال وقبل تعداد النعم.

في هذه الآيات فيها إشارات نفيسة ومفيدة في الدعوة إلى الله جلّ وعلا ينبغي للدعاة إلى الله أتباع الأنبياء والرسل أن يستفيدوا منها، ذلك أن الله جلّ وعلا حين قص علينا قصة نوح في هه السورة الكريمة إنما لنمتثل ما فيها من العظات والعبر، من الفوائد:

·         الفائدة الأولى: ينبغي للداعية إلى الله جلّ وعلا أن يستفرغ وسعه وطاقته وجهده ليله ونهاره بالدعوة إلى الله جلّ وعلا فهذا نبي الله نوح عليه السلام يقول (قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا ﴿٥﴾ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا ﴿٦﴾ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ﴿٧﴾ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ﴿٨﴾ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا ﴿٩﴾) فأتى على كل أنواع وأوقات الزمن فاستفرغها في الدعوة إلى الله فينبغي للدعاء أن يكونوا على هذا النحو. وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قال له ربه (يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ﴿١﴾ قُمْ فَأَنْذِرْ ﴿٢﴾ المدثر) فلم يزل صلى الله عليه وسلم قائمًا بأمر الله يدعو إلى الله حتى قبضه ربه جلّ وعلا ولحق بالرفيق الأعلى.

·         من الفوائد في هذه السورة أنه ينبغي للداعية أن يتلطف مع المدعويين وأن يستميل قلوبهم فهذا نوح عليه السلام يقول مخاطبًا هؤلاء المدعويين (قَالَ يَا قَوْمِ) ومخاطبتهم (يا قوم) فيه تليين لقلوبهم إذ هم قومه وهو حريص عليهم وحريص على مصلحتهم وحريص على أن يبتعدوا عن ما يضرهم.

·         أيضًا ينبغي للداعية أن يبيّن للمدعويين ما يستفيدون به في العاجل، ما ينتفعون به في العاجل والآجل حينما يستجيبون لأمر الله جلّ وعلا فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ﴿١٢﴾) وهذه لا شك أن من ثمار الطاعة تيسير أمر العبد وسعة الأرزاق وبسط العيش وكثرة الولد وصلاح الذرية. فالداعية إلى الله جلّ وعلا ينبغي أن يبين للمدعوين هذه الآثار التي تترتب على هذه الدعوة. جاء في الأثر أنه جاء رجل إلى الحسن البصري فشكى إليه الفقر فأمره بالاستغفار وجاءه آخر فشكى إليه ف أنه لا يولد له أمره بالاستغفار فقيل له في ذلك: يا أبا سعيد إنك فعلت كذا وكذا فقال إن الله جلّ وعلا يقول (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ﴿١٠﴾ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ﴿١١﴾ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ). وفي هذه الآيات من الفوائد أنه ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رُفع إلا بتوبة يعرف ذلك من عرف قدر ربه ومن عرف تضييع نفسه ولذلك جاء في سيد الاستغفار: أبوء بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي فاغفر لي. وهذا أكرم الخلق وأتقاهم وأعلمهم بربه جلّ وعلا صلى الله عليه وسلم يقول: والله إني لأتوب إلى الله وأستغفره في اليوم أكثر من مائة مرة وكان يحُصى له في المجلس الواحد كذا وكذا من الاستغفار وهو صلى الله عليه وسلم من قال له ربه (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ﴿٢﴾ الفتح) فمن كان بربه أعلم كان أكثر استغفارًا وأكثر لجأ إلى الله جلّ وعلا.

صفحة أصول التفسير – د. مساعد بن سليمان الطيار

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود، وعضو الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: في هذه الحلقة نسعد في إكمال النوع الثالث من تفسير القرآن بالقرآن.

د. مساعد بن سليمان الطيار: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله. كنا تكلمنا عن أنواع تفسير القرآن بالقرآن التي تعتبر حجة وهي قضية الحجية في تفسير القرآن بالقرآن. عندنا النوع الأول الذي ذركناه ما لا يتصور الخلاف فيه وغالبا هذا النوع أن يأتي لفظ ثم يأتي تفسير بعده تفسيره بعده مثل قوله تعالى (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٦٢﴾ يونس) بيّن أوصاف هؤلاء قال (الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴿٦٣﴾) أو قوله تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ آل عمران) قال (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾) ثم أكمل أوصافهم. عندما يأتي هذا النوع فهذا لا يتصور فيه وقوع خلاف وهو شبيه الإجماع وهذا بلا ريب حجة، وقد ذكرنا في تفسير الطارق أن المراد بالطارق النجم الثاقب وهذا لا يتصور أن يقع فيه خلاف ويكون شبيهًأ بالاجماع .

النوع الثاني ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يعتبر حجة لأنه وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم وسبق أن ذكرنا أمثلة وأشهر الأمثلة قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ (82) الأنعام) فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴿١٣﴾ لقمان) فكأن المراد بالظلم في آية الأنعام الشِرك.

النوع الثالث: تفسير المفسرين بدءا من الصحابة ومن بعدهم وهذا يعتبر بالاجتهاد وهو كثير جدًا وهذا النوع الذي يعتبر بالاجتهاد الأصل فيه ما دام في محيط الاجتهاد الأصل فيه أن يُعمل معه ما يعمل مع الأقوال التي تكون بالاجتهاد على حسب طبقات المفسرين والكلام يأتي في موضوع كيفية التعامل مع أقوال المفسرين خصوصا من أقوال الصحابة والتابعين. لكي نبين مثالا: إذا جاءك تفسير عن عمر بن الخطاب فيه تفسير القرآن بالقرآن وتفسير عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فأيهما أقوى بالنسبة لك؟ لا شك أن عمر بن الخطاب وعلو كعبه في العلم أعلى مقاما من عبد الرحمن بن زيد، فمثل عمر بن الخطاب فلا شك أنه يقدّم في هذا الباب. كلامنا الآن تصوير للفكرة فقط وإلا تحرير الأمثلة له شأن آخر ليس هذا مجاله الآن. فإذن المقصود أن ما يفسر به المفسر ليس الأصل قبوله مثل النوعين الأولين وإنما يُقبل بطرائق قبول أقوال المفسرين ولا يُحتج علينا بأن عمر بن الخطاب فسر آية بآية أو أن عبد الرحمن بن زيد فسّر آية بآية، كونه فسر آية بآية لأنه هو رأى أن هذه الآية ترتبط بهذه الاية. ولذلك يقع خلاف بين المفسرين في المراد بمعنى آية وبعضهم يستشهد بآية وبعضهم لا يستشهد ويكون المعنى الصواب مع القول الذي لم يستشهد بآية وهذا موجود وله أمثلة كثيرة أذكر منها على سبيل المثال ما ذكره الإمام الطبري في تفسير قوله سبحانه وتعالى (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ﴿١٨﴾ مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ﴿١٩﴾ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾ عبس) السبيل ورد عن جماعة من الصحابة والتابعين وأتباعهم وهو قول الجمهور منهم المراد به سبيل خروجه من بطن أمه كأنه طريق خروجه من بطن أمه وورد عن بعضهم المراد سبيل الخير والشر واستشهد بقول الله تبارك وتعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴿٣﴾ الإنسان) فهذا من باب بيان معنى السبيل المجمل في قوله سبحانه وتعالى (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ﴿٢٠﴾ عبس) فإذن احتمل السبيل أن يكون طريق خروجه من بطن أمه واحتمل أن يكون المراد به طريق الخير والشر، والأولون وهم الجمهور لم يستدلوا إلا بالسياق لأن السياق كان يتحدث عن حقوق الإنسان والآخرون وهم قلة استدلوا بآية والطبري رحمه الله ما قدّم رأي من استدل بآية لأن معه نص من القرآن لأن هذا مرتبط بالاجتهاد فهو هكذا فهم معنى الآية على هذا الوجه ثم حمله على الآية الأخرى، فهذا نوع من الاجتهاد.

ولعلنا نتكلم عن هذا النوع من الاجتهاد وهو التفسير الاجتهادي للقرآن بالقرآن. ما دام هناك اجتهاد في تفسير القرآن بالقرآن فإذن معنى ذلك أننا لسنا ملزمين بالقول لأنه من باب تفسير القرآن بالقرآن وإنما نكون ملزمين به لعلل أخرى. فالمقصود عندنا الآن أننا لا نلتزم بالقول الذي فسّر القرآن بالقرآن لأنه فسّر آية بآية ولكن نلتزم به لوجوه أخرى. والدليل أيضًا على ذلك وهي مسألة أخرى مرتبطة بتفسير القرآن بالقرآن أن أهل البدع قد يفسرون القرآن بالقرآن فلو جعلنا تفسير القرآن بالقرآن حجة مطلقة دون أن نذكر التقسيمات إذن كيف سنتعامل مع التفسيرات المبتدعة؟! ولهذا نجد أن بعض المبتدعة فسّر قول الله سبحانه وتعالى (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴿٢٢﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴿٢٣﴾ القيامة) وهم المعتزلة قالوا إلى ربها ناظرة تنتظر ثواب ربها وليس تنظر إلى ربها كما فهمها بعض المفسرين، هكذا يقول المعتزلة ثم يستدلون بقوله (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ (103) الأنعام) فكأنه يقول: نفى أن تدركه الأبصار، هذا فهمه لكن المقصود أنه حمل آية على آية فهل معنى ذلك أن نقول أن تفسيره هذا صواب؟ لا شك أنه خطأ، أولًا لأنه فهم معنى الآية الأولى على وجه ثم فهم معنى الآية الثانية على وجه وربط بين الوجهين بناء على اعتقاد عنده فهو اعتقد ثم فسّر فحمل معاني الآيات على اعتقاده وجعل هذه الآية تفسر تلك الآية على اعتقاده. إذن هنا عندنا مشكلة عند بعض أهل البدع بأنه يحمل آية على آية. والمقصود فقط التنبيه على أنه لو كان حمل الآية على الآية من حيث هو حجة مطلقة لوقعنا في تناقضات كثيرة وإنما نقول إن هذا من باب التفسير الاجتهادي وهو يُقبل أو يُرد على حسب قوة هذا التفسير كغيره من التفاسير.

مسألة أخرى لو نظرنا كيف يكون تفسير القرآن بالقرآن؟ بمعنى أنني حينما أربط آية بآية لا يمكن أربط آية بآية إلا وعندي معتمد في الربط وأنا لا أتكلم الآن عن نوع واحد وهو النوع الأول أو الثاني أو الثالث وإنما أتكلم عن جميع الأنواع. لما ذكر الله سبحانه وتعالى في قصة لوط عليه السلام مع قومه نجد الله سبحانه وتعالى وهو يذكر هذه القصة والعذاب الذي حصل لقوم لوط من رميهم بحجارة السجيل قال الله سبحانه وتعالى وهو يذكر ما وقع من عذاب لقوم لوط قال (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) هود) هذه الحجارة من سجيل منضود بيّن الله سبحانه وتعالى في سورة الحجر أن هذه الحجارة إنما هي طين فقال سبحانه وتعالى في نفس القصة في موطن آخر وهي سورة الحجر قال سبحانه وتعالى (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ﴿٧٤﴾) فسماها أيضًا في سورة الحجر بسجيل. وهذه لفظة سجيل فيها غرابة فجاء تفسيرها في سورة الذاريات لما قال الله سبحانه وتعالى وهو يتحدث أيضًا عن قصة قوم لوط قال سبحانه وتعالى (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ ﴿٣٣﴾) فإذن لما قال حجارة من طين نلاحظ الآن أن الحدث متفق ولكن التعبير عن النوع الذي وقع به العذاب مختلف فبسبب اتحاد أو اتفاق الحدث واختلاف التعبير كان دليلنا على أن المراد بالسجيل هو الطين ولهذا نحن نفسر الآن السجيل بالطين.

 

عندنا أيضًا: حمل اللفظة المتفقة في الآيتين على معنى واحد. وسبق أن ذكرناه في قوله سبحانه وتعالى (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) التكوير) مع قوله سبحانه وتعالى (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) الصافات) ونلاحظ الآن أن عمر فسر التزويج بالتصنيف ثم حمل التزويج الذي في سورة الصافات على معنى الزوجية في آية التكوير، كأن الرابط بينهما هو المعنى اللغوي فإذا فسّرنا (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) بمعنى صنّفت وحملنا قوله سبحانه وتعالى (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ) على المراد أنهم أضرابهم وأصنافهم الذين يرافقونهم في الظلم وفي الكفر صارت بهذا المعنى وهذا كثير جدًا. ولعله يتبين ما ذكرته في قوله (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) حينما نعرف أن في الآية قول آخر وهو قول عكرمة والشعبي لأنهم قالوا المراد بالتزويج جعل الأجساد زوجًا للأرواح قالوا الأرواح ردّت إلى الأجساد فإذا قلنا الأرواح ردّت للأجساد صار معنى الزوجية غير المعنى الذي ذهب إليه عمر بن الخطاب أو الجمهور لأنه من قال أن المراد منها صُنّفت هو قول الجمهور وعلى رأسهم عمر بن الخطاب واستدل بهذه الآيات وربط بعض الآيات ببعض، فهذا إذن عندنا يكون من باب ربط آية بآية للمناسبة اللفظية بينهما. ولعلنا نقف عند هذا ونكمل إن شاء الله ما تبقى من موضوع تفسير القرآن بالقرآن إن شاء الله تعالى.



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل