برنامج تبيان - الحلقة الثامنة - سورة القلم -2

الحلقة الثامنة

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة القلم - 2

المقدّم: لا يزال الحديث متصلًا في تفسير الآيات في سورة القلم وقد وقف بنا الكلام في الحلقة الماضية إلى قول الله جلّ وعلا (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ﴿١٠﴾ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ﴿١١﴾)

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. نهي من الله جلّ وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم عن إطاعة كل من كانت هذه صفاته وهو نهيٌ عام عن كل من كانت هذه صفته، قد ذكر المفسرون عند تفسير هذه الآية أنها نزلت في الوليد بن المغيرة وقيل في الأخنس وقيل في أبي جهل وقيل في غيرهم وأيّا من كان فالمراد العموم كيف لا وقد نص الله جلّ وعلا على ذلك بقوله (وَلَا تُطِعْ كُلَّ) و(كلّ) من ألفاظ العموم. قد ذكر الله جلّ وعلا لهذا النبي صلى الله عليه وسلم عن إطاعته عشر صفات:

الصفة الأولى أنه حلّاف أي المُكثر من الحلف واليمين وهذا إشارة إلى كذبه لكثرة حلفه وفي الغالب كما قال أهل العلم أنه ثمة اقتران بين كثرة الحلف وبين الكذب ولذلك كان من صفات المنافقين الذين يكذبون أنهم يكثرون من الحلف.

والصفة الثانية أنه مهين أي خسيس النفس دنيء وحقير. ثم قال جلّ وعلا (هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) (هَمَّازٍ) الهماز المراد به كثير الطعن بالناس والغيبة والاستهزاء بهم، وأما المشاء بنميم فهو الذي يمشي بالنميمة ووصفه بالمشاء للمبالغة والإشارة لم يقل نمام وإنما قال (مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ) يمشي بالنميمة كأنه يتجشم المشقة لأجل النميمة والعياذ بالله! كقول الله تعالى (ويسعون في الأرض فسادا) ليس يفسدون وإنما يسعون لأجل ذلك ويتعبون وتعجبني مقولة الطاهر بن عاشور رحمه الله في تفسيره التحرير والتنوير حين قال ذلك أن أسماء الأشياء المحسوسة أشد وقعاً في تصور السامع من أسماء المعقولات.

(مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ﴿١٢﴾) ثم الصفة الخامسة لهذا الإنسان أنه مناع للخير يمنع بذل الخير والإحسان والمعروف والمال وعمّم هكذا أنه مناع للخير كل أنواع الخير.

ثم الصفة السادسة أنه معتد على الخلق بالظلم في أموالهم وأعراضهم ودمائهم في حضورهم وفي غيبتهم.

ثم الصفة السابعة أنه أثيم كثير الإثم والذنوب نعوذ بالله من ذلك! كل الناس يخطئون كل ابن آدم خطّاء لكن حين يكون الإثم وصف لازم له فكأن الاثم قد اصطبغ بهذا الإنسان وأصبح سجية دائمة له.

(عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ ﴿١٣﴾) ثم الصفة الثامنة أنه عتل أي غليظ سيء المعاملة، بعد ذلك أي بعدما سبق وإضافة إليه فهو سيء الخلق أنه عتلّ بعد ذلك وجوّز بعض المفسرين هنا أن يكون (بعد ذلك) متصل بما بعدها أي بقوله زنيم أي أنه بعد هذه الصفات كلها فهو زنيم أي دعيّ ليس له مادة ولا أصل ينتج منها الخير والعياذ بالله.

الصفة العاشرة ما ذكرخ ربنا جلّ وعلا بقوله (أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ ﴿١٤﴾ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴿١٥﴾) وهي صفة التكذيب فلئن كان ذا مال وبنين ووهب الله وبسط له من المال والبنين إذا تليت عليه آيانا يبادر بالتكذيب ويقول إنها أساطير الأولين أي إنها حكايات وأقوال الأمم السابقة؟!. قال الله جلّ وعلا متوعدًا له (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ ﴿١٦﴾) والخرطوم وإن كان يطلق عند كثير من أهل اللغة على أنف بعض المخلوقات فإنه استعمل هنا إهانة وتقبيحًا له وزاد من تقبيحه أن الله تبارك وتعالى توعّده بالوسم والوسم زيادة على أنه عذاب ففيه إهانة له واختير هذا الموضع الذي هو موضع التشريف والعلو إمعانًا في إهانته لأنه طغى وتكبر وتجبر ووسم في أنفه إذلالًا له ومن المعلوم أنه في لغة العرب يطلقون إذا أرادوا إظهار العزة والأنفة ذكروا الأنف، يقولون شمخ بأنفه، هو أشمّ الأنف وفي المقابل أيضًا يطلقون الذلة على ذلك كما يقولون رغم أنفه إشارة إلى ذلته وهوانه.

بعدما ذكر الله تبارك وتعالى عن ذلك الإنسان وذكر أوصافه وذكر عقابه قال تبارك وتعالى (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾) هذه قصة ذكرها الله جلّ وعلا في كتابه أشار إليها من قصص من كان قبلنا وهم أصحاب جنة أصحاب بستان، والجنة بالمناسبة يتكرر ذكر الجنة في القرآن وفي لغة العرب والجنة أصلها في اللغة من الاجتنان من الاستتار والجنة المراد بها البستان كثير الأشجار الذي يلتف فيستر ما بداخله فمصدر جنّ وأجنّ أي ستر ومنه قيل للجن جن لأنهم مستترون عن الخلق والجنين جنينًا لأنه مستتر في بطن أمع والمجنّ مجنّا أي الدرع لأنه يستر المقاتل فالله تبارك وتعالى يخبر أنه بلى هؤلاء أي اختبرهم أي أهل مكة كما بلى أصحاب الجنة وكان من خبر هؤلاء أن الله تبارك وتعالى أعطاهم جنة فيها من الثمار وفيها من الزروع فأقسموا (لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴿١٧﴾ وَلَا يَسْتَثْنُونَ ﴿١٨﴾) تقاسموا فيما بينهم هؤلاء الإخوة أنهم سيغدون على جنتهم ويصرمون ما فيها من الثمار في وقت الصباح قبل أن يأتي إليهم المساكين الذين اعتدوا على دفع شيء من الصدقة لهم. ثم قال جلّ وعلا (وَلَا يَسْتَثْنُونَ) أي هؤلاء أقسموا أنهم سيصرمون جنتهم مصبحين ولا يستثنون قال بعض المفسرين لا يستثنون منها شيئا لا يبقون منها شيئًا سيصرمون منها كل شيء وقال بعض المفسرين أنهم أقسموا ليصرمنها ولم يستثنوا من شدة عتوهم وإجماعهم على المعصية أنهم لم يستثنوا في قَسَمِهِم والعياذ بالله!.

ثم قال تبارك وتعالى في عاقبة ذلك (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴿١٩﴾ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ﴿٢٠﴾) كأن الله جلّ وعلا أنزل عليها نارًا وعذابا من الليل وهم نائمون في فرشهم لم يشعروا بذلك فأصبحت بعد ذلك سوداء محترقة كالصريم أي كالليل فلما أصبح هؤلاء الإخوة (فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ ﴿٢١﴾) تنادوا فيما بينهم وقت الصباح (أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ ﴿٢٢﴾) والغدو هو الخروج في وقت الصباح في وقت أول النهار إن كنتم مصرين على قطع ثماركم ومنع المساكين منها.

ثم قال تبارك وتعالى (فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ ﴿٢٣﴾) أن هؤلاء انطلقوا من مساكنهم إلى الجنة وهم يتخافتون (أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴿٢٤﴾) أنهم لن يعطوا أحدًأ من المساكين شيئًا من هذه الثمار قال الله جلّ وعلا عنهم (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ ﴿٢٥﴾) أنهم ساروا أول النهار إلى جنتهم وهم قد أجمعوا قصدهم السيء في منع هؤلاء المساكين من حقهم في هذه الثمار وهم في غاية القدرة على تنفيذ ما اتفقوا عليه.

فلما وصلوا إليها ورأواها قال تبارك وتعالى (فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ ﴿٢٦﴾) لما رأوا جنتهم وما أصابهم من العذاب طاف بها طائف من الليل قالوا لقد أخطأنا الطريق هذه لست جنتنا التي عهدناها ولكنهم بعد أن تعرفوا عليها قالوا (بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴿٢٧﴾) أي أننا حرمنا منها وحرمنا مما فيها من الخير بسبب عزمنا على منع المساكين وفي هذا بيان أن من أنعم الله جلّ وعلا عليه بنعمة فعليه أن يحافظ على هذه النعمة بالقيام بأمر الله جلّ وعلا ومنه ومن أعظمه نفع الخلق بحسب ما أعطاك الله جلّ وعلا.

ثم قال الله تبارك وتعالى عن أحدهم (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ ﴿٢٨﴾) ليس المقصود أوسطهم عمرًا أو سنًا وإنما المقصود أوسطهم أعقلهم وأعدلهم كما قال الله جلّ وعلا (وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا (143) البقرة) أي عدلًا خيارا، فالمقصود أوسطهم أي أعقلهم وأخيرهم وأعدلهم قال لهم (أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) لولا كنتم تنزهون الله جلّ وعلا وتبتعدون عن إضمار الشر جراء ما أعطاكم الله تبارك وتعالى من النعمة فقالوا فيما بينهم (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ ﴿٢٩﴾) قالوا ذلك معترفين بخطيئتهم. ثم اقنلب بعضهم إلى بعض (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ ﴿٣٠﴾) كل واحد يلوم الآخر وهذا من عادة الناس أنهم إذا اجتمعوا على معصية الله تفرقوا فيما بينهم كما قال بعض السلف: ما اجتمع اثنان على معصية إلا تفرقوا على تقالٍ. (قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ ﴿٣١﴾) يا حسرتنا لقد طغينا بمنع ما لله الله جلّ وعلا علينا (عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ ﴿٣٢﴾) فعلوا ذلك مبتهلين إلى الله جلّ وعلا والرغبة لا تكون إلا الله جلّ وعلا فهي عبادة من العبادات ولذلك قدموا الجار والمجرور (إِلَى رَبِّنَا) دون من سواه (رَاغِبُونَ). قال الله جلّ وعلا في ختام هذه القصة (كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿٣٣﴾) أي مثل هذا العذاب يكون العذاب ومع ذلك لعذاب الآخرة أكبر وأشد وأشق مما حصل لهم لو كانوا يعلمون.

صفحة أصول التفسير – د. فهد بن عبد الرحمن الرومي

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: عرفنا في الحلقة السابقة ما يتعلق بتعريف أصول التفسير وفضله وأنواعه ونحو ذلك فهل لكم أن تحدثونا عن نشاة هذا العلم وبدايته.

د. فهد بن عبد الرحمن الرومي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. فإن الحديث عن نشأة أصول التفسير يسبقه الحديث عن نشأة علم التفسير حتى نضع علم الأصول موضعه والمراحل التي مر بها. وسنحاول إيجاز هذه المراحل حتى تناسب الحديث الإذاعي. نقول أن سنة الله تعالى جرت في إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يبعث لكل أمة نبيًا بلسان قومه وأن يكون كتابه بلسانهم لذا أرسل الله سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بنفس لسان قومه قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (4) إبراهيم) وظهر محمد صلى الله عليه وسلم في جزيرة العرب وأنزل الله عليه القرآن بلسان قومه اللسان العربي (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) يوسف) وقال تبارك وتعالى (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴿١٩٥﴾ الشعراء) والقوم كانوا عربًا خلصًا يفهمون القرآن الكريم بمقتضى السليقة العربية واللسان العربي غير أن القرآن يعلو على سائر كلام العرب بألفاظه وأساليبه البلاغية واللغوية فضلًا عن معانيه وهداياته ودلالاته لذا لم يكن القوم على درجة واحدة في إذراك معانيه بل كانوا يتفاوتون في فهمها وإدراكها وإن كان كل منهم يدرك منه ما يوقفه على إعجازه فأدرك القوم كلهم إعجاز القرآن الكريم وبلاغته وفصاحته وأنه لا يمكن لأحد أن يأتي بمثل هذا القرآن. مع هذا كان بعضهم قد لا يدرك كل الإدراك دلالات هذه الآيات القرآنية ومعانيها الواسعة يحيط علمه بهذه المعاني والألفاظ المعطاءة فكان بعضهم يفسّر ما غمُض على الآخر من معنى فإن أشكل عليهم معنى أو غمُض عليهم مرمى ولم يجدوا من يفسره لهم سألوا الرسول صلى الله عليه وسلم وبيّنه لهم وبهذا نشأ علم التفسير. وهذا العلم مرّ بمراحل كثيرة ولكن لا نستطيع أن نقسمه على تقسيم المراحل التي يرددها بعض الباحثين وإنما نقسّمه على العصور. نتحدث عن التفسير في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كيف كان ثم التفسير في عهد الصحابة ثم التفسير في عهد التابعين ثم يمكن بعد ذلك أن يتحدد لنا المرحلة إن صح تسميتها بمرحلة رابعة وهو مرحلة التدوين إلى عصرنا هذا.

المرحلة الأولى أو العصر الأول هو الذي نشأ فيه علم التفسير هو التفسير في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى تكفّل بحفظ القرآن (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿٩﴾ الحجر) كما تكفل أيضًا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يجمع القرآن في صدره (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴿١٦﴾ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ ﴿١٧﴾ القيامة) إذن القرآن محفوظ في صدر الرسول صلى الله عليه وسلم وفي صدور المؤمنين. ثم كلف الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم (هذا من ناحية اللفظ) أن يبين لهم القرآن وأن يفسره لهم كما قال سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل) فهذه الآية فيها إشارة إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم كلّف ببيان ما يستعصي عليهم من آيات أو دلالات وأيضًا يتفكرون في آيات أخرى ولذا فقد كان الصحابة رضي الله عنهم يرجعون إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أشكل عليهم، هم يفسرون القرآن لكن إذا أشكل عليهم شيء رجعوا للرسول صلى الله عليه وسلم فيجدون الجواب الشافي.

نأتي لمسألة أخرى وقضية أخرى ما هي قدر المسائل التي أشكلت على الصحابة وفسرها لهم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ بل هل الرسول صلى الله عليه وسلم فسر القرآن كله أو فسر أكثره أو لم يفسر إلا القليل منه؟ العلماء اختلفوا في مقدار ما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن إلى قولين أو ثلاثة:

 

أولها أن الرسول صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه وقال بهذا القول ومال إليه ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: يجب أن يُعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن لأصحابه معاني القرآن كما بيّن لهم ألفاظه فقوله تعالى (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) يتناول هذا وهذا. وهناك أيضًا أدلة استدل بها العلماء إضافة لما ذكره ابن تيمية رحمه الله منها آية النحل (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44) النحل) والبيان يتناول الألفاظ والمعاني كما أنه بين ألفاظه كلها فقد بين معانيه كلها، هكذا يقولون. كذلك أيضًا حديث أبي عبد الرحمن السلمي حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن أنهم كانوا يستقرئون النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا تعلموا شيئاً لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعملوا ما فيها من العلم والعمل يقولون: فتعلمنا القرآن والعمل جميعًا. كذلك أيضًا يستدل القائلون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر القرآن كله بقول أنس رضي الله عنه: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا وما ورد أن ابن عمر رضي الله عنهما أقام على حفظ البقرة عدة سنين أو ثماني سنين قالوا وإن كان المراد مجرد الحفظ لما احتاج إلا لزمن يسير فدل هذا على أن المراد فهم المعاني. وأستدل أيضًا بقولهم بدليل عقلي قالوا إن كل كلام المقصود منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه فالقرآن أولى والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتاباً في فن من الفنون أو علم من العلوم فلا يستشرحوه فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم فمن لازم ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بلّع عهم ألفاظه بلغ لهم أيضًا معانيه. لعلنا نقف هنا عند قول هذه الطائفة التي رأت أن الرسول صلى الله عليه وسلم فسر كل ألفاظ القرآن ونرجئ الحديث عن الطائفة الثانية إلى الحلقة القادمة بإذن الله. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل