برنامج تبيان - الحلقة السابعة - سورة القلم - 1

الحلقة السابعة

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة القلم

المقدّم: انتهينا في الحلقة الماضية من سورة تبارك نسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما ذكرت فيها من علم نافع ونحن الآن عند صدر سورة القلم ولعلك توضح لنا تعريفًا بهذه السورة.

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. سورة القلم تسمى سورة نون وتسمى سورة القلم وتسمى سورة نون والقلم كما هو في كثير من التفاسير وكذا ذكرها البخاري في صحيحه.

والسورة سورة مكية بل حكى بعض المفسرين الاتفاق على مكيتها. وآياتها ثنتان وخمسون آية وأما موضوع السورة فهو كسائر موضوعات القرآن المكي في تثبيت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبيان ما جاء به من الخُلق القويم والدعوة إلى التوحيد وإثبات البعث.

قال الباري جلّ وعلا (ن) ما المراد بـ(نون) في بداية هذه السورة؟ نون على الصحيح من أقوال أهل العلم أنها حرف من حروف الهجاء التي افتتحت بها بعض سور القرآن كـ (ص، ق، حم، ألم ونحو ذلك) وهذه السورة هي ربما أول سورة نزلت بحروف التهجي المقطعة فإنها عند كثير من أهل العلم من أوائل ما نزل بعد العلق وسورة المدثر والمزمل ثم جاءت سورة نون على خلاف بينهم في تحديد وقت النزول بدقة. وبالمناسبة فإن حروف التهجي التي افتتحت بها بعض سور القرآن اختلف أهل العلم بالمراد بها ومعناها خلافًا طويلًا ولكن أقرب الأقوال أن هذه الأحرف هي لاعجاز المشركين وتحديهم وأن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته إنما هو مكون من هذه الأحرف التي تعرفونها وتتكلمون بها. وبالمناسبة فإن السورة المفتتحة بحروف التهجي في كتاب الله هي 29 سورة وعدد حروف الهجاء 14 حرفًا أي أنها تقريبًا نصف حروف الهجاء وقد جمعها بعض أهل العلم بقولهم: نص حكيم قاطع له سرّ. وأيضًا من لطائف حروف الهجاء أن كل سورة مفتتحة بحروف التهجي فهي مكية إلا البقرة وآل عمران وقد اختلفوا في بعض السور الأخرى. وحروف الهجاء منها ما هو على حرف واحد كـ(ق، ص، ن) ومنها ما هو على حرفين كـ (حم) ومنها ما هو على ثلاثة كـ (الم) ومنها ما هو على أربعة كـ (المر) ومنها ما هو على خمس كـ (كهيعص) والمراد منها -كما قلت في البداية- هو التحدي والإعجاز وأن هذا القرآن الذي عجزتم عنه إنما هو مكوّن من مثل هذه الأحرف.

ثم قال تبارك وتعالى بعد قوله (ن) قال (وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿١﴾) هذا قسم من الله جلّ وعلا بالقلم وما يسطرون به والقلم هو جنس شامل للأقلام التي تُكتب بها العلوم. وما يسطرون أي وما يسطر به من أنواع الكلام، والقسم هنا جوابه هو قول الله تعالى (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾) وبالمناسبة هنا أريد أن أنبه على جملة من القضايا في القسم:

المسألة الأولى أن لله جلّ وعلا أن يقسم بما شاء من مخلوقاته وأما الخلق فليس لهم أن يقسموا إلا بالله جلّ وعلا ولا يجوز لهم أن يقسموا بغيره لأن من حلف بغير الله كما قال صلى الله عليه وسلم فقد كفر أو أشرك.

المسألة الثانية أن الله تبارك وتعالى قد أقسم في القرآن بنفسه وبذاته الكريمة فقال (وربك) (فوربك) وأقسم بعبده صلى الله عليه وسلم (لعمرك) وأقسم بكثير من مخلوقاته كالشمس والليل والعصر والضحى والقسم في القرآن له فوائد عدة أبرزها فائدتان:

1.      تأكيد المقسم عليه وهو ما يسمى بجواب القسم

2.      التنويه بالمقسم به ولفت الأنظار إليه ولذلك درج العلماء على قولهم إذا أقسم الله بشيء فإنما يدل على عظمة هذا الشيء.

قال الله تبارك وتعالى (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿٢﴾) هذا جواب القسم والمعنى أنك يا محمد ليس الأمر كما زعموا فما أنت بمجنون وقد انتفى عنك الجنون بنعمة الله جلّ وعلا عليك التي أمتها. ثم قال جلّ وعلا اتمامًا لهذه الآية (وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ ﴿٣﴾) قد أكد الله جلّ وعلا هذا الوعد الذي وعد نبيه صلى الله عليه وسلم بعدد من المؤكدات: الأول (إنّ) والثاني لام الابتداء والثالث تقديم المجرور في قوله (وإن لك) ولم يقل وإن أجرا غير ممنون لك وإنما قدّم (لك) عناية وتأكيدًا بالمخاطب. والممنون هو المقطوع أي هذا الأجر الذي وعدت به غير مقطوع ولا منقطع وبعض المفسرين يذكر معنى آخر للممنون أنه ليس فيه منٌّ ولا أذى.

ثم قال تبارك وتعالى (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴿٤﴾) هذه الجملة فيها من المؤكّدات كالسابقة فيها إنّ المشددة وفيها لام الابتداء وفيها تقديم الجار والمجرور وقد وصف الله جلّ وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه على خلق عظيم والخلق العظيم هنا المقصود به الدين وما جاء به صلى الله عليه وسلم من الأخلاق والشرائع ولما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن. ولا شك أنه صلى الله عليه وسلم في الرتبة العليا من الكمالات البشرية والخلاق الفاضلة يعترف بذلك أعداؤه كما يقر بذلك ويعترف به يشهد له أولياؤه وأتباعه صلى الله عليه وسلم. وهذه الجملة ولاحظ التعبير بقوله (لعلى) التي تفيد التمكن من الخلق العظيم ولا شك أن حرف (على) معروف في اللغة العربية أنه يفيد الاستعلاء وأيضًا ذكر بعض المفسرين وجهًا لطيفًا آخر وهو أنك عليٌّ بهذا الخلق مستعلٍ بخلقك الذي منّ الله عليك به.

ثم قال تبارك وتعالى (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ ﴿٥﴾ بِأَيِّيكُمُ الْمَفْتُونُ ﴿٦﴾) أي ستعلم ويعلم هؤلاء الكفار أيكم المفتون عن الحق المنصرف عنه وأيكم أولى بوصف الجنون.

ثم قال تبارك وتعالى (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴿٧﴾) الله جلّ وعلا لا يخفى عليه خافية فهو يعلم من هو الضالّ ومن هو المهتدي.

وقال بعد ذلك (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ﴿٨﴾) أي لا تطع يا محمد صلهم هذا نهي للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من أمته لا تطع هؤلاء المكذبين فالمكذبين ليسوا أهلا أن تطيعهم أو تتبع أهواءهم.

ثم قال جلّ وعلا (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴿٩﴾) أي أحب هؤلاء الكفار لو أنك تلاينهم وتصانعهم وتوافقهم إما بالكلام أو بالفعل أو حتى بالسكوت على ما هم عليه من الضلال والانحراف وعبادة غير الله جلّ وعلا فيفعلوا مثل هذا الفعل ويتركوا عداوتك ولكن الله تبارك وتعالى عصمه عن ذلك، وهذا نهيٌ له صلى الله عليه وسلم ونهيٌ لأمته وتعليم لها أن لا يطيعوا أعداء الله جلّ وعلا ولا يمالئوهم ولا يصانعوهم ولا يداهنوهم في ترك بعض الحق والتنازل عنه حتى ولو أغراهم أهل الكفر والشرك والنفاق أنهم إن فعلوا ذلك فسيُعرضون عنهم أو يتركون أذاهم.

صفحة أصول التفسير – د. فهد بن عبد الرحمن الرومي

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: انتهينا في الحلقة السابقة من تعريف الأصول لغة واصطلاحًا وكذا التفسير لغة واصطلاحًا والفرق بينه وبين التأويل والفرق بين التأويل وأنواع التفسير فأكملنا تعريف اللفظتين أصول والتفسير ولعلكم في هذه الحلقة تذكرون تعريف أصول التفسير بمعناه المركّب.

د. فهد بن عبد الرحمن الرومي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. بحمد الله انتهينا من تعريف كلمة الأصول لغة واصطلاحًا ثم تعريف التفسير لغة واصطلاحًا وذكرنا بعضًا مما يتعلق بعلم التفسير كالفرق بينه وبين التأويل وكذلك أيضًا أنواع التفسير في الحلقات الماضية. يبقى بعد ذلك الحديث عن الكلمتين مركبتين: "أصول التفسير" اللتين تدلان على مصطلح أو معنى خاص لعلم خاص أو اسم لعلم خاص. لا شك أن أصول التفسير من العلوم التي لم يتحدد معناها تامًا ولم يتفق العلماء على مدلولها كعلم أصول الفقه وعلم أصول الحديث وحتى علم التفسير نفسه لم يتحدد مفهومه ومدلوله وما يدخل في التفسير وما لا يدخل في علم التفسير فهو ميدان لا يخلو من خلاف واسع في هذا الموضوع. ومن هنا نتكلم حين نذكر ما يذكره بعض العلماء في أصول التفسير أو في تعريفه بمعناه المركّب لا على أنه متفق عليه بين العلماء لكنه تعريف تقريبي لهذا العلم الذي اصطلح عليه العلماء قديمًا وحديثًا، تعريف تقريبي، قالوا إنه القواعد والأسس التي يقوم عليها علم التفسير وهذه القواعد والأسس تشمل ما يتعلق بالمفسر من شروط وآداب ينبغي أن تتوفر في المفسر وما يتحلى به من الآداب وتشمل أيضًا ما يتعلق بالتفسير من قواعد وطرق ومناهج وقواعد وأساليب وعلوم متعلقة بالتفسير كغريب القرآن وإعراب القرآن ونحو ذلك من العلوم، إذن هو القواعد والأسس التي يقوم عليها علم التفسير. وقيل هناك أيضًا تعريف آخر له بأنه العلم الذي يتوصل به إلى الفهم الصحيح للقرآن ويكشف الطرق المنحرفة أو الضالة في تفسيره لأنه بمعرفة هذا العلم يعرف التفسير الصحيح ويعرف أيضًا التفسير المنحرف وذلك بموافقته للقواعد والشروط التي وضعها العلماء أو مخالفته لها وعلم أصول الفسير علم واحد من علوم كثيرة أنشئت لخدمة القرآن الكريم كعلم التجويد والقرآءات والرسم وغيرها وله صلة وثيقة بعلوم القرآن الكريم فهو من أهمها وأبرزها بل قد يطلق على علوم القرآن الكريم يطلق عليها علم أصول التفسير من باب إطلاق الجزء على الكل وإظهارا لمكانته فيها وأيضًا سمي بأصول التفسير لأنه يبنى عليها علم التفسير حسب قواعده وشروطه فإطلاق أصول التفسير على علوم القرآن لأنه يشتمل على هذه العلوم ويشتمل على علوم لا بد للمفسر من معرفتها وهي بمثابة المفتاح لباب التفسير.

غاية علم أصول التفسير غايته وهدفه هو ضبط التفسير لأن التفسير ينبغي أن يسير على قواعد صحيحة فوضع هذا العلم لضبط التفسير بوضع القواعد الصحيحة والطرق السليمة والمناهج السديدة للتفسير وكذا وضع الشروط المحكمة والآداب الفريدة للمفسر بضبط التفسير وضبط المفسر يستقيم الطريق الصحيح للتفسير كما أن غاية التجويد هي النطق الصحيح لألفاظ القرآن فإن غاية أصول التفسير هي الفهم الصحيح لمعناه فهذا يتعلق بالألفاظ وذاك يتعلق بالمعاني. ومثل علم أصول التفسير بالنسبة للتفسير كمثل علم النحو بالنسبة للنطق العربي والكتابة العربية فهو ميزان يضبط القلم واللسان ويمنعهما من الخطأ في آخر الكلِم فكذلك علم أصول التفسير هو ميزان للمفسر يضبطه ويمنعه من الوقوع في الخطأ في فهم كلام الله أو عن تفسيره تفسيرًا خاطئا وهو ميزان أيضًا – كما أشرت- يتبين به التفسير الصحيح من التفسير الفاسد.

فائدة تعلم علم أصول التفسير:لا شك أن لعلم أصول التفسير فوائد كثيرة لا تحصى وسردها والحديث عنها يحتاج إلى دروس ومحاضرات لكن نشير إلى عناوينها:

·         أولها التزود بالثقافة العالية من المعارف القيمة والتسلح بسلاح العلم والمعرفة للدفاع عن القرآن الكريم ضد الأعداء الذين يبذلون وسعهم لتحريف معاني القرآن والإلحاد فيه وفي دلالاتها ولا شك أن مبدأ التحريف في القرآن نشأ في وقت مبكر في الإسلام ممن دخل في الإسلام للدس فيه وتحريف معانيه ومحاربته من الداخل فأنشأ العلماء هذه العلوم وهذه القواعد والضوابط لكشف هذه الأساليب ليتسلح المسلم بسلاح العلم والمعرفة.

·         أيضًا من فوائد هذا العلم معرفة الطرق الصحيحة لتفسير القرآن الكريم وما يقبل منها وما يرد ومعرفة من يصلح لتلقي التفسير عنه ومن لا يصلح تفسيره للقرآن ونحن نشاهد كثيرًا في قنوات إعلاية في الإذاعة والقنوات الفضائية والصحافة وكذلك في المجالس من يتحدث أو يتناول تفسير القرآن الكريم وهو ليس من أهله وعند نشر هذه الشروط التي ينبغي توافرها في المفسر وتوعية الناس بها يعرف الناس عمن يأخذون دينهم وعمن يأخذون تفسير هذا القرآن وعمن يقبل ومن يُقبل تفسيره.

·         فائدة ثالثة معرفة القواعد التي تعين على فهم كتاب الله تعالى الفهم الصحيح حتى يبني المسلم عقيدته على عقيدة صحيحة ثابتة لا شك أن كل مسلم من حقه أن يفهم كلام الله بنفسه فوضع هذه القواعد ووضع هذه المواد المعينة على الفهم تسهيلها وتقريبها لطلبة العلم يعينهم على شيء من فهم كتاب الله تعالى ويرجعون في تصحيح مفاهيمهم إلى العلماء الأعلام.

·         كذلك أيضًا من الفوائد الكثيرة الاطلاع على الجهود العظيمة التي بذلها علماء السلف للمحافظة على القرآن الكريم لفظًا ومعنى ومن ثمّ الاقتداء بهم في ذلك والسير على نهجهم لعلنا ندرك بعض ما أدركوه من الأجر والثواب "وتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم إن التشبه بالكرام فلاح".

موضوع علم أصول التفسير: لا شك أن موضوع كل علم هو الشيء الذي يبحث فيه ذلك العلم عن أحواله العارضة لذلك وإذا كان الأمر كذلك فإن أصول التفسير تبحث في علم التفسير من حيث التعريف به ونشاته وتحديد قواعده وأسسه وأقسامه وحكمه وطرقه ومناهجه وكذا أساليبه وأسبابه وأنواع الاختلاف فيه فهذا هو موضوع أصول التفسير.

 

فضل علم أصول التفسير: أما فضله لا شك أنه من أفضل العلوم وأوجز أن لهذا العلم مكانة كبيرة وشرف عظيم وهناك قاعدة علمية تقول أن شرف العلم من شرف المعلوم وأصول التفسير تبحث في علم التفسير وموضوع هذا العلم هو القرآن الكريم وهو خير الكلام لأنه كلام الله تعالى فلا عجب أن تكون النتيجة أن أصول التفسير من أشرف العلوم وأعلاها مكانة وأكثرها فضلًا. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل