برنامج تبيان - الحلقة السادسة - سورة الملك - 6

الحلقة السادسة

الصفحة الأولى – صفحة التفسير – د. محمد بن سريّع السريّع

الصفحة الأولى تختص بالتفسير مع د. محمد بن سريع السريع أستاذ التفسير وعلوم القرآن بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض ورئيس مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

سورة تبارك - 6

المقدّم: لا يزال حديثنا عن تفسير سورة الملك وقد وقفنا عند قوله سبحانه وتعالى (فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴿٢٧﴾) فلعلك تتفضل ببيان معنى الآية الكريمة.

د. محمد بن سريع السريع: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. هذه الآية لها صلة بما قبلها فبعد أن قال الله جل في علاه (وَيَقُولُونَ) أي الكفار( مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) من العذاب (إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٥﴾) جاء الجواب من الله تعالى قد قال تلقينًا لنبيه صلى الله عليه وسلم (قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿٢٦﴾) ثم قال جل في علاه (فَلَمَّا رَأَوْهُ) أي فلما رأى الكفار هذا العذاب الذي وعدوا به (زُلْفَةً) أي قريبًا منهم وعاينوه وأبصروه (سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ساء وجوههم وظهر عليها من الذل والهوان والخوف والكآبة والقترة (وَقِيلَ) قيل لهم بعد ذلك (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ﴿٢٧﴾) وقد حُذف القول هنا لأن المقصود هو القول وليس القائل والذين يقولون لهم هذا هم ملائكة العذاب فإنهم يقولون لهم (هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ) أي هذا الذي تزعمون أنه لا يكون ولا يحصل هاقد جاءكم العذاب من الله جلّ وعلا.

ثم قال الله جلّ وعلا (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢٨﴾) هذه من الله جلّ وعلا أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بقوله (قل) قل يا أيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لهؤلاء الكفار (أرأيتم) أي أخبروني إن أهلكني الله ومن معي من المؤمنين الذين آمنوا بما جئت به كما تزعمون وكما تحبون وكما تتمنون أو رحمنا أو أنزل علينا رحمته علينا جلّ وعلا أخّر مماتنا فمن الذي يجير أن يحمي الكافرين من عذاب أليم والمراد بالكافرين هؤلاء المخاطبين ولكن عُدل عن الخطاب إلى اللفظ الظاهر لم يقل فمن يجيركم من عذاب أليم وإنما قال (فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) لإظهار الوصف الذي يستحقون به العذاب الأليم إنما استحقوا العذاب الأليم بسبب كفرهم والأليم بمعنى المؤلم، فعيل بمعنى مُفعِل.

ثم قال عز وجل (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴿٢٩﴾) تكرار مرة أخرى للفظ (قل) وقلنا أن هذه السورة قد ختمت بهذا اللفظ في غيرما موضع اهتمامًا بهذه الجُمَل التي سيقولها النبي صلى الله عليه وسلم كما أمره ربه جلّ وعلا لهؤلاء الكفار فقال سبحانه (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ) ربي وإلهي هو الرحمن وصفه الرحمن جلّ وعلا فهو يرحمنا والإتيان بهذا الاسم الكريم دون غيره من الأسماء الحسنى إنما هو لسؤال الرحمة والتوسل إلى الله جلّ وعلا بهذا الوصف الكريم الذي هو من أعظم أوصافه جلّ وعلا (آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا) وقدّم الجار والجرور كما قلنا في غيرما موضع لإفادة الاختصاص فعليه توكلنا دون غيره فلا نتوكل إلا عليه جلّ وعلا كما في قوله (إياك نعبد وإياك نستعين) أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. ونحن من أبرز الأهداف التي نهدف لها في هذا البرنامج بيان معاني الآيات المفسرة والأمر الثاني إعطاء بعض القواعد أو الإشارات أو التنبيهات التي يستفيد منها الإنسان في كثير من المواطن في كتاب الله جلّ وعلا ولذلك جمعنا بين التفسير وأصوله. يقول جلّ وعلا في الآية (قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) ستعلمون أيها الكفار بعد ذلك إذا نزل العذاب أيّ الفريقين نحن أو أنتم الذي في ضلال مبين وهذا من باب التنزّل مع الخصم وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنه على الحق المبين والمؤمنين يعلمون أنهم على الحق المبين ولكن من باب التنزل مع هؤلاء الكفار والتدرج معهم يقول مثل هذا الكلام. وقوله جلّ وعلا  (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) أي في ضلال وخطأ بيّن واضح ولا شك أن الكافر في ضلال وخطأ بيّن جلي واضح ولذلك سيقول هؤلاء الكفار يوم القيامة (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴿١٠﴾ الملك) لو كان عندنا أدنى سمع أو أدنى عقل ما كنا في أصحاب السعير فإن الحق بيّن والضلال بيّن ولكنهم نعوذ بالله اتبعوا أهواءهم واتبعوا عدوهم الشيطان فأوقعهم في العذاب.

ثم ختم الباري جلّ وعلا هذه السورة المباركة بقوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴿٣٠﴾) هذه هي الآية الأخيرة وفيها أيضًا أمر من الله جلّ وعلا لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم فقال (قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني (إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا) والغور مصدر غار في الأرض إذا ذهب والمراد به أن يذهب في الأرض فيصبح بعيدًا في غير متناول أيديهم ولا يستطيعون الوصول إليه ولا شك أن كون الماء قريب هو نعمة من نعم الله جلّ وعلا فالماء هو سبب الحياة وبدون الماء لا يمكن أن يعيش الإنسان كما قدّر الله جلّ وعلا وقضى ومن رحمة الله بعباده أن جعل الماء متناول أيديهم وإذا أراد الله تبارك وتعالى بقوم سوءا أو نكالا أو عقوبة أغار عنهم الماء أي أذهبه فلم يعودوا يستطيعون الوصول إليه. وجاء التعبير في الآية بالمصدر (الغور) ولم يأت التعبير بالفعل أو باسم الفاعل والتعبير بالمصدر يفيد المبالغة كأن نقول رجلٌ عَدْل أبلغ من أن نقول رجل عادل أو رجل يعدل فإن عَدْل وصف له بالمصدر الذي يفيد المبالغة كأن هذا الوصف وصف لازم له ثابت. قال جلّ وعلا بعد ذلك (فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) لو أصبح هذا الماء الذي تشربون وتسقون منه غورًا ذاهب في الأرض فمن يأتيكم بماء معين وهذا الاستفهام للإنكار لا أحد غير الله جلّ وعلا يأتيكم بماء معين والمعين الماء الظاهر على وجه الأرض ولا شك أن كل أحد يعترف أن ذلك هو فضل الله جلّ وعلا وقدرته وتمكينه.

من اللطائف هنا ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية قرئت عند أحد العُتاة نعوذ بالله من الضلال تليت عنده هذه الآية (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ) فقال نعوذ بالله تجيء به الفؤوس والمعاول نعوذ بالله من الجرأة على الله جلّ وعلا، يقال: فذهب ماء عينه عقوبة من الله جلّ وعلا وأيما كان سواء صحت هذه القصة أو لم تصح فإن الجرأة على الله جلّ وعلا وعلى آياته سبب من أسباب وقوع العذاب العاجل قبل العذاب الآجل.

صفحة أصول التفسير – د. فهد بن عبد الرحمن الرومي

مع فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي أستاذ الدراسات القرآنية بجامعة الملك سعود، عضو مجلس إدارة الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه (تبيان).

المقدّم: بعد أن عرفنا في الحلقة السابقة معنى التأويل عند السلف والفرق بينه وبينه التفسير هل لنا أن نعرف أنواع التفسير.

د. فهد بن عبد الرحمن الرومي: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحديث عن أنواع التفسير تتمة للحديث عن تعريف التفسير أما الحديث عن مناهجه وطرقه فهذا له موضوعاته الخاصة الموسّعة التي ستأتي في حلقات أخرى قادمة بإذن الله. هناك أثر يجمع هذه الأنواع روي عن ابن عباس رضي الله عنهما حيث قال رضي الله عنه: التفسير على أربع أوجه، وجه تعرفه العرب من كلامها وتفسير لا يُعذر أحدٌ بجهالته وتفسير يعلمه العلماء وتفسير لا يعلمه إلا الله. وقد بيّن الإمام الطبري رحمه الله تعالى في كتاب تفسيره المعروف جامع البيان هذا الأثر وبيّن هذه الوجوه وذلك في تفسير قوله تعالى (نزلنا الذكر  ولعلهم يتفكرون) وفي غيرها من الآيات ثم قال رحمه الله تعالى فقد تبين ببيان الله جل ذكره أن ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم الأول ما لا يوصل إلى علم تأويله إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم وبيّن ذلك رحمه الله بقوله: وذلك تأويل جميع ما فيه من وجوه أمره، واجبه وندبه وإرشاده وصنوف نهيه ووظائف حقوقه وحدوده ومبالغ فرائضه وهذا وجه لا يجوز لأحد القول فيه إلا ببيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم له تأويله.

النوع الثاني كما قال الإمام الطبري رحمه الله: ما لا يعلم تأويله إلا الله الواحد القهار وذلك ما فيه من الخبر عن آجال حادثة وأوقات عاتية كوقت الساعة والنفخ في الصور ونزول عيسى عليه السلام وما أشبه ذلك فإن تلك أوقات لا يعلم أحد حدودها ولا يعرف أحد تأويلها إلا الخبر بأشراطها لاستئثار الله بعلم ذلك على خلقه وبذلك أنزل ربنا محكم كتابه. إذن الأول لا يعلمه إلا الله والثاني لا يعلم إلا عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم بيّن الثالث بقوله رحمه الله: هو ما يعلم تأويله كل ذي علم باللسان العربي، وبيّن ذلك بقوله: وذلك كإقامة إعرابه ومعرفة المسميات بأسمائها اللازمة غير المشترك فيها والموصوفات بصفاتها الخاصة دون ما سواها فإن ذلك لا يجهله أحد منهم وذلك كذلك سامع منهم لو سمع تاليًا يتلو قوله تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿١٢﴾ البقرة) لو سمع أحد هذه الآية لم يجهل أن معنى الإفساد هو ما ينبغي تركه مما هو مضرة وأن الإصلاح هو ما ينبغي فعله مما فعله منفعة ولهذا قد بيّن الطبري والماوردي هذه الوجوه الثلاثة. أما الوجه الرابع الذي ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو ما لا يعذر أحد بجهالته فقد بين الطبري رحمه الله تعالى أنه معنى غير الإبانة عن وجوه مطالب تأويله وإنما هو خبر من تأويله ما لا يجوز لأحد الجهل به يريد بذلك رحمه الله أن النوع الرابع الذي ذكره ابن عباس رضي الله عنهما لا يدخل في أنواع التفسير لأنه ليس تفسيرًا، وجه لا يعذر أحد بجهالته لا يحتاج إلى تفسير وما دام لا يحتاج إلى تفسير فهو ليس من أنواع التفسير، وأكّد هذا الإمام الماوردي رحمه الله في تفسيره بقوله: وهذا التقسيم الذي ذكره ابن عباس صحيح غير أن ما لا يعذر أحد بجهالته داخل في جملة ما يعلمه العلماء من الرجوع إليهم في تأويله وإنما يختلف القسمان في فرض العلم به فما لا يعذر أحد بجهله يكون فرض العلم به على الأعيان وما يختص به العلماء يكون فرض العلم به على الكفاية وصار التفسير منقسمًا إلى ثلاثة أقسام، هذا كلام الإمام الماوردي. وقبل أن نذكر الأقسام الي ذكرها الماوردي رحمه الله تعالى أنا أقول أن مثل هذا الكلام كونه يدخله في القسم الذي يعلمه العلماء، نعم يعلمه العلماء لكن أيضًا لا يحتاج إلى تفسير وما دام لا يحتاج إلى تفسير عند العامة فمن باب أولى أنه لا يحتاج إلى تفسير عند العلماء فإدخاله في هذا النوع لا حاجة إليه وأنا أرى أنه كما ذهب إليه الإمام الطبري رحمه الله أن لا يدخل في أنواع التفسير فتبقى أنواع التفسير ثلاثة. يقول الماوردي رحمه الله فصار التفسير منقسمًا إلى ثلاثة أقسام: أحدها ما اختص الله بعلمه كالغيوب فلا مساغ للإجتهاد في تفسيره، والثاني ما يُرجع فيه إلى لسان العرب اللغة والإعراب، والثالث ما يُرجع فيه إلى اجتهاد العلماء وهو تأويل المتشابه واستنباط الأحكام وبيان المُجمل وتخصيص العام ونحو ذلك. والحقيقة أن هذه الأقسام خرج منها النوع الذي لا يمكن معرفته إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا النوع أرى أن النوع الثاني الذي ذكره المارودي والنوع الثالث هما حقيقة نوع واحد ما يرجع فيه إلى لسان العرب وما يرجع فيه إلى اجتهاد العلماء هذان متداخلان فأرى أنهما نوع واحد وأن هناك النوع الثالث الذي لا يعرف إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم. على هذا أرى أن الأنواع الثلاثة لعلم التفسير هي:

1.      ما اختص الله بعلمه كالغيوب فلا مساغ للإجتهاد فيها

2.      والثاني لا يمكن معرفته إلا ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم

3.      والثالث ما يحتاج إلى اجتهاد العلماء ويدخل فيه ما يرجع فيه إلى لسان العرب، اللغة والإعراب فهو من مَلَكات العلماء

 

هذا ما يتعلق بأنواع التفسير وأسأل الله التوفيق والسداد. 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل